الحكومة الملْطَـشَه
04-16-2011 02:23 PM

الحكومــة الملْطَــشَه

محمد موسى جبارة

اسوأ ما يؤزم العلاقات الشخصية او الحزبية او الدولية هي تلك الكلمات التي تُقال عفو الخاطر او الافعال غير المدروسة التي يقوم بها البعض دون تبصر او تحسُّب لردات فعلها...
لذا كانت هناك الدبلوماسية والكلمات المنتقاة عند الحديث مع الآخر والعبارات المحسوبة عند النطق بها وكذا الافعال التي قد يتأثر بها البعض...وهذا أمر لا يتأتى إلا لرجل الدولة الذي وصفه هنري كسينجر في مذكراته بأنه الشخص القادر على تمييز العلاقة بين مختلف القوى والتعامل معها على هذا الأساس، وهذا ما ظللنا نفتقده في قادة السياسة في السودان منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا...
أحد اصدقائي جاءته ابنته الصغيرة تشكو في حضوري أخاها الأصغر الذي تعدى عليها بالضرب... استشاط الاب غضبا وانتهرها سائلا: لماذا لا تضربينه كما يضربك؟ او لست أنت الاكبر سنا؟
ردت الطفلة في براءة شديدة: \"لكني إذا ضربته سيرد عليّ بضربة أقوى\"...فقد كان اخوها حسُن البنية...
هذه الطفلة الصغيرة التي صارت اليوم امرأة كانت ازكى من التحسب لردة الفعل من حكومة الإنقاذ التي تمتلأ بالجنرالات الطواويس مرصعي الصدور بالنياشين والأوسمة والقلائد وكأن أحدهم قد خاض معركة النورماندي...ويجوس في احشائها حملة درجات علمية ما انزل الله بها من سلطان حتى اصبح بعضهم يبحث عن درجة أعلى من درجة البروفسير ليضيفها إلى خارطة ذهنه الخالي من كل علم مفيد...
اقول قولي هذا وأنا اتابع حديث الضربات الأخيرة بالقرب من مطار بورتسودان على السيارة التي ما زالت لغزا لدينا، والتحليل البائس الذي صدر عن حكومتنا الملطشه التي اصبحت تتلقى الضربات بأسلحة لا تعرفها او تعرف مصدرها ومن أمكنة لا تستطيع تحديدها...رغم أنها تقول دوما أنها قادمة من البحر الأحمر...
الشعب السوداني لم يصحو حتى هذه اللحظة على حقيقة أن بلده صار وكرا للجواسيس منذ أن وطأت أقدام الإنقاذ رقاب الشعب السوداني...أول هؤلاء الجواسيس جاء من فلسطين نفسها التي استطاعت اسرائيل أن تجند بعض من أبنائها في جهاز الموساد وقد ساهموا بعمالتهم تلك في اغتيال كثيرين من زعماء حركة حماس وغيرهم...
جزء كبير من هؤلاء الفلسطينيين يحتضنهم السودان مع جهل تام عن ماذا يكونون، فقط هم أعضاء في حماس أو الجهاد الإسلامي، وبذا تُفتح لهم كل الأبواب وتُكشف لهم كل الاسرار، دون الإهتمام بفرضية أن يكونوا مختَرَقين من قبل اجهزة الأمن الإسرائيلي.
هل تذكرون قضية الصبي المصري الذي حكمت عليه جماعة ايمن الظواهري بالإعدام بعد أن جندته المخابرات المصرية واخترقت به الجماعة بذات نفسها؟
المخابرات المصرية استأجرت منزلا قبالة منزل الجماعة في أحد أحياء الخرطوم المسماة بالراقية، واستطاعت أن تتعرف على كل من كان في ذلك المنزل عن طريق ذلك الصبي ، كان هناك وجود استخباراتي مصري رغم تجفيف مصدر الاستخبارات في الري المصري وجامعة القاهرة الفرع والبعثة التعليمية المصرية...
لم يتعرف على ذلك الوجود الاستخباراتي نافع وجماعته إلا بعد إعدام ذلك الصبي الذي اشتكى والده للسلطات محتجا على إعدامه خارج نطاق القضاء السوداني بل وبأيدي غير سودانية...
وقد لا يعلم البعض أيضا أن تواجد السودانيين في اسرائيل لم يبدأ عقب اندلاع النزاع في دارفور...بل سبقه بعقد كامل من زمان ذلك النزاع، أي في العام 1993 حيث بدأت هجرة السودانيين لإسرائيل من لبنان، وقد تم ابعاد بعضهم للضفة الشرقية حيث تم تسليمهم للسلطات السودانية التي أعدمت اثنين منهم...
لم ينتظر المحققون وقتا لأخذ المعلومات الكافية عن حجم التواجد السوداني في إسرائيل، ولا الإستفادة من الشخصين المعدمين في العمل الإستخباراتي المزدوج، فقد كان التشفي دافعهم، فتم ذبح أحدهم أمام الآخر الذي لحق به في أقل من نصف ساعة...
النائب العام الإسرائيلي خرج إلى العلن وأدان وزير داخليته الذي أمر بأبعاد الأشخاص الذين تم قتلهم، وبذا وصلت أنباء الحادث إلى وكالات الأنباء ومنظمات حقوق الإنسان ويوجد تقرير كامل عنه لدى المفوضية السامية لحقوق الإنسان بجنيف...
الآخرون الذين تم إبعادهم إلى مصر وصل أحدهم إلى جنيف وتقدم بطلب حق اللجوء السياسي وكان تعليله الرئيسي أن عودته للسودان تشكّل خطرا على حياته كما حدث لزميليه الآخرين...
الشخص الذي احدثكم عنه ليس من ابناء دارفور ولا من ابناء جنوب السودان...هو أحد أبناء دار صباح وذي وجه وضّاح...
وكان أمثاله كُثر منذ ذلك الوقت الذي جعلت فيه الإنقاذ اسرائيل أحب إلى أفئدة بعض السودانيين من وطنهم الأم الذي يتحكمون فيه باسم الدين...وتلك من المفارقات التي لا تحسد عليها الإنقاذ...
من يظن بأن اسرائيل لم تجند بعض السودانيين الذين لجأوا إليها في أجهزتها الاستخباراتية للعمل في السودان وغيره من البلدان العربية، لا يدري شيئا عن هذه الدولة التي جعلت من العلم والمعلومات وقودا لبقائها...الموساد لديه القدرة على غسل أدمغة أولئك الذين لجأوا إليه وإعادتهم إلى وطنهم بعد أن تخطوا ذلك الحاجز النفسي وتلك الخطوط الحمراء التي لا يسهل في العادة تخطيها...
كثيرون من هؤلاء الأشخاص عاليي التدريب الإستخباراتي قد يكونوا وجدوا طريقهم إلى أعلى هرم المخابرات السودانية...وهذا ليس تخمين بل استنتاج لحادثتي شمال شرق السودان وبورتسودان...
فرغم نفي الحكومة مسألة تهريب السلاح فليس لدى اسرائيل أدنى شك في أنها تفعل ذلك، فهي تلتزم علنا باحتضان حماس وتزوِّد زعيمها المدجّن سوريا بملايين الدولارات من أموال غلابة السودان ليعيش هو في ترف ورفاهية...
تهريب السلاح من الأعمال الاستخباراتية المصنفة عالية السرية ولا يطّلع عليها إلا قلة نادرة من منتسبي أجهزة الاستخبارات، إذن كيف استطاعت إسرائيل الوصول إلى هذه الحقيقة؟
في غمرة الاهتمام بالتغطية على المسألة إعلاميا لم تهتم الحكومة الملطشه بمسألة تسريب المعلومات، لذا لم يصدر حتى لحظتنا هذه أي تقرير عن ضرب السيارات في شمال شرق السودان ولن يصدر تقرير مفيد عن السيارة الأخيرة، لأن الخلل داخل الجهاز وليس خارجه، وبما أن مهمة الجهاز أن يحمى النظام وليس الوطن فلن يستطيع أحد المساس به...
أحد اصدقائي من الذين كانوا جزءا من عملية موسى لتهريب الفلاشا وكان رجلا مرموقا في جهاز أمن النميري ذكر أنه كُلِف بمراقبة الطريق من سوبا إلى صالة الحجاج في مطار الخرطوم...أقسم الرجل وكان صادقا، لأني لم اكن بصدد التحقيق معه، بأنه لم يعلم طبيعة العملية إلا بعد أن اكتملت...مع أنه كرجل استخبارات لاحظ أن البصات كانت تنقل اشخاص غرباء...غير أن النظام الصارم للجهاز يمنعه من السؤال عن اشياء لم يتم تنويره بها...بل أن قائد اللواء 13 القضارف تم اخطاره بأن منطقة معينة لن تكن تحت إشرافه المباشر لفترة زمنية محددة، ولم يخبروه لماذا...
أمام ما حدث في شمال شرق السودان وبورتسودان مؤخرا ليس لدينا غير حقيقتين:
أما أن يكون جهاز الأمن مخترق اسرائيليا لدرجة العلم بهذه المعلومات الدقيقة، أو أن الذين يعملون فيه مجموعة من هواة التعذيب وإدارة بيوت الأشباح وليس لهم دِربة في العمل الإستخباراتي الذي يتدرب الناس فيه على كَتْم الأخبار حتى في حالة السُكر البيّن...لأن عمل بهذا القدر من الخطورة لا يمكن كشفه بهذه السهولة التي تتيح لإسرائيل متابعة الهدف بالدقة التي علمناها مما ورد إلينا من معلومات...
Intelligence الكلمة المرادفة للإستخبارات في اللغة الإنجليزية لا تعني بالتأكيد جلاوزة التعذيب، فهؤلاء قوم يتصرفون بأدنى ملكات الإنسان العقلية أي درجة الحيوانية، وهو أمر يتناقض مع مفهوم الذكاء المفترض في الإستخبارات...
وقيل أن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، فأين إيمان أهل الإنقاذ من اللدغ من جحر اسرائيل أكثر من مرة؟
قال وزير الدفاع أن اسرائيل تستهدف السودان لرفعه رأية الشريعة!! لقد ظننت من حديث هذا الجنرال الفاشل إن ما ترفعه المملكة العربية السعودية \"راية إنداية\"!!! فإن لم يكن الأمر كذلك فلماذا لا تستهدفها اسرئيل؟...
لقد وصل الاستهزاء بالعقل السوداني حدا اصبح فيه الفساد يُسمىّ شرع الله...رغم أن الشعب السوداني يعرف جيدا أن ليس لهؤلاء القوم من الإسلام سوى اسماءهم...لقد تقلبوا في ملذات الحياة حتى اتخم الفساد عقولهم وأعينهم وآذانهم فاصبح لسانهم الذي يتحدوثون به وأعينهم التي يرون بها وعقولهم التي يفكرون بها...ووصل الأمر بدولة رسالية أن تنشئ مفوضية للفساد، ليس للبحث عنه لدى الغير لأنه لا يوجد غيرهم من لديه القدرة على الفساد، بل بين أبناء التنظيم الذي يقول وزير دفاعه إن استهدافه كان من أجل راية الشريعة.
أحد وجهاء السودان من ابناء أمدرمان، تمت إحالته للتقاعد عقب ثورة أكتوبر 1964، فلم يجد ما يعتاش منه سوى محل صغير علق عليه لافتة كتب عليها \"أعمال فلان\"....
مر عليه أحد خاصته الحممين فسأله متهكما: يا عم فلان \"أعمالك دايره ليها لافتة؟\"
فساد الإنقاذ لا يحتاج لمفوضية، فهو ظاهر في مسكن وملبس وجضوم أهل الإنقاذ وازواجهم وابنائهم واقربائهم...ما الحوجة إذن للمفوضيه إن لم يكن الأمر مقصود به المزيد من الفساد بتوظيف آخرين ورشوة بعض آخر؟...
أنتم ابعد ما تكونون عن النزاهة، لأن ما سميتموه شريعة ما هو إلا غطاء لدنسكم في الحياة، ولهذا السبب تضربكم اسرائيل غضبا من الله عليكم لهزوكم بكتابه وتشويهكم دينه وليس بسبب رفعكم راية شريعته.

محمد موسى جبارة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1735

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#129362 [ابو مبارك ]
0.00/5 (0 صوت)

04-17-2011 02:02 PM
لا فُض فُوك يا ود جبارة


#129081 [Badr]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2011 10:42 PM
ظننت من حديث هذا الجنرال الفاشل ان ما ترفعه السعوديه هو راية اندايه!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
اها يا عبد الرحبم ورينا حكم الشرع في ساجده شنو وكمان عمارات قاردن ستى والخرطوم 3 و و وووووو.................


#129072 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2011 10:18 PM
صدقت


محمد موسى جبارة
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة