المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رباح الصادق المهدي
شطحات هيكلية (4-6) كيـف قـتل الإمام الشهيـد؟ا
شطحات هيكلية (4-6) كيـف قـتل الإمام الشهيـد؟ا
06-27-2010 02:14 PM

ي 2

شطحات هيكلية (4-6) كيــــف قـــــــتل الإمـــــــــام الشهيــــــــــــد؟

رباح الصادق

تعرضنا في حلقتنا الأولى لأسئلة يثيرها حديث هيكل المبثوث بقناة الجزيرة حول أحداث الجزيرة أبا، ثم فصلنا حول ما دار في أبا ، ونقول إنه مهما كان من حقيقة اشتراك مصر من عدمه، فإنها مسألة تترك للتاريخ وللمؤرخين لتوضع في إطارها ذلك التاريخي، كما يجب أن يتم التحقيق بشأنها من ناحية إنصاف الضحايا وأهلهم، لكنها –أي مسألة اشتراك النظام المصري الناصري أم عدم اشتراكه- ليست القضية التي يجب أن تحظى اليوم بالمغالطة على النحو الذي دار.. إن الأهم هو لماذا حشر هيكل مسألة مصير الإمام بتلك الطريقة؟ وكانت رسالته (بضرورة الابتعاد عن الحلول العسكرية في حوض النيل) ستصل لو وقف عند حد بطولاته المذكورة. لماذا إذن لم يصمت بعدها عن الحديث المباح ويقول: تصبحوا على خير؟
قال هيكل (في محاولة لرد الاتهام عن مصر بقتل الإمام الهادي) إن الإمام قدمت له «منقة» ملغومة (سوداني مش مصري)!
من قال لهيكل إن مصر اتهمت أصلا بقتل الإمام الهادي؟
من قال لهيكل إن الإمام الهادي مات بمانجو؟
من قال لهيكل إن قضية الإمام الهادي لا زالت مجهولة وإنها انضمت للجرائم الغامضة في التاريخ؟ فتبرع هو بنقل هذه الأقاويل الكذوبة في ساعة معه بقناة الجزيرة؟
دعونا إذن نروي الأحداث:
ملابسات هجرة الإمام
تتابع القصف العشوائي على أبا حتى صبيحة الاثنين 30/3/1970 حيث بدأ منذ الساعة الخامسة صباحا وتواصل حتى بعد المغيب. وفي وقت متأخر من ليل الاثنين قرر مجلس شورى الأنصار أن يغادر الإمام الهادي الجزيرة أبا مهاجرا لأثيوبيا حقنا للدماء، على أن تسلم الجزيرة أبا للقوات المحاصرة بعد ساعات كافية تتيح للمهاجرين وصول الحدود الإثيوبية، وهذا ما تم. فتوقف ضرب الجزيرة أبا فجر الثلاثاء 31/3 ودخل قادة الانقلاب الجزيرة أبا وتم احتلالها بالكامل.
توجه الإمام مهاجرا لأثيوبيا واتجه نحو الحدود ومعه تسعة أشخاص عبر الكرمك (وليس كسلا كما قال هيكل)، لينضم لقادة الجبهة الوطنية الذين ينتظرونه في معسكر جبل الرادوك داخل الحدود الأثيوبية ( وليس بعيدا عن أنصاره في كردفان ودارفور كما قال هيكل). ثم اختفى ومعه الخال محمد أحمد مصطفى وملازمه سيف الدين الناجي، وعاد سبعة من مرافقيه وقد شاهدوه آخر مرة مصابا بطلق ناري. وكثرت الشائعات بعدها حول مصير الإمام الهادي المهدي، وتحفظ النظام على ما جرى، وأطلق معلومات متضاربة مما جعل المسألة فعلا غامضة وغير معلومة التفاصيل. مثلا أذاع النظام عصر الأربعاء 1 أبريل أن الإمام قتل ضمن اشتباكات حدثت في الحدود، ولكن لم يتم أبدا الحديث عن تشييع أو مكان دفن. وانطلقت أقاويل وثارت معتقدات أن الإمام لا زال حيا بدار الهجرة، وطبعت في ذلك ولا زالت تطبع كتب أمثال كتاب (الغربال) أو (وحي المؤمن) يحوي بشارات من رؤى الأحباب المؤمنين بعودة الإمام الهادي ولو بعد حين.
وحينما جرت المصالحة في 1977م بين الجبهة الوطنية والنظام المايوي، أثير الملف بضرورة رد اعتبار الإمام الهادي المهدي وتبيان حقائق ما جرى والسماح للأنصار أن يدفنوه حيث يشاءون، (انظر كتاب المصالحة الوطنية- 1978) وكان ذلك من ضمن ملفات المصالحة المقبورة.
وبعد قيام انتفاضة رجب/ أبريل المباركة تم تكوين لجنة تحقيق حول الأحداث، هذه اللجنة قامت بمجهود لتقصي الحقائق فاستدعت الشهود الأحياء وسمت المتهمين، وقدمت تقريرها الذي بناء عليه جرى تحديد قبري الإمام الشهيد، ورفيقيه الشهيدين، وتم نقل رفاتهم جميعا لقبة الإمام المهدي في موكب تشييع ضخم، وخاطب رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي الشعب السوداني في خطاب نشر وطبع ضمن خطب مجلس الوزراء (المجلد الثاني) جاء فيه: «الجزيرة أبا قرية ليس فيها أسباب الدفاع ضد الطيران، والسلاح الثقيل لم يقف عند هذا الحد من الوحشية بل استعان بقوى أجنبية للبطش بالمواطنين في خطة غدر لم يشهد التاريخ السوداني الحديث لها مثيلا. وأمام هذه المعركة غير المتكافئة قرر الإمام الهادي المهدي أن يهاجر من الجزيرة أبا إلى أثيوبيا حيث يقابل قادة الجبهة الوطنية في الخارج الذين ينتظرونه في معسكر جبل الرادوك الذي يقع على بعد عشرين كيلومترا شرق مدينة الكرمك . وفي طريق الهجرة أحاطت قوة من الشرطة بالإمام وصحبه وهناك تتالت أحداث انتهت باغتيال الإمام واثنين من رفاقه هما الخال محمد أحمد مصطفى والأخ سيف الدين الناجي ودفن الثلاثة في وادي الدوم».. «منذ أن سقط السفاح طالبنا ومعنا نفر من خيرة المواطنين أن تحقق الحكومة الانتقالية في هذه الأحداث وأن تعمل على معاقبة الجناة وكشف الحقائق كاملة. لقد قبلت الحكومة الانتقالية هذه المذكرة القومية التي رفعت لها ولكنها لم تتمكن من تحقيق مطالبنا، ومنذ تولينا الحكم أعطينا الموضوع اهتماما كبيرا وكونا لجنة عالية الكفاءة وأحطنا أعمالها بالسرية التامة ومنحناها تفويضا كاملا لإحصاء الحقائق وتحديد المسئوليات، فقامت اللجنة في سرية تامة بأعمالها فعرفت تفاصيل الحادث وأسماء القتلة والذين قاموا بالدفن ومواقع القبور واستنادا على هذه الحقائق الموثقة اتخذنا الإجراءات الكفيلة بمحاسبة الجناة ووضعنا أيدينا على القبور وحرسناها واتخذت الإجراءات الكفيلة بحفظ النظام وقررنا دفن رفاة الإمام في القبة مع جديه وأبيه وأخيه ودفن رفاة زميليه الذين وقفا معه مؤازرين الخال محمد احمد مصطفى والأخ سيف الدين الناجي في فناء القبة. إن كل الحقائق والوثائق بتفاصيلها سوف تنشر ومعها شهادة الشهود واعترافات المعترفين ليصبح الناس كلهم على بينة من الأمر». وبعد أن تعرض السيد الصادق للموقف الفقهي الإسلامي من نقل الرفاة وأكد مشروعيته والمصلحة المجنية من ورائه قال: « لقد تقرر أن يكون نقل الرفاة ودفنها بالقبة في البقعة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من شعبان الموافق 27 أبريل الجاري وسوف يبدأ التشييع من مسجد الهجرة في تمام الرابعة من عصر ذلك اليوم. لقد وجهت الدعوة على الصعيد القومي لممثلي أهل السودان دينيا وسياسيا وفئويا وإقليميا وصحفيا وشخصيات وطنية للمساهمة في هذه المناسبة القومية الكبرى.» (الخطاب موجود بقسم الوثائق بموقع حزب الأمة على الإنترنت منذ بضعة أشهر).
وبعد ذلك جرت محكمة علنية للمتهمين في مقتل الإمام ورفيقيه، وقد نشرت كافة جلسات المحكمة حتى وقائع الجلسة الختامية في كتاب، فصارت المسألة متاحة للباحثين وللرأي العام.. وجاء في وقائع الجلسة الختامية أن البلاغ أقيم ضد المتهمين «بتاريخ 16/4/1987م بواسطة «لجنة التحقيق حول ظروف وملابسات مقتل الإمام الهادي المهدي وآخرين» المفوضة من قبل النائب العام، وقد تم فتح البلاغ في مواجهة سبعة من المتهمين إلا أن جهات الضبط القضائي لم تتمكن من إحضار أحد هؤلاء المتهمين وهو المتهم جعفر نميري» (ص 119. )
وبعد أن سردت المحكمة الوقائع المأخوذة من أقوال الشهود وتطابقها أوردت: «إن تسلسل البيانات في هذه المسألة وردت متواترة بدرجة لا تحتمل أي شك أو مظنة وهي تقطع بوفاة الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي والمرحومين سيف الدين الناجي ومحمد أحمد مصطفى. وإذا جاز لنا أن نعلق على تلك الحوادث فهي بلا شك صورة مثلى للفوضى وغيبة حكم القانون وخرق صريح لمبادئ حقوق الإنسان وحق الفرد في المثول أمام محاكمة عادلة مختصة. وإن إفلات بقية الأسرى من القتل ونقلهم من الدمازين إلى الخرطوم بالطائرة كان من قبل العناية الإلهية ومحض مصادفة حيث أنهم لم يكونوا في العربة التي حملت الجثث والأسير محمد أحمد مصطفى، وأن سلوك بعض الأفراد المسئولين عن هذا الحادث يعد إدانة للنظام السابق حيث خرج من عباءته عدد من الدكتاتوريين الصغار نصبوا أنفسهم قضاة وجلادين ونفذوا حكم الإعدام دون تردد أو رحمة، ولم تتمكن الشرطة من مجرد فتح البلاغ للسرية التي أحيطت بها العملية حتى إماطة اللثام عنها بواسطة لجنة التحقيق. ونود أن نختتم هذه المقدمة بأن الاتهام والدفاع كانوا خير عون للمحكمة، وتشيد المحكمة بجهودهم وصبرهم في التعامل مع هذه القضية والتي جمعت أشتات بياناتها بجهد ومشقة بعد مضي أكثر من سبعة عشر عاما من وقوعها وشاءت العناية الإلهية أن تبقى بياناتها حاضرة بدرجة مذهلة» (ص 118).
الوقائع التي صدقتها المحكمة والمروية في الصفحات 108-114، تقول إن مجلس شورى الإمام اتفق على هجرة الإمام وأن يكون أمر الجزيرة أبا بعد هجرة الإمام لشاهد الاتهام الأول خالد محمد إبراهيم وحقنا للدماء وإيقافا لنزيف الدم طلب الإمام الهادي منه تسليم الجزيرة أبا بعد هجرته، وعند الساعات الأولى من فجر الثلاثاء (31/3) وعند الواحدة صباحا خرج الإمام الهادي من الجزيرة أبا يرافقه كل من عمر مصطفى ومحمد أحمد مصطفى، وعباس أحمد عمر، وسيف الدين الناجي، ومحمد علي يونس، ومحمد محمد صادق الكاروري، وعز الدين الشيخ، وعبد المطلب بابكر خوجلي، والفاضل الهادي بعربة لوري عن طريق الجاسر.
ثم مضت المحكمة تسرد الوقائع وكيف وصل المهاجرون لمنطقة خور أحمر وترجلوا لما لقوه من (تحرش) سكان قرية أونسة وانقسموا إلى مجموعتين مجموعة أولى ضمت الإمام الهادي ومحمد أحمد مصطفى وعمر مصطفى وسيف الدين الناجي والفاضل الهادي، والمجموعة الثانية ضمت الباقين، وتحركت المجموعة الأولى صوب الحدود الأثيوبية. هذه المجموعة الثانية تم القبض عليها من قبل شرطة الكرمك وتمت حراستها ثم تم التوجه للقبض على المجموعة الأولى حيث وجدوها جالسة على الأرض وفي أثناء القبض عليها قاوم الفاضل الهادي الضابط الذي كان يهم بتفتيشه وحاول الاستيلاء على سلاحه، وفي أثناء ذلك حاول الإمام الهادي إخراج مسدس فنبهه أحد العساكر من مغبة ذلك وضربه بعيار ناري في منطقة الفخذ، وحينها أي بعد إصابة الإمام- انهارت المجموعة وأدركت قوة الشرطة أن المصاب هو الإمام الهادي فحاول قائد القوة إنقاذه بربط الإصابة بعمامة ثم تحرك لإحضار طبيب، وتم نقل أفراد المجموعة المنهارين لصحبهم في المجموعة الثانية بينما بقي الإمام الهادي ومعه سيف الدين الناجي و(الخال) محمد أحمد مصطفى، كما تم إخطار الخرطوم بالحادثة وجاء الأمر من جعفر نميري بقتل جميع الأسرى ودفنهم في سرية، ولملابسات ذكرتها المحكمة انبنت على الصدفة تم الإبقاء على أرواح الأسرى السبعة الذين نقلوا للخرطوم، بينما قتل سيف الدين الناجي في وحشية بالغة ومن بعده الخال.
تروي المحكمة: «وصل المتهم الثاني أحمد حسين بامسيكة ووجد الإمام الهادي قد فارق الحياة، وكان سيف الدين الناجي جالسا على الأرض واضعا رأس الإمام على حجره في حراسة قوة الشرطة فطلب منه الوقوف فرفض سيف الدين الناجي وأخذ يكبر: الله أكبر ولله الحمد عدة مرات، فما كان من المتهم الثاني أحمد حسين بامسيكة إلا أن أطلق عليه من مسدسه ثلاث طلقات نارية في صدره وأمر شاهد الاتهام الرابع الأمين مصطفى إدريس أن يصرعه بطلقة إلا أن الأخير رفض الانصياع للأمر فأمر المتهم الثالث وداعة علي سيد أحمد فاستجاب المتهم الثالث للأمر وأطلق طلقة نارية واحدة من بندقيته على صدر سيف الدين الناجي». وتروي المحكمة كيفية دفن الشهيدين وقتل الثالث حيث قامت قوة بحفر قبرين في منطقة باو التي تبعد 59 كم من الدمازين على بعد 150 مترا شمال شرق مفترق الطرق المؤدي إلى قادمية والطريق المؤدي إلى باو، وكان البعد بين القبرين حوالي 10 خطوات، وكيف نقلت الجثتان عبر عربة جيش يرافقهما الخال الذي كان حيا، فطالب المتهم (تيراب الغالي النور) من أحد الجنود إعدام محمد أحمد مصطفى فتردد فأمر جندي آخر ففعل بطلقة اخترقت الرأس من الخلف مهشمة للوجه من الأمام، بعد ذلك دفن كل من سيف الدين الناجي ومحمد أحمد مصطفى في قبر واحد في وضع معكوس، ودفن الإمام الهادي في مقبرة وحده مع العنقريب الذي حمل فيه!
التفاصيل الدقيقة التي أسفرت عنها المحكمة وأظهرت دهشتها للتطابق المذهل في الحيثيات أذيعت للعالمين، وحوكم المتهمون فبرئ من برئ وأدين من أدين، فكيف بالله عن للأستاذ هيكل أن يتجاوز كل ذلك ويقول إن القاتل لا زال مجهولا!؟
ثم إذا قلنا إن هيكلا يقول: سودانيون فالعب بهم! كيف يعن للكاتب الدكتور أحمد خير الذي كتب مقالا في صحيفة سودانايل بعنوان (هيكل وأحداث الجزيرة أبا) أن يعلق على ما نشر من تكوين حزب الأمة للجنة لتفنيد ادعاءات هيكل بالسؤال: «أين كان حزب الأمة طوال الأربعة عقود الماضية منذ مقتل الإمام!؟ وكنا نعتقد أنه كان قد أجرى التحريات اللازمة حول مقتل الإمام وتعرف على الحقائق ولم يحن بعد موعد نشرها على الجماهير»؟ ونحن نتساءل أين كنت أنت يا دكتور؟
نشر المهندس مجاهد بلال طه في سودانايل ذاتها مقالا بعنوان (هيكل والإمام الهادي .. معارك الصحافة السودانية الخاسرة) استنكر فيه ـ وهو المأخوذ بطريقة هيكل في سرد التاريخ ـ أن تقوم دنيا الصحافة السودانية على هيكل ولا تقعد لمجرد خطأ وحيد، يمكن تصحيحه؛ برأيه، ولكن لا يمكن أن يترتب عليه دك لكامل البناء الهيكلي الممتع (المعنى من عنده والتعبير من عندنا). سمح، نحن ما أدرانا بكل ما يقول هيكل في مسروداته السابقة؟ إنه حينما تعرض لما ندري ونعلم اختلق ذلك (الكذب البدائي المفضوح) بتعبير الدكتور محمد وقيع الله، وروى بذات المتعة تفاصيل وهمية حول المانجو والألغام، وحينما بحثنا وجدنا كل قوم مسهم هيكل بمس قالوا كذاب أشر! يمكن مع موهبة وذكاء وحصافة أن تخرج الأكاذيب بشكل ممتع، وهذا لن يغنيك من الحق شيئا فأنت كذاب حتى وأنت تُمتِّع! فهذه الهفوة الواحدة كما يسميها المهندس مجاهد لا يمكن أن تكون من عند مؤرخ صادق، لأنه لو كان اكتفى بالقول إنه لم يتابع الأحداث بعدها لما سألناه. لكن أن يروي الرواية المختلقة التي ما سمعنا بها في البدو أو الحضر بل كانت محض اختلاق، ثم يتبعها بقوله إن القاتل لا زال مجهولا وأن الحادثة انضمت إلى الجرائم الغامضة في التاريخ فمعناه أنه لم يسمع صدى الحادثة حينما نبشت عبر التحقيق والقضاء وطرقها الإعلام السوداني في الثمانينات –ولم يكن هيكل يافعا ولا بعيدا عن دنيا الإعلام- ولا هو تتبع الأخبار ولا هو سأل كما قال مواطنه الأستاذ هاني رسلان، ثم خرج علينا في ساعته تلك، مدفوعا برسالة سياسية يريد أن يرسلها لحكام مصر الآن حول التعامل مع ملف مياه النيل- ليختلق قصصا حول الأقوام في حوض النيل ويدبج بطولات ذاتية، ويأتي بالمانجو، وما يدريك! هذه ليست هفوة، إنها عطل أساسي في المنهج يكشف الطريقة «الهيكلية» في رواية التاريخ.
وربما الفرق الأساسي بين التلفيقات الهيكلية السابقة وبين هذه أنه هنا كان في أدنى درجات الحرص والحصافة، وهنا نتوجه له بدعوة قريبة من دعوة السيد فهمي هويدي في مقاله (دعوة لإتقان التزوير)، فهويدي البرم بالتزوير الفج في الانتخابات يقول: «إذا لاحظت أن الاعتراض ليس منصبا على مبدأ التزوير، ولكن على الأسلوب الفج الذي اتسم به، فإن ذلك يثير سؤالا حول تفسير ذلك التدهور في مستوى التزوير.» التساؤل ذاته موجه أولا للقائمين على (كذبة أبريل) أو انتخاباتها السابقة بالسودان، وموجه لهيكل أيضا لأنه في تزويراته السودانية بالغ ونفذها بفجاجة ليست كالسابقة، وإجابتنا على مثل هذا التساؤل بالنسبة للحالة الهيكلية هي كما قلنا لأن مجمل السودانيين لدى هيكل لا يؤبه لهم: محتقرون في همته كشعرة في مفرقه!! فما من داع للتثبت أو الاتقان حتى حول مقتل زعيم الجماعة الدينية الأكبر والسياسية الأكثر انتشارا في السودان!
ولكنا لن نغادر حتى نقلب بعض ما جاء على قلم الأستاذ ضياء الدين بلال. لقد علق بلال على الحدث حاشدا لأفكار نيرة، ومثيرا عدة قضايا هامة منها مسألة الوثائق السودانية ومحمياتها التي (لا تقدم من العون إلا الزهيد) والحديث عن أن ملفات الأمن السوداني في عهد نميري بيعت في بورصة أسواق المخابرات العالمية، وانصراف الساسة عن توثيق الأحداث، وهذه كلها أوجاع حقيقية وإن كانت غير مناسبة مع هذه القضية تماما لأن هذه القضية موثقة بتفاصيلها المذهلة كما رأينا. ما أدهشنا أن بلالا حينما جاء يفند أن الإمام مات مسموما بمنقة ملغومة قال: (بالقطع يدرك الأستاذ محمد حسنين هيكل أن السودانيين لا يغتالون خصومهم عبر السموم المدسوسة!) وإنني أسأل الأستاذ ضياء الدين بلال: هل السودانيون يقتلون خصومهم بالطريقة التي قتل بها الإمام ورفيقيه؟ وإذا كان من سخرية الأقدار أن قاتل الإمام بالذات كان بريئا لأنه لم يكن يعرف هوية الإمام حينما أصابه بالطلق الناري ولا قصد قتله بل تعويقه، فإن طريقة قتل الخال والناجي أثبتت الجرم والوحشية التي تعامل بها (السودانيون) يومها مع رفيقي الإمام بعد معرفة هويتهما. أظهرت حيثيات المحكمة كيف تم قتل سيف الدين الناجي بوحشية بثلاث طلقات أفرغت في صدره ثم تبعتها الرابعة، وكيف قتل الخال بطلقة اخترقت رأسه من الخلف.. بعض الجنود (السودانيين) رفضوا الانصياع للأوامر بقتل الأسرى بتلك الطريقة، وبعضهم أطاع.. ترى هل كانت تلك الطريقة في قتل الأسرى العزل سودانية؟ هل كانت فكرة «أن نقتل أصبح أسهل من إلقاء تحية/ أن نطلق في الرأس رصاصة/ أن نغرز في الصدر الخنجر/ أن نشنق أن نخنق أن نبتر/ أن نمسح حد السيف بحد اللحية» أسهل من إلقاء تحية! هي فكرة أكثر شرفا أو أقل إثما من القتل بالسموم؟ هل كان دك الجزيرة أبا والمدنيين فيها بالطيران والمدافع سودانيا؟ نعم.. كلها طرق جربناها وتغنينا طربا لمايو ورصاصها، وهي تتساوى في إثمها مع السموم والدسائس القذرة، أو تزيد، ولن نفخر يوما بها أو نعتبرها مشرفة في مقابل السموم!
كم صعبة هي الكتابة من بين الدموع، وتحت وطء الجراح التي نكئت، ولكننا سنواصل بإذن الله.
وليبق ما بيننا

الاحداث


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 965

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة