هكذا تكون العدالة
04-14-2011 09:31 PM

هكذا تكون العدالة

رشيد خالد إدريس موسي
[email protected]

ما يجري في مصر من مساءلة لرموز النظام السابق, و المتهم بعض رموزه بالفساد, يلقي الضوء علي حقيقة كانت تبدو غائبة في عالمنا العربي, و هي غياب حكم القانون و عدم تطبيقه علي كبار مسئولي الدولة, حتي ظنوا أنهم بمنجي من العقاب. هذا ما جعلهم يعتقدون أنهم فوق القانون, يفعلون ما يحلو لهم, و كأن البلد ضيعة خاصة بهم. و يعني غياب الضمير, الذي ذهب في نوم عميق و لم يصحو إلا بعد أن أودع بعض من هؤلاء المسئولين في السجن. هذا حال الإنسان في كل زمان و مكان, إن أصابه الخير منع, و إن أصابه الشر جزع. بعد سنتين من قيام ثورة يوليو 1952م, في مصر, تم إقرار قانون الإصلاح الزراعي, و بموجبه تم إعادة توزيع الملكيات الزراعية, علي صغار الفلاحين, بعد أن كانت في يد رأسماليين إقطاعيين و كان هؤلاء الفلاحين, يعملون لديهم بما يشبه السخرة. من هؤلاء الإقطاعيين, عبود باشا, مالك مصانع السكر في صعيد مصر في ذلك الزمان, أي قبل التأميم , و كان يمتلك مساحات شاسعة من الأرض الزراعية. لم يصدق عبود باشا ما قيل, فجن جنونه و حمل سلاحه و إمتطي حصانه و صار يطلق النار يمنة و يسرة و يطارد الفلاحين و يشتمهم, بإعتبارهم ضمن أصول مزرعته, و ليسوا بشراً, فكيف لهم بالأرض!. لكن جاءت الفكرة بعد حين, و تأكد له أن دوام الحال من المحال.
إن غياب هذا القانون, هو الذي أدي إلي إستشراء الفساد و العبث بالصالح العام و الإضرار بالمواطن. هذا الفساد الذي أزكمت رائحته الأنوف, بحيث إستحوذ 20% من أفراد المجتمع علي 80% من إجمالي الناتج القومي. و يبدو أن قانون باريتو Pareto law ( 20/ 80 ) أو قانون ( القلة و الكثرة ) ينطبق علي هذه الحالة, كما ينطبق علي حالات أخري.
إن إستحواذ هذه القلة, علي ثروات البلد , تمثل أعلي صور الفساد السياسي, و هو ما يسمونه في مجال الأدب السياسي , حكومة اللصوص Kleptocracy. و لك أن تتصور حال البلد و أهله, حين يجثم علي صدرهم مثل هؤلاء اللصوص.
لنحسب كم من الهدر و الضياع, حاق بهذه الشعوب العربية, التي تعيش في المنطقة الممتدة من المحيط إلي الخليج , بسبب الفساد السياسي, الذي باض و فرخ في خلال الستين سنة التي مضت, أي منذ خروج الإستعمار و حتي تاريخه. و لنحسب كم من الفرص ضاعت علي هذه الشعوب, بسبب الفساد والعبث بمقدرات الشعوب. هذا الفساد و العبث تسبب فيه جماعة ( 10% ) الذين يساعدون في عملية تدوير المال المنهوب , و هو مال تستغله البنوك الغربية, تحت وهم أو غطاء السر المصرفي, ليعيد الغربيون تدويره في شكل سلع و خدمات يغذون بها أسواق المشرق. في كتابه الملك فاروق ... القصة و الأحداث و التاريخ, يقول الأستاذ/ محمد حسنين هيكل ( أن الملك فاروق لم يترك لورثته ثروة كبيرة حين مات, لأن حسابات سرية عديدة ضاعت أرقامها بوفاته, فقد شاء أن يحتفظ بها سراً, لا يعرفها غيره. و في حين أن ثروته حين خرج من مصر قدرت بثلاثمائة مليون جنيه, فإن ما تركه لم يزد علي ثمانية عشرة مليون جنيه, ذهب أكثر من نصفها للمحامين و الخبراء الذين كلفهم الورثة لتعقب مواقع الثروة, و الباقي ضاع في حسابات البنوك )!.
كثيرة هي الفرص التي ضاعت علي شعوب هذه المنطقة , بسبب الفساد و الإستبداد. خطط التنمية التي يتم وضعها, صممت لخدمة فئة معينة علي حساب فئات أخري في المجتمع. و لم ينتج عن هذه الخطط , سوي المشروعات الفاشلة, التي تقف مثل شواهد القبور, بعد أن إقتطعت زواياها بين المقاولين الجشعين و المتنفذين في الدولة. هذه المشروعات التي يشار إليها بإشارات عدة, تحكي عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. من هذه الإشارات :
1/ بئر معطلة و قصر مشيد, كما جاء في محكم التنزيل, يروي عن أهل تلك القرية التي ظلم أهلها, فظلمهم الله, و جعل من خلفهم آية لمن بعدهم. يقول تعالي ( و كم من قرية أهلكناها و هي ظالمة, فهي خاوية علي عروشها و بئر معطلة و قصر مشيد ) سورة الحج : 45.
2/ مشروعات الأفيال البيضاء White elephants. و هذا تعبير ساخر, يشير إلي الفشل أو ما يسمونه العمي الإستيراتيجي, و يعني غباء أصحاب القرار, أو سوء طويتهم بتنفيذ هذه المشروعات الفاشلة , مثل الفيل الأبيض الذي يعلف داخل حظيرته و لا يفيد صاحبه شيئاً.
3/ حصاد الهشيم Pyrrhic victory. و هذه تنسب إلي القائد الإيبيري ( بيروس) الذي إنتصر علي الرومان, بعد معركة كلفته مالاً و رجالاً كثيراً. يعني شئي ( زي عدمه).
يؤمل أن تكنس رياح التغيير التي بدأت تهب علي المنطقة العربية, هذا الوسخ, الذي عطل مصالح الشعوب و أعاقها عن تحقيق حلمها في الحياة الكريمة, حتي قال عمنا أحمد الحفناوي, ذلك التونسي في حسرة ( لقد هرمنا... لقد هرمنا في إنتظار هذه اللحظة التاريخية) , و كأنه ينتظر لحظة مثل تلك التي جعلته يبتسم إبتسامة الرضا, و هو يعبر عن مشاعره , في تلك الحلقة التي إستضافته فيها قناة الجزيرة.
إن ما بدأ من إصلاح في مصر, يبعث الأمل في رسم مستقبل أفضل لشعوب هذه المنطقة. إن الضرب بيد من حديد علي الفاسدين و العابثين و إنفاذ حكم القانون, يعد أول خطوة في الإتجاه الصحيح.
إن تحقيق العدالة في المجتمع, يعد عنصراً من عناصر رأس المال البشري, و الذي يعد بدوره عنصراً من عناصر التنمية المستدامة. و تعني إستدامة التنمية, العدالة في إستهلاك موارد البيئة الطبيعية, بين جيل الحاضر و جيل المستقبل, أي ببساطة, يجب عليك يا أيها المواطن, أن تزرع شجرة, مقابل الشجرة التي قطعتها للإحتطاب, حتي يجد إبنك أو حفيدك هذه الشجرة في المستقبل. و تقوم إستدامة التنمية Sustainability علي ثلاثة عناصر, هي :
1/ رأس المال الإجتماعي Social capital . و يشمل منظومة المعارف و الخبرات البشرية و العلاقات الإجتماعية, بين أفراد المجتمع, بالقدر الذي يجعلهم يتجاوبون مع إنفاذ خطة التنمية.
2/ رأس المال البشري Human capital. و يشمل الصحة و التعليم و المعرفة و الخبرات المكتسبة و حقوق الإنسان.
3/ رأس المال المادي Constructed capital. و يشمل شبكة رأس المال المادي. ويتمثل في الطرق و المنافع العامة و غيره من مستلزمات البنية التحتية اللازمة لعملية التحول التنموي. إن غياب أي من هذه العناصر الثلاث, يجعل عملية التنمية تسير و كأنها عرجاء, و تعني حديثاً مكروراً و حرثاً في البحر, كما تعيشه الشعوب العربية منذ زمن بعيد.
لقد آن الأوان للتغيير و تحقيق مطالب هذه الشعوب التي صبرت كثيراً. فلنبدأ و بالله التوفيق .
الرياض / السعودية


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1299

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#128236 [ساحد]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2011 02:12 AM
تطبع هذه المقالة وترسل لرئاسة مجلس الوزراء!!
وللمجلس الوطني!!
ثم يسالوا هل فهموا شيئا!! وهل هذا احديث عن استدامة التنمية خطر علي قلبهم او عقلهم!!!
اما ينتظرون ان يفهموا Ben ali way!! which wsnt a victroy1


رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة