المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
محمد عبد الملك عبد الحي
طائرُ السُقُد يغطسُ في النُّعَاسْ (*)
طائرُ السُقُد يغطسُ في النُّعَاسْ (*)
02-03-2016 03:25 AM

طائرُ السُقُد يغطسُ في النُّعَاسْ

إلي : محمد سوركتي




عازة ما بنوم الليل مُحال ..

نعم.. ولكن؛ ليس ذلك بسببْ وطنْ أو حبيبة؛ إنَّما لأنني لا أحبُّ الصباح . أي نعم ،لا أحبُّه. لا أحبُّه حين ينقضْ، ويبدأُ الرُّعبْ، وتنفجر الفوضى : صياحُ الدَّيكة ،صوتُ المؤذن الأخرق الكئيب، زعيقُ العصافير، أسئلة زوجتي أحلام الصباحية ، ضجيج بنتي أحلام ، ضوضاء الكائنات في الشوارع ثمَّ : انفقاع دملُ الأسئلة الوجودية متبوعاً بحزن الدنيا والعالمين . وفوق ذلك ، فإنِّ فكرة النوم ليلاً ترعبني كلما تخيَّلتُ مصير العالم وأنا مسجىً في برزخٍ كئيب، مهلاً.. هل قلتُ مصير العالم ؟ لا، فالصحيح هو مصير بيتي: قبو الجالوص الخانق هذا ، وراكوبته الضحضاحة الشحيحة التي كانتْ ، فيما مضى ، مظنة ظلِّ وريفٍ في حرِّ وسموم السافنا اللافح الذي فيه نحىَ. ومما نفِّرني من النوم ، علاوة على ما يتبعه من استيقاظٍ على الفوضى ، ما حدث لصديقي غريغور سامسا الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد تحوَّل إلى حشرة خنفساء ضخمة، وذلك وفق ما حكاه لي صديقي "كافكا" في ليلة صيفٍ حارقٍ بعيدةٍ صرتُ منذها أرتعبُ، إمَّا داهمنى النُّعاس ، إرتعابُ أعزلٍ وحيد داهمه فصيلُ جنجويد؛ وأصبحتُ أتفقَّد حين الصحو، أول ما أتفقِّد ، أعضائي وتباعيضي : هل أنا ما زلتُ أنا أم تراني تحوَّلتُ إلى حشرةٍ ضخمةٍ رخوة الأرجل؛ عديدتُها ، بطنها ذات حلقاتٍ متغضِّنةٍ، تجاهدُ – عبثاً – كي تتجاوز مأزق انقلابها على الظهر؛ وهيهات؟ صديقي السكِّير قال إنه يتمنى أن يتحوَّل – إن كان لا بد من تحوُّل - إلى بُرمَة مريسة نخب عين الدِّيك. صديقي الذي يكره صباحات الشتاء والعمل قال لي إنه يتمنى ، إن كان لا بد من تحوُّلٍ ، أن يصبح ضفدعاً ضخماً من فصيلة أم بُتْبُتْ حتى ينعم ببياتٍ شتوي هادئ وسعيد، ويضيف إلى أمنيته : أنْ يدركه الشتاءُ وهو "معفوص" تحت بُرمة المريسة التي سيكونها صديقنا المشترك. أنا تمنَّيتُ في سرِّي مكرهاً - إنْ كان لا بد من تحوُّل - أنْ أصبح قرداً ، فهذا أقربُ رُحمىَ وكروموزومات. وهو مما نقمَ به أهلونا علينا من دعواتٍ حين الغضب: أن نَّصبح قروداً . ففي ذاتِ حداثةٍ ما ، ألمَّت بنا على حين غِرة ، وجاءت على إثرها ، من ضمن ما جاء، تحية صباح الخيرعوضاً عن : كيف أصبحتو؟ فكانت تحية الحداثة تلك داخلة، عند جدى جُبارة ،في خانة اللواط من فرط استهجانه لها حتى أنه كان حين يُحيِّه أحدُنا بـ : صباح الخير يا جدي جبارة ؛ يرد بفظاظة قائلاً : بطِّل اللواطة يا ولد ؛ تصبح قِرد. أما أمنيتي الحقيقية فهي أنْ أتحوَّل إلى طائر سُقدةٍ لا ينام؛ وبذلك أكون قد نجوتُ من مصير صديقي سامسا ، من ناحية ، ومن ناحية ثانية؛ سأنام حين يصحو الكون وبذلك أتجنَّب فوضىَ هجوم الصبح ، ومن ناحية ثالثة سأكونُ ملماً بمصير كثير مما يحيط بي: فماذا يحدث للأسرَّة والكراسي التي لا أشكُّ مطلقاً في أنَّ" لها حياتها الخاصة" كما زعم صديقنا غابو؛ وأنَّها تحفظ الكثير المثير عني وعن صديقيَّ اللدودين : صديقي الضفدع وصديقي المرَّاسي، ثمَّ ماذا يحدث لأعوادٍ تقوم عليها هذه الراكوبة التعيسة ، ماذا يحدثُ ،لأحلام، لشجرة الهجليج الشمطاء التى تقف قرب الباب ، هل ستورقُ أغصانها وتخضرُّ ، هل ستطرحُ - لجنٍ وأشباحٍ يأتونها ليلاً - تفاحاً أم لالوب ؟ هل سترفعُ ساقها لهذا القمر الفاجر الذي استعينُ به ، الآن ، بلا جدوى على جنجويد النُّعاس؟ الليلُ هادئ والقمرُ بدرٌ تام ، الطقسُ خانقٌ كما هو دائماً في أغسطس ولا نسمةٌ تهبْ، صوتُ الأمواج ،التي تصطخب في بحر أزرقْ، هو السيِّد. اشتجرتُ وأحلام زوجتي، ظُهراليوم، بسبب مُلاح اللوُبا وبسبب ما قالته لي من أنِّ أمها التي تقيم،منذ شهر، في أنفاسي - أعني في بيتنا - تصرعلى طهور بنتنا أحلام : البت عمرها تسعة سنوات؛ دايرين تخلُّوها غلفاء.. أجي يا يمة ! لا تمحِنَّا لا تبلينا . قلتُ لأحلام وأنا أدسُّ نفسي، قبل وجهي، في صحيفة قديمة وأتصنَّع الغضب: طهِّروها، شلِّخوها وبالمرَّة كدا دُقوا ليها شلِّوفتا. أحلام قالت تستدرجني للحوار: أمس أمِّي قالت كان سُنَّة بس طهِّروها؛ أخير من تقعد غلفاء . أعرف أمَّ أحلام : مخاتلة وتتحوَّل في ثانيةٍ من إمرأةٍ ودود إلى بقرةٍ هائجةٍ في زريبة هُلام ، قلتُ: أحلام ، الله يرضى عليك، أبعديني من أمِّك .. الفيني مكفِّيني ، ثمَّ إنو دي أمور نسوان! فجأة أنفجرتْ أحلام باكية وقالت وهي تهزُّني هزاً : دايماً إنتَ بعيد! ونادراً ما كانت أحلام تبكي؛ كانت كما النحلة : يحلِّك الله إن اقتربتَ من خليِّتها ؛ وكما النملة : دائبةٌ في دروبٍ تتفرَّع لكنها تؤدي ، دائماً ، إلى بيتها : بيت النمل هذا الذي فيه نعيش. ولكي يبقى هذا البيتُ مفتوحاً، كما تقول، دخلتْ أسواق عملٍ كنتُ أهربُ منها ؛لا تكف عن انتقادي: يعني شنو شالوك للصالح العام ؛ كتلوك يعني ولَّا الدنيا انتهتْ؟ أصمتُ ولا أرد ؛ وحين أتكلَّم؛ لا ترد عليَّ؛ تقولُ أنني مصابٌ بالتشوُّش وتختلط لديَّ ،لا الأزمنة وحدها، بل الأمكنة والشخوص والأحداث، وليس ذلك فحسب؛ بل تقول أنُّ الواقع عندي مخترقٌ بالأحلام ، وأنَّ ما يتراءى لي واقعاً إنَّما هو محضُ وهمٍ وخيال، بينما أتَّهمها أنا بإفساد طفولة أحلام الصغيرة بأنْ حوِّلتها طفلةً ملحاحةً كثيرة السؤال عن كيف ولماذا، وهي الأسئلة التي تضايقني، أنا الذي لا يرى ، أحياناً كثيرة، فائدة تُرتجى من الكلام أو أنْ يتَّخذ الإنسانُ موقفاً ما حتى ولو كان الأمرُ متعلِّقاً بختان بنته الوحيدة .
تشاغلتُ بترصُّد النجوم هروباً من أمِّ أحلام ، ومن أحلام ، وطهور بنتي أحلام ، ومن نومٍ يفضي إلى يومٍ آخر؛ وصرتُ أتقلِّبُ في فراشي، أبحثُ بقدميَّ المحرورتين عن موقعٍ باردٍ بأركان السرير، حواسي يسحبها النعاسُ حثيثاً إلى بركةٍ ضحلةٍ ترتخي عندها عضلاتي ويغيب التوتُّر. صديقي المرَّاسي قال لي وهو يحاول أن يصنع من فسيخ رعب التحوَّلِ مريسةً : أحلى من النوم ؛ اللحظات التي تسبق النوم فلا تبتئس . أمي قالت أنِّ جدها الأمير ود عجب الفيَّه لم ينم، منذ مقتلة كرري وحتى افترش فروَته مع الخليفة ود تورشين في أم دبيكرات، إلا غنتسةً متقلِّداً حربته أم طبايق ودرعه على صدره (كأنه في جفن الردى وهو نائم ) ثمَّ أنه دخل إلى الموت من بوابة ذات الغنتسة التي يدخلُ منها بعضُنا إلى النوم. فها هي إذاً الغنتسةُ الحرب ، الغنتسةُ البرزخ، الغنتسةُ المستنقع، الغنتسة الأرخبيل ، الغنتسةُ البركةُ الضحلةُ التي سألاقي ، فيها ، حتف منامي ولاتَ مناص : يرتخي الفمُّ المزموم؛ تسقط يدايْ؛ يرتخي فكايْ ثم أمعائي حتى آخرها فيتحرِّر منها، وئيداً، هواءٌ ظللتُ مكرهاً أمسكه ، هواءً أعرفه بالرائحة ، إنه فساءُ اللوبيا التي فركتها أحلام زوجتي ظهر هذا اليوم. غمغمتُ ثانيةً : الله يقطع اللوبا العَفِنْ. قالوا أنِّ ود حبوبة امتنع عن الأكل اسبوعاً قبل صعوده المشنقة كي لا يحدِث أو يذرق؛ حتى أنَّ رقيَّة أخته كانت تعرض ، على المعزِّيات ، سرواله الداخلي النظيف كنايةً عن البسالة وهي بين الزغاريد تنشد : (كان جات بالمُراد واليمين مطلوق ما كان بنشنق ود أب كريق في السوق) وأنا السوق ينتظرني في الغد بالمكسيم والقربين والكلاشنكوف والأنتنوف وقنابل تطلقها عيون الدائنين وألسنتهم الملحاحة.. لماذا يحب الله العبد اللحوح، كما جاء في الأثر، بينما أنا أكرهه وأكرهُ صباحاً يفضي إليه؟ هل سأنجو بموتٍ مشرِّفٍ كود حبوبة؟ أحلام هبِّت في وجهي كما الكتاحة ، ظهر اليوم ، حين أعترضتُ على مُلاح اللوبيا.. قالت : اللحمة في السوق أبقا راجل جيبا . أحلام بنتي قالت تستفزني : بكرة حا تجيبا .. مُش؟ تذكَّرتُ أنَّ أحلام الصغيرة مضى عليها شهرٌ لم تذُق فيه غير اللوبيا الحنيطير طعماً ، وكم راودتها عن ديكها المزعج نتغدى به أوقات العُسرة ، لكنها دائماً ترفض ،وحين أسألها عن سر احتفاظها بديكٍ لا دجاجة معه تقول ببراءة : أحلام صاحبتي بت عمو عبد العاطي قالت دايراهو يعرِّس الفروُّجة حقَّتا.. ممكِّن ولَّا لا؟ النعاسُ " كما الحُميَّا في المُشَاش " لكني لنْ ألِن- أنا طائرُ السُقُد - سأركز وأقاوم : أمدُّ ساعديَّ فوق رأسي حتى تبين سُمرتا إبطَيْ، أحكُّهما ، أنتف منهما الشعر، أشمُّ صنانهما بتأففٍ ثم أنظر للقمر. أمسح السماء بحثاً عن نجوم بلا أثر.. مهلاً ؛ ثمة نجيماتٍ بعيداتٍ أقصى الشرق مشتبكاتٍ يتهامسنَ كنساءٍ في مهَمَّة. جدي جُبارة حين يرى النساء يتهامسنَ يقول بغضبْ: أها شوف..الفارغات جلسنْ . بينما أقرانه بالراديو لا يكُفون عن الغناء ضُحىَ كل جمعة : جلسنْ شوف يا حلاتِن. تساءلتُ : أيهما على حق؛ الراديو أم جدي جُبارة؟ لستُ أدري ولا يهم ، المهم أنني وجدتها ؛ فها " أباطي والنجم " يؤكدان واقع الحال بلا كناية أو مجاز . غير أنَّي أحسُّ بقدميَّ تغوصان في بركة النعاس الضحلة ويغشاهما خدرٌ كأنهما ليسا منِّي ، يمتد الخدر حتى فخذىَّ وأطرافَ يديَّ: أحلى من النوم ؛ اللحظة التي تسبق النوم .هراءٌ يا صديقي المرَّاسي،هراء. سأقاوم هذا الخدر، وخطر السوق ، والفوضى ، وأنْ اصبح قرداً أو جُعراناً " كافكاوياً" يدحرجُ - كسيزيفٍ كئيب - كُرة خراءٍ عظيمة . سأقاومُ- أنا طائرُ السُقُد - وها طلقتيَ الأخيرة: سأثير مناطق الأحساس فيَّ: شحمة أذنَيْ...لا فائدة، شعيراتٍ عند حلمتيْ صدري... لا فائدة ، سُرَّتي ... لا فائدة ، فخذيَ ..لا فائدة، عانتي ..لا فائدة، ثمَّ ...، وحتى لا تطيش طلقتي الأخيرة ، أضفتُ جكَّة خيال . حاولتُ ، في الخيال ، أن أتفادى أحلام التي ظلِّت تتفاداني وتتمنَّع منذ جئتها سكراناً قبل شهور(قال الشريف حماد يشكو بتولاً ليعقوب أخيها: من يوم القيْلة ولي يوم الليلة ما عاشرتها، كلما أقوم عليها للوطر تنقلب موية ؤ سَرْ تمرق من تحت الباب . أشيل الذكر والتهليل . ترجع تاني ترقد في عنقريبْها. أخليها شوية .تاني أقوم للوطر . تنقلب طيرة ؤ فَر تمرق بالطاقة . أشيل الذكر والتهليل. ترجع ترقد في عنقريبْها . ثلاثين ليلة وها دا الحال يا يعقوب؛ فاقضي ، يا أخي ، في أختك ما أنت قاضٍ. قال لها يعقوب: حمَّاد راجلك . الشرع أدَّاهو ، قال تعاشريهُ ، يقضى منك الوطر بالحلال. مكنِّيه من نفسك وإلا نفضتك من المِلِّة . فحالاتْ ولانتْ ؛ فما طارتْ بعدها وما سالتْ) ولستُ حماداً ولا يعقوب لديَّ إلا قرون استشعار الذكر المتآكلة الحواف ، يومها دفستُ رأسي في حضنها كطفلٍ جائعٍ يبحث عن ثديٍّ يمصه، أبعدتني وصاحتْ : رجعتَ تاني للشراب ! ألف مرَّة قلت ليك ما تقرِّب مني وأنت شارب .. فاهم؟ لكنِّى لم ألن ؛ فأنا أعرف أنَّ تحتَ تبن هذه القوة ضعفاً يبينُ حين تمتد يداي إلى كعوب آخيل العديدة المبثوثة في تضاريس جسد المرأة . وقد ظلت هذه الحربُ سجالاً منذ أنجبنا أحلام لتسعِ سنوات خلونَ ولم يخلو منهِّن شجارٌ وتبكيتُ ضمير. ثمَّ إنَّ محاولاتي معها قد آلتْ إلى فتور؛انتهتْ معه إلى تبرير قِط ٍّ لم يجد إلى حليبٍ معلقٍ بمشلعيبٍ سبيل. قلتُ لها بلسان بت مجذوب الطالق: يا كافي البلاء، لا حنِّة زي النسوان لا دخان لا لخوخة لا دلكة لا كبَريَتْ، دا شنو دا؟ وغطستُ في بُرمة صديقي المرَّاسي التي يبيتُ تحتها صديقي الضفدع . السماءُ فوقي ترتجُّ وتتشقَّق. النجيماتُ المشتبكاتُ كنسوةٍ في مهَمَّة سقطن أرضاً على يساري، والقمرُ ، مُعيني ، سقط على يميني ، نزلَ ديكُ أحلام بنتي من سريره الوثير على حبل الغسيل وطفق يلقط النجيمات في عُجالة : نجمة نجمة . وكلما لقطَ نجمة شهقتْ باقي النجيمات، بصوتٍ واحدٍ ، مهجوماتْ : هِه.. سجمي! أنظرُ إليهنَّ ورأسى ثقيل ، في أطرافي خدر ولا أقوى أنْ أغيثُهنَّ بـ : كَرْ.. أيُّها الديك . أنا طائرُ السُقد االنَّعسان، أنا درِّاجُ العاطلات رافعُ الساقطات ومغيثُ النجيمات المهجومات. ركض الديكُ نحو القمر والقمرُ، على الأرض ، يرفسُ كضوءٍ ذبيح ، نقره محاولاً إبتلاعه حتى بدا لي أنَّي أنا الآخر قلتُ: هِه.. سجمي ! كلما نقر الدَّيكُ القمرَ انتفضَ وسال على الأرضِ ضوءه المُهراق، ما خفتُ على القمر بقدر خوفي على الديك أن يختنق . لكنني غمغمتُ بشئ لا أذكره فأرتفع القمرُ رويداً رويداً كطبقٍ طائرٍ يعود للفضاء وما انفك يرتفع حتى استقر قمراً في مداره كما كان .نظرتُ إلى الدِّيك ؛ كان مشدوهاً وغاضباً فصاح في وجهى بعبارة غريبة، كأنه قال : منْ خوَّلك؟ أو ربما قال : ما أخوَلك ! وأنَّه عنى بالقول أنني : خوَلْ ؛ فغضبتُ وأشحتُ عنه بإزدراء ونظرتُ إلى القمر فرأيتُ صديقي الضفدع ينقسم على نفسه فيتحوِّل إلى إثنين متماثلين كتوأمين سياميين يمسك كل منهما كيراً وبينهما القمرُ مشتعلاً وهما دائبان ينفخانه . قلتُ له : هذا ليس عدلاً يا صديقي الضفدع ؛ هكذا تؤخر البيات الشتوي ؛ هل تقصد ذلك فعلاً ؟ قالا بصوتٍ متماثلٍ منغَّمٍ لا يخلو من مكاواة: هكذا يتحوَّل القمرُ إلى شمسٍ متوهِّجةٍ ويأتي الصباحْ ، تذكَّر كلام صديقنا المرَّاسي: أحلىَ من النوم؛اللحظات التي تسبق النوم . ثمِّ ضحكا وانخرطا في النفخ . ضبابٌ يلفُّ الأرضَ ودِككُ قصبٍ منصوبةً خارج البيوت ، نزل توأم صديقي الضفدع وترك نصفه الآخر منخرطاً في نفخ الكير. بدا لي حين نزل وجلس إلى جانبي أشبه بالطيب صالح ، نظرتُ إليه ثانيةً فإذا هُوَ هُوَ الطيب صالح الخالق الناطق . لم أندهش لوجوده . قلتُ له : بت مجذوب كلِّمتك مُشْ؟ قال : لا . قلتُ: ضو البيت إذاً؟ قال : لا.. كلِّمتني ميِّة بنت مقاتل عن بيت شعرٍ قاله ذو الرُمَّة . قلتُ : يا شيخ الطيب ، ياخي أنا في درك وكرب شديد تقول لي ميِّة وذو الرُمَّة؟ شوف لي حل مما أنا فيه ؟ فضحك بصوتٍ جهور- هو صوته - وقال بتراخ ٍ : أما ذو الرِّمَّة ؛ فـ هُوَ كويس معانا ، أما أنتَ فما عليك إلا أنْ ترجا الرَّاجيك . ولم يمهلني لأفكِّر في الـ " راجيني" فنهض وأخذ بيدي وانطلق يمشي بجانبي خلل الضباب. يدي الأخرى تعبثُ هناك - بين فخذي- وخيالي يتباطأ وها أنا نُهْبةٌ لغنتسةٍ ما أنزل الله بمثلها على إنسٍ ولا جان .لم تسعفنى ذاكرتي بأية مثير. صديقي المرِّاسي قال لي مرة: ياخي الواضح ما فاضح ؛ عليك بالحبة الزرقاء. قلتُ له : الكمُّون تقصد؟ قال لي : كمُّون في عينك، عليك بالفياقرا يا شاب. نحَّيَتُ صوتَ صديقي جانباً ودخلتُ وسط الضباب، هناك رايتُ حمارة جارنا ترعى بين دكك القصب المنصوبة خارج البيوت. الضباب لا يشبه جغرافية هذه المدينة وكذا دكك القصب. مشيتُ خلاله متربصاً فرأيتني ورأيتُ صديقي الضفدع صبيّين مراهقيْن. حين ذهبتُ اليوم للإستدانة من سليمان صاحب الدكان، إنتفض حين رآني، لم يسألني عن ديونه المستحقة علىَّ والتي ما كفَّ يوماً عن ابتزازي بها متى وحيثما لقيني حتى بتُّ أتحاشى لقياهُ كما أتحاشى لُقيا آخرين لهم علىَّ ديون. أنتفض سليمان مرعوباً وأسلفني سكراً ودقيقاً وكرت رصيدٍ لم أطلبه ، أسلفنيها إلى حين ميسرةٍ أعلمُ أنا ، وربما يعلمُ هو أيضاً، أنها ليست قريبة. حين هممتُ بالإنصراف قلتُ له بمسكنة: أمهلني في السداد رجاءً . قال لي بتزلُّف: حاضر جنابك ..إنتَ تأمر؟ ثمَّ اختفى وتركني محتاراً أخطرُ في جنابٍ ليس لي. تعوَّدتُ أن أسمع في الصباح صوت جارنا عبد العاطي يغنى بصوتٍ مفجوع وهو يحمل قفَّة الخضار ذاهباً لقضاء حوائجه من السوق : (جنَّنونا بالخدار)عاد عبد العاطي مكشوشاً من مُغتَربٍ باع من أجله ما يملك وما لا يملك وها هو الآن خلل الضباب بتعاسةٍ يُغنِّى. مشيتُ إليه وحين رآني قطع أغنيته وقال بصوتٍ شبه منغَّم وهو ينطِّط ويصفِّق: الجيلى جاء. الجيلي جاء . الجيليجاء.. ثم مضى بذات التعاسة يغني: (جنَّنونا بالخدار . الجيليجاء).. كثيراً ما سمعتُ هذه العبارة - الجيليجاء- في الأيام الماضية ولم أعرها اهتماماً ، فقد بدا لي أنِّ ثمة تقاربٍ بينها وبين ترنيمة قديمة كان يغنيها مشجعو فريق كرة قدمٍ كنتُ، أنا أيضاً، أشجعه في الماضي لكنه غُمّ علىَّ الآن؛ لذا تجاهلتُ الأمر ومشيتُ أحاول اللحاق بعبد العاطي . لحقتُ به ، وكطفلٍ يستأمن بكنف أبيه؛ مشيتُ بجانبه ، كنتُ خائفاً خوفاً وجودياً وكان ، هو ، منخرطاً في غنائه الحزين . إنتبهتُ حين حاذيته أنه يفوقني، الآن، طولاً عما عليه في الماضي وقبل أن أعقلن ملاحظتي أو أسأله عما حدث لي أو له ، قطعتْ أمامنا حمارةٌ يطاردها حمارٌ ناعظٌ كنتُ قد رأيتهما يرعيان بين دِكك القصب المنصوبة خلل الضباب ، انطلق عبد العاطي خلفهما بسرعة البرق وترك أغنيته ومعها القُفَّة معلِّقتينِ في فراغٍ عريضٍ فوقي ، قفزتُ قفزاتٍ متتابعاتٍ لألتقطهما ولكني لم أستطع إليهما وصولاً ، ثمَّ أنَّه عاد، بعد هُنيهةٍ، وهو يركب الحمارةُ الحائلة والحمارُ ما زال ناعظاً يتبعه ، وهو في نهيقٍ متقطِّعٍ؛ يتشمَّمُ في شبق فرج الحمارة المنبثق، قال لي: هيَّا .. شد وأركب في الحمار، ماذا تنتظر؟ فكَّرتُ أن أقول له أنِّ ذلك مستحيل؛ ليس بالنسبة لي وحسب؛ بل بالنسبة للحمار الذي ربما تلاشى أو انفجر - إنْ أنا لمسته - وهو في هذه الحالة من الإحتدام والكرب ، فكيف أركب ؟ ثمَّ أننا لا ندري لمَنْ هما؛ فكيف يركب الانسانُ حماراً لا يعلم من هو صاحبه؟ لم يمهلني عبد العاطي لأسأل ، بل زجرني : بطِّل التأمل ..أركب ياخي، أركب يركب فيك.... ثمِّ أنه اقتلعني كريحٍ وأركبني على ظهر الحمارالهائج ومشينا . حماري، في نهيقٍ وضُراط، يخبُّ خلف حمارته إذا خبَّت ، يتشمِّمها في لوعةٍ واحتشاد ثمِّ يركضُ إذا ركضتْ، وعضوه الناعظُ يضرب ساقيَّ ذات اليمين وذات الشمال وأنا منكمشٌ على نفسي ومتحفِّز؛ فأنا لا أذكر آخر مرِّة ركبتُ فيها حماراً؛ بل أكاد لا أذكر أول مرِّةٍ فعلتْ ، حاولتُ أن أبثَّ عبد العاطي شُكاتي فكنتُ ، من فرط نهيق الحمار الملتاع وضراطه ، أصيح حيثُ يستوجب الحديثُ همساً، فحين صرختُ فوق الضجيج العاول بأنَّ "أهل زوجتي أحلام دايرين يطهَّروا بنتي أحلام " ردِّ جزافاً بصراخٍ يفوق صراخي : مرتك ما مطهَّرة .. ؟ بختك ! ثمَّ أنني سئمتُ من المحادثة وحوار الحمارين واستسلمتُ لعنفوان التدافع الشبِق الذي يحملنا على صهوته بلا لبد ؛ لكأنَّ الواحدَ منَّا مكوكُ فضاءٍ على فوهة صاروخٍ وشيك الانطلاق . عاد عبد العاطي لغنائه التعيس غير آبهٍ بالظرف المحموم الذي فيه نوجد، وعدتُ إلى ترتيب فوضاي وأنا أسحبُ ساقيَّ ، لأعلى ، بالتناوب كلما أرتطم بأحدهما عضو الحمار في مراوحته ذات اليمين وذات الشمال ، نظرتُ إلى فوقي : كان توأمُ صديقي الضفدعُ ما زال منهمكاً في نفخ الكير والقمرُ ملتهبٌ بين ساقيه المنفرجتين ، كان صديقي المرَّاسي يقود جمهرة عمَّالٍ تسحبُ قرن الشمس من تحت الأفق الذي يقبع تماماً خلف قضيب السكة الحديد ، كنا كلما ركض الحماران ركضةً تمتلئ آثار حوافرهما بأسفلتٍ طري، ويقوم وراءنا عمَّالٌ بخوذات ومهندسون بخُرط ، وثمَّة آليات وشاحناتٍ ،في ضجيج، دائبات في رصف الطريق الذي سيمشي عليه من يأتي بعدنا، صحتُ بفرحٍ فوق ضوضاء الحديد والشبق لأنبَّه عبد العاطي، الذي تركض حمارته أمامي، لما يدور خلفي: أخيراً يا عبد العاطي ؛ شوف الظلط وراك . لكنه ما كان قادراً على سماعي . نظرتُ إلى جانبي الطريق الذي فيه نسير؛ لافتات كثيرة منصوبة مكان دكك القصب، نظرتُ إلى أقربها مني ، ثمَّ دقَّقتُ في واحدةٍ منها مكتوب عليها اسم الشارع الذي عليه نسير : شارع الأحلام . تذكَّرتُ أحلام فأنقبضتُ ، هربتُ من ذكرى أحلام بأنْ إلتفتُّ ورائي فرأيتُ البيوت الواطية على جانبي الطريق تنتفضُ وتثير غباراً ثمَّ تتمطى وتطول فوقي طابقاً فوق طابق. محطة السكة الحديد تعجُّ بالقطارات وعمَّال الدريسة في غناءٍ بهيج ، طائراتُ الرَّش تحلِّقُ، رشيقةً، كفراشات فوق الحوَّاشات والنباتات، إليها، تشرئِبْ. الشجرُ يحتُّ أوراقه القديمة ثمَّ يستبدلها سريعاً بأخرى خضراءَ وصفراءَ وحمراءَ، وظلَّت الصور البهيجة تترى ورائي حتى نبَّهني عثار الحمار أن أنظر أمامي فرأيتُ السوق كالحاً وعبد العاطي قد ترجِّل، قفزتُ من ظهر الحمار وأطلقتُ سراحه ومشيت. نهيق الحمار، خلفي ، تحوَّل إلى عواءِ كلبٍ مفجوع؛ لم ألتفتْ إليه لكنني قدِّرتُ أنَّه قد نال ، أخيراً ،مبتغاه . داخلني ، وأنا أدخل السوق ، خوفيَ الوجودي القديم. كنتُ، فيما مضى، أعرف هذا الخوف ولي تقنيات كثيرة تحيِّده. لكنَّه يأتيني ، هذه المرِّة، متبوعاً برعبٍ وضِعَة شأن، نزل صوتُ الحاردلو عليَّ ببعض عزاء : (في سوق القضارف كم قدَل بي عولي .. ؤكم برَّك نياق لأمَّات عقيداً لولي .. دردرني الفقُر شيِّلني صنقوري .. ركَّبني الحُمار حتى الحُمار مو هولي ) فقلتُ في نفسي : لستُ وحدي. ثمَّ بدأتُ في وضع خطتي للنجاة : الشمسُ تجاور القمر وصديقاي أحدهما دائبٌ في نفخ كير جمر القمر والأخر يسحب الشمس من أشعتها كما يسحب المرءُ مهرةً من عرفها . قلتُ لنفسي : الوقتُ ما زال باكراً والتجار والجزَّارون وبائعو الخضار في أعلى مراحل جشعهم ، سأنتظر حتى تكون الشمسُ وسط السماء وعندها سيقل الطلب ويكون المعروضُ بائراً ، فالناس- أعرف أغلبهم - لا يشترون شيئاً سوى الويكة واللوبيا الحنيطير،عندها سيلجأ البائعون إلى الصياح على المعروض من خضروات ولحوم، وحين تميل الشمسُ إلى زوال سيزدادُ خوفهم ويلجأون إلى تقليل الأسعار، أما حين تؤولُ إلى عصرٍ هالك- وهذا أفضل وقتٍ عندي للشراء- سأخرجُ عليهم وسيخطبون ودي لأستدين. فارقتُ عبد العاطي ومشيتُ خائفاً أترقَّب. بحر أزرقْ يبدو خلف السوق في هياجه الأغسطسي العارم ومن خلفه تبدو أشجار البر الغربي كأنها سابحةٌ في السحاب. الناسُ ، في شرودٍ، تتقاطع خطاهم ويكادُ يصدم بعضهم بعضاً. مشيتُ بين الجموع الحائرة، شدَّ انتباهي تجمَّعُ لفيفٍ من الناس قرب ساحة المحكمة، قلتُ لنفسي: ربما نشَّال أو نظام عام . وقفتُ خلف الجمع المتدافع ومددتُ عنقي ، رأيتُ إمرأةً متكوِّمةً وسط الدائرة التي يقف حولها المتفرِّجون الذين تبدو عليهم سيماء الشماتة والغبطة . كانت ملفوفة تماماً في ثوبٍ أزرقٍ، كان هنالك شرطيُّ يقف متحفِّزاً وهو يرفع سوط عنج فوق رأس المرأة، ثمَّ رأيتُ رجلاً، قدِّرتُ أنه القاضي، يقف ويقرأ ، بصوتٍ حجَّاجيِّ جهير، من ورقة بردي مهرودة: (أيُّما امرأةٍ تزيِّنتْ وتعطِّرتْ وخرجتْ ليجد الناسُ من ريحها فهي زانيةً) بلعتُ ريقي وقلتُ لنفسي : نظام عام إذاً ! بصق الذي بجانبي سفِّته ممتعضاً ثمَّ- متحفِّزاً لقتال- قال : ؤمال إيه ؟ هربتُ منه ، ثمَّ : جبِط ؛ نزلَ السوط الأول وصرختْ المرأة: ووب عليْ . نزل الثاني فرمتْ ثوبها . وعند السوط الثالث بدا وجهها واضحاً لي . هتفتُ مفزوعاً: أحلام! جريتُ نحوها لأسألها :دا شنو يا أحلام .. سنة كاملة وإنتي لا حنة ولا دلكة ولا دخان ..عملتيها متين ؟ لم أسأل، لكن السوط نزل عليها وعليَّ وظلَّ ينزلُ حتى نادى الرجلُ الحجَّاجُ أنْ: كفى . سحبوا المرأة ، التي عادت إلى هيئتها ولم تعد أحلام، وأخذوها لتكملة بعض الإجراءات ثمَّ نودي بعدها لتنفيذ حكم الجلد ، أيضاً، في رجلٍ قُبض عليه يصيد القرود من غابة البر الغربي لبحر أزرق؛ وليست هذه هي التهمة؛ إنما لأنه يصيد القرود بعد تسكيرها بالمريسة القوية نخب عين الديك . لم أندهش حين إلتقتْ نظراتنا : كان صديقي المرَّاسي قد جئ به هذه المرِّة برفقة قردٍ سكرانٍ وبُرمَة مريسة كمعروضات . أحسستُ بالصَّغار، تحاشيتُ نظراته وأبعدتُ وجهي عنه بضِعَة. نظرتُ إلى الأرض وقلتُ، في نفسي، متحسِّراً:إييييه... من سيسحب الشمسَ إلى غروبٍ وصاحبي – ساحبُ الشمس – مخفورٌ هنا ؟ ثمَّ نظرتُ إلى السماء ، كانت الشمسُ باهتة ( تبدو ولا تكون) وكان صديقي الضفدع قد رمى كيره وبدأ في الهبوط، قلتُ لنفسي : لقد تأخر الوقتُ وربما لا أجد شيئاً في جزارة الكرشة؛ فهذا وقتٌ يشتري المرَّاسة وسكارى الليل ما لذَّ وطاب من لحوم الكرشة والكوارع . مشيتُ، وحين وصلتُ كانت الأرض مبتلةً كأنَّ أمطاراً غزيرةً هطلت؛ كان عليها آثارُ أقدامٍ وطينٌ مختلطٌ بماءٍ ودماءٍ وفضلاتِ حيواناتٍ ذبيحة، كان الجزَّار- بُغيتي- نائماً ، وفوق طاولته أكوامٌ من الكرشة يحتشدُ فوقها الذباب ، لم يكن هنالك إلا كلبه الشرس يحرسُ بضاعته . الكلب أعرفه تماماً وأخافه مُذ كان جرواً ..زمجر حين رآني أقترب ؛ قلتُ أهدئ من روعه فناديته بإسمه: باخوس .. وابتسمتُ ، ببؤس ، في وجهه . زمجر الكلب ثانيةً وسمعتُ قائلاً يقول : الجيلي جاء .. ثمَّ على طريقة مشجعي كرة القدم : الجيليجاء . نظرتُ إلى الجزار ظناً مني أنَّه من قال ذلك فوجدته يشخر وهو يغطُّ في نومٍ عميق . ناديتُ الكلب وأنا خائف : باخوس . لم يمهلني لأكمل اسمه ، زمجر ثانيةً فسمعتُ هذه المرَّة، خلال نباحه، صوتاً واضحاً يقول بطريقة عبد العاطي : الجيليجا.. الجيليجا . قلتُ مرعوباُ : أالكلبُ يتكلَّم ويغني؟ تذكِّرتُ مجنون غوغول وتساءلتُ عمَّا إذا كانت مملكة اسبانيا لا تزال تنتظرني لأعتلي عرشها ملكاً أم أنهم استعاضوا عني بليونيل ميسِّي ؟ وهل ما زال لملك الجزائر ثؤلولاً أم أنه استأصله بجراحةٍ ليزرية؟ وهل ساحت رُكبتا ملك ما بين النيلين وتكوَّكتْ خصيتاه وتدلتا حتى عجز، كما يُشاع، عن الرقص والركض؟ وبينا أنا غارقٌ في أسئلتي الماضوية تلك نبحَ الكلبُ بعواءٍ ملوِّعٍ وسمعتُ صوتاً يقول : شيل ليك كوم ؤ حَاسِب الكلِبْ . الصوتُ صوتُ الجزِّار ؛ أعرفه ، لكن ماذا يعني بـ : حَاسِب الكلِبْ ؟ هل يعني أن أدفع ثمن كوم الكمونية للكلب، أم يعني أن أشيل كوماً وأحاسب- أي أحترس- من الكلب ؟ دار الإحتمالان في رأسي، أنا طائرُ السُقد المرتبك الباحثُ عن يقينٍ لا تزعزعه الاحتمالات . الورطة أنني جئتُ لهذا الجزار خصوصاً لسابق معرفةٍ بيننا خططتُ لإستثمارها في شراء كوم من الكرشة إلى حين ميسرة، فماذا أفعل إن كان الأحتمال الأول هو الصحيح ، كيف أتفاهم مع الكلب؟ وفي غمرة حيرتي تلك سمعتُ جلبةً ورائي فألتفتُ فرأيتُه يمشي نحوي كأنه لا ينتمي للمشهد الذي فيه يمشي : نظيفاً، متعالياً، كأنه خارجٌ لتوِّه من بيت المتنبي:"يطأ الثرىَ مترفقاً من تيهه ، فكأنه آسٍ يجسُّ عليلا "، مرهوباً كأنه قائدُ جيشٍ بألوية، وقف قبالتي فرأيتني ضئيلاً والناس المتحلِّقون حولنا رأيتهم أقزام، سلِّم عليَّ بكفٍ طريٍّ ، تذكَّرتُ أوان كنا مراهقين نطارد الحمير بين دكك القصب المنصوبة خلل الضباب، ثمَّ تذكَّرتُ أنه غاب غيبته الأولى الطويلة التي عاد منها ومعه آثار نعمةٍ وزبيبة صلاة ومقولة غريبة كانت المرة الأولى التي نسمعها : لا أصافح النساء. ثمَّ أنه غاب ولم أرهُ إلا هذا اليوم خارجاً من وسط هذا الطين البرجوب ، نظيفاً كشعرةٍ تخرجُ من العجين ، حدِّق فيَّ وقال باقتضاب : أنا طالب يد أحلام . أعتبر دي الخطوبة والعقد يتم هسه قدِّام الناس الحاضرين ديل، الزفاف بعد المغرب ، والقيْلة بعد العشاء . ضجَّ المتحلِّقون وانخرطوا في تكبيرٍ وتهليلٍ وبكاء ، كانوا يعانقون بعضهم بعضاً ولا أحدٌ منهم صافحني ، من بينهم ميَّزتُ جارنا عبد العاطي وسليمان صاحب الدكان وصديقي الضفدع وصديقي المرِّاسي يحملُ قرداً على كتفه وصديقي سامسا ، تحتهم ،خنفساءً مقلوباً تكادُ تدهسها الأقدام . ثمَّ أنَّه مدَّ يده ، بجبروتٍ وهيبةٍ لا تقاوم ، وسلَّمني رزمة من المال الأجنبي، ثمَّ قال : دي أعدل بيها حالك ، نتلاقي بعدين . ثمَّ رفع يديه ورفع المتحلِّقون حوله أياديهم؛ كأنهم يقرأون الفاتحة ، ثمَّ انصرف وانصرف المتحلِّقون ، خلفه ، كأنهم يتحرَّكون كتلةً واحدةً صماءَ ، رايتُ صديقي سامسا يجاهدُ للِّحاق بالكتلة باذلاً- كخنفساء مقلوب- جهداً تتمزَّقُ له القلوب، ناديتُ عبد العاطي .. انفصل ، برأسه، عن الكتلة ثمَّ التفتَ نحوي وقال : جنَّنونا بالخدار .ثمَّ عاد وأندغم بالكتلة، ناديتُ صديقي المرَّاسي والقردُ يتقافزُ على كتفيه، لم يلتفتْ إليَّ ؛ لكن القردُ إلتفتْ، مدَّ لسانه نحوي ثمِّ كشَّرأنيابه كأنه يضحك . عاودتني الحيرة ثانيةَ؛ أنا المرتبك الذي لم يخرج بعدُ من حيرة : حَاسِب الكلِبْ؛ فأيِّ أحلامٍ يقصد؟ لا يمكن أن يتزوَّج من إمرأة متزوِّجة مازالت على حبال زوجها، كل الشرائع والأديان والقوانين الوضعية تجرِّم ذلك؛ إذاً فهذا الإحتمال، نظرياً، مستحيل ، لكن كيف يتزوُّج طفلةً لم تبلغ التاسعة بعد، ثمَّ أننا – أنا وأحلام – لم نحسم بعدُ أمر ختانها : هل سنختنها ختاناً فرعونياً، سُنَّة أم نتركها فضلةً غلفاء ؟ وفي حيرتي تلك رأيتُ القمر قد توسَّط السماء بدراً تاماً ، رأيتُ أقصى الشرق تينك النجيمات المشتبكات كنساءٍ يتهامسنَ وقد تسوَّرن طفلة ، قلتُ أسرع الخطى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فمشيتُ على ذات الطريق التي جئتُ بها محمولاً فوق مظاهرة الشبق الحماري ، كان الطريقُ وعراً ولا أسفلت عليه ، كأنَّ مجنزرات جنودٍ ودبابات مرَّت فوقه، على جانبي الطريق كانت الآليات والجرَّارات خُردة بلا حراك وقد نبت من بين حديدها عُشَرٌ وأشواكٌ وسدر، وعظام حيواناتٍ نافقة . قال صوتٌ مهيبٌ لم أدر مصدره : انظر إلى حمارك . قلتُ : ليس لي حمار. قال بغضبْ: انظر إلى حمارك .فنظرتُ إلى الهياكل المتناثرة . بدا لي أنَّني ميَّزتُ بينها عظام الحمار الذي كنتُ عليه أركب؛ فقد كان الهيكلُ العظميُّ الوحيد الذي يشِعُّ بضوءٍ قدَّرتُ أنه ضوءُ الشبق . قضيب السكة الحديد كان مخلِّعاً وقد بدت تحته الفلنكاتُ كعظامٍ ناشزات ، طائرات الرَّش استحالت إلي تنانين تنفث ، فوق الحوَّاشات، نيراناً تضئ حواف الليل باللهب. خلل الظلام يبدو بحر أزرق في هياجه الأغسطسي لامعاً ومصطخب . هبَّتْ ريحٌ جلبت معها صوتَ غناءٍ وصفقة من جهة بيوتنا . خشيتُ أن يكون أحد الإحتمالات الثلاثة قد حدث دون أنْ أكون مشاركاً فيه ، لكنَّ شعوراً بالرِّاحة داخلني حين رأيتُ الكتلة البشرية الصماء زاحفةً نحوي تهتف وفوقها برز- كنتوء - شخصٌ محمولٌ على الأعناق ، قدِّرتُ أيضاً أنَّ هذه ربما مراسم السَّيْرة والشيوم، ثمَّ أنَّ الكتلة الصماء بدأت تتضحُ رويداً رويدا : كانت كتلة هلامٍ بشريٍ مستديرة أشبه بدكَّة قصب أو قُطيَّة .. لستُ أدري ، وفوقها نتوءٌ بشري تحمله الكتلة الزاحفة.ثمَّ أنَّ الهلام طوَّقني حين وصلني، ثمَّ التهمني؛ استدار حولي كزئبقٍ آخذٍ في التمدد فاحتواني حتى وجدتُ نفسي ضمن الكتلة أمضي وقد اختلطتْ فيها أعضائي وتبعايضي ، نظرتُ فبدتْ لي الوجوه في الكتلة كلها متشابهة حد التماهي : فصديقي الضفدعُ هو الضفدعُ الذي هُوَ هُوَ صديقي المرَّاسي الذي هو بُرمةُ المريسةِ والقردُ الذي على كتفه هو الآخرُعبدُ عاطٍ على حمارٍ يُغني بوجهٍ حزينٍ هو وجهُ الجزار الذي كوجهِ الكلبَ الذي هُوَ هُوَ وجهُ سليمان صاحبِ الدُّكان الذي هُوَ ذاته وجْهُ جدي جُبارة الذي ربما كان وجهُه وجهْيَ الذي لا أستطيعُ أنْ اراه . كانت الكتلة تهرول مندلقة كهلامٍ، كزئبقٍ ، كهايدرا ذات أذرُعٍ وأقدامٍ كاذبة ، وكنت اسمعُ اصواتَ ركضٍ خلفنا، كأنها تطاردنا. بصعوبةٍ أستطعتُ أن التفتْ خارج الكتلة فرايتُ أحلام زوجتي وأحلام بنتي تخبَّان في إثرنا ، حين دقَّقتُ النظر لأتأكد؛ إنقسمتْ أحلام زوجتي إلى حشدٍ من النساء لهنَّ جميعاً وجهُ أحلام، ثمَّ انقسمتْ أحلام بنتي إلى مجموعةٍ من البنات لهنَّ وجهُ أحلام الصغيرة وقد لُّفَّتْ في إيديهنَّ حريرة ، وظللن ينقسمنَ حتى امتلأ الأفقُ أحلام. عبرتْ كتلة الهُلام قضيب السكة الحديد ثمَّ تدحرجتْ صوب طريق العربات المعفَّر ثم انحشرتْ بين البيوت الواطيةِ؛ التهمتْ ساكنيها؛ تضخَّمتْ ومضَتْ: من حفرةٍ إلى مطبْ، ومن زقاقٍ إلى زقاق، ثمَّ انسابتْ حتى طلعتْ إلى أرضٍ فضاء ثمَّ إنحدرتْ في الأرض المنخفضة بين رواكيب الحَلبْ وموردة الحطب حتى إنتهتْ إلى قيفةٍ متهالكةٍ عند بحر أزرق الناعظ، إنهارت القيفة تحت ثقل الكتلة التي ما لبثت أنْ انقذفتْ من سامقٍ وأرتطمتْ بالماء : جُمبُلُغ . كان التيَّارُ جارفاً كما هو في أغسطس . اختلطت الكتلة بعويشٍ واشجارٍ وجثثِ بشرٍ وحيواناتٍ يحملها الماء في إندفاعه من أعلى الهضبة هادراً صوب السافل ، ثمَّ حملها التيَّارُ ، فانسابتْ ولصوتها أزيز يقول : شووووو. شقَّ بها ما بين أشجار البرالغربي وجروف الهوسا وقمائر الطوب الأحمر وحين تجاوزتْ الكتلةُ البيَّارة انحرفتْ عند منحنى البحر قربَ قُرى التريرات حيث تلتقي مجموعة من الأمواج المتعارضة التي لا تلبث أن تصطف وتتساوق مكونة شيمةً مدمَّرةً تثقبُ - كدربكين- ثقباً عميقاً من سطح الماء حتى القاع، ثمَّ أنَّ الكتلة ما عتمتْ أن استدارت مع الشيمة واستدارتْ واستدارتْ ثمَّ غاصتْ رويداً رويدا. تذكَّرتُ البيتَ –بيتي- وأنا أغوص ؛فأشتقتُ إليه،تذكَّرتُ أحلام؛ فحنَّتْ روحي لهنَّ جميعاً وأنَّتْ ، جاهدتُ أن أنزع نفسي من بين الكتلة الآخذة في الغرق ، حاولتُ بكل ما أملك من جهد، وبين الشدِّ والجذب أحسستُ أنَّني في جوف حوتٍ عظيمٍ يمورُ بالكائناتِ أسبح ، ثمَّ أنَّ الحوتَ لفظنى من جوفه فوجدتُني ملقىً على القيف غارقاً في العَرَق ، جسمي متفسِّخٌ ولا يقطينُ يُغطِّينِ، والقيفُ كله مصابيحٌ تضئ - كما اليراع - وتنفثئ، ومن بين الوميض نساءٌ ثاكلاتٌ وبناتٌ طفلاتْ، دقَّقتُ فيهنَّ ، خلل الظلام، فإذا النساءُ كلِّهنَ أحلام وإذا البناتٌ الطفلاتُ كلهنِّ أحلام، والآفاقُ ، كذلك ، كلها جمهرة أحلامٍ يصِحنَ فيختلط صياحهنَّ بأصواتٍ تصيحُ، في زمنٍ آخر، على الضفة الأخرى لذات البحر، وماءُ البحر يرجِّعُ صدى الصياحين كبهوٍ كونيِّ عظيم : " ضوْ البيت.. أرجع البيت".

.....................
(*)من مجموعة قصصية بعنوان : أحلام .. قمرٌ ، بقرٌ ، كلبٌ وغائط


[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 6599

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1408058 [واحد من إياهم!]
4.12/5 (8 صوت)

01-31-2016 01:24 PM
أمتلأت حتي الثمالة حبورآ؛ أنك موهبة مانحة للفرح حتي من بين ثنايا حياتنا الضنكة والممزوجة بالحرمان والقسوة فأنت طوعتها لتهبنا هنيهة من الجمال .شكرآ لك يا من أحيا الأمل في جوانحنا والتي كادت تقنط من مجددي المئويات بكتاب وحيد- بيضة رخ: أم ديك جن- التحية ومزيدآ من الإبداع.

[واحد من إياهم!]

#1407832 [سوداني]
4.11/5 (8 صوت)

01-31-2016 06:27 AM
1. كم هي متعة للروح والعقل ان تقرأ نصا لكاتب متمكن من ادوات وتقنيات ومرامي وإمكانيات صنعته كما هو الحال مع هذا الكاتب في هذا النص. وكم هي متعة اضافية اذا كان النص ليس فقط كاملا من حيث الرسالة والمضمون والتركيب، بل ايضا آخذا متناهي الجمال شكلا … كما هو الحال هنا. فالكاتب يحول اللغة العربية هنا الي آلة موسيقية يألف عليها سيمفونية طاغية الجمال والابهار، ويعزفها علي مسامعنا بقدرة نادرة لا تخفي لا علي العين او الاذن او الحس او الادراك.
لله درك يا محمد عبد الملك!
2. شكرا جزيلا. ونعشم في المزيذ!

[سوداني]

محمد عبد الملك
محمد عبد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة