سكوت المثقف
04-23-2011 07:23 PM

سكوت المثقف

فيصل محمد صالح

ليست مواقف وأحاديث المبدعين والمفكرين وحدها هي التي تثير جدلا، بل حتى سكوتهم، انطلاقا من افتراض أن للمبدع والكاتب والمفكر موقفا من كل شيء في الدنيا حين يتحدث، وحين يقع حدث ما ولا يتحدث عنه ولا يعلن موقفاً فإن الناس ينظرون في المواقف المفترضة، ويحاكمون المبدع المثقف بناء عليه.
نقل أحد أصدقائنا مقالا كتبه الناقد العراقي عبد القادر الجنابي منتقدا سكوت المفكر والشاعر السوري أدونيس عن ما يحدث في بلده سوريا، شن فيه هجوما عنيفا عليه واتهمه بالتواطؤ والانحياز لطائفته العلوية الحاكمة على حساب مسؤوليته التاريخية كشاعر ومفكر يجب أن يقف مع مطالب الجماهير.
وانقسم الرأي داخل مجموعتنا الصغيرة التي تتبادل الرأي في مثل هذه المقالات، بين مؤيد لما كتبه الجنابي، وبين من قال إن المفكر والشاعر يكتب حين يريد أن يكتب، لا حين يطالبه أحد بذلك، وأن اختيار لحظة الكتابة هي مسألة خاصة وضرورية وهي من اختيار الكاتب وحده.
بالتأكيد ليس هذا الجدل جديدا، فهو سبق أن دار ويدور في مواقف كثيرة، ويتمحور حول موقف الكاتب والمفكر والمبدع من القضايا السياسية والفكرية والأحداث الكبرى التي تحدث ببلاده والعالم، وعلاقة ذلك بالإبداع. بمعنى: هل نقيس الشاعر أو الفنان والموسيقي بما قدمه في مجال تخصصه وإبداعه؛ أم أنه خاضع لحكم تقييمي عام يشمل مواقفه السياسية وعلاقاته الإنسانية والاجتماعية...الخ؟؟.
هناك كثير من المبدعين، أدبا وغناء وشعرا وموسيقى وتشكيلا، أصحاب مواقف سياسية تثير غضب الناس، فيهم من وقف مع أعتى النظم الديكتاتورية، وفيهم من تواطأ مع المحتل، وفيهم من ظل يميل أينما مالت قصبة السلطة. كيف نقيم هؤلاء، وهل نفصل بين ابداعهم ومواقفهم الأخرى، ام أن الأمر لا يمكن أن يتم إلا بشكل كلي؟.
في أواخر الستينات نقصت أسهم القاص الأمريكي العالمي جون شتاينبيك لأنه كان مع القلة التي تؤيد حرب فيتنام، رغم أنه حصل قبلها على جائزة نوبل للآداب، وشهدت الحرب العالمية الثانية سقوط رموز وصعود رموز إبداعية جديدة، بسبب موقفها من طرفي الحرب، وليس بسبب إنتاجهم الإبداعي وحده. كما أخذ أناس كثر مواقف من إبداع المنشق السوفيتي سولجنستين بعد ارتمائه في أحضان الغرب.
شخصيا صدمت في زمن الصبا وقاطعت شعر أحمد شوقي حين اكتشفت انه كان من الذين ذموا البطل المصري أحمد عرابي، وقال فيه وهو عجوز هرم عائد من المنفى \"صغار في الذهاب وفي الإياب أهذا كل شانك يا عرابي\"، ولم تكن السن والخبرة المحدودة تسمح لمن هو في مثل سني أن يستسيغ شعرا لمن وضعه في مصاف الخونة لثورة عرابي التحررية.
أطرح أسئلة هنا، ولا أملك إجابات للجميع، فهذه من نوع القضايا المفتوحة والتي تقبل الجدل والحوار والمثاقفة كل يوم، لكن مواقفي الشخصية صارت تفصل بين المبدع ومواقفه وحياته. لو طابقنا المبدع مع نموذج مثالي من إنتاجنا، يتطابق فيه نتاجه الإبداعي مع مواقفه الفكرية والسياسية وأسلوب حياته ومواقفه الاجتماعية والفنية لما بقي لنا أحد نعجب به، سوى محجوب شريف.. ربما.

الاخبار


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1770

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#132756 [مثقف سابق]
0.00/5 (0 صوت)

04-24-2011 02:21 AM
ارى انه يجب ان يتطابق نتاج المبدع مع مواقفه الفكرية والسياسية ، لان المبدع صوت وعقل شعبه .
وما صمت اودنيس الاّ تخاذل وإن كان في صورة حياد ؟؟؟
الثورة المصرية الاخيرة نموذج حي ، فقد تباينت المواقف الاّ انها كانت واضحة ، عندما وقف بعض الفنانين مع الشباب والمتظاهرين في ميدان التحرير ووقف البعض الاخر مع السلطة ، وقد شارك البعض في صنع هذا الحدث واصبح من الشباب الذين مثلوا الثورة بعد ذلك ، مثل (نوارة نجم) ابنه الشاعر احمد فؤاد نجم وهو الشاعر الذي يشبه محجوب شريف لدينا ، ايضاً المخرج خالد يوسف والفنانين عمرو واكد وخالد الصاوي وتيسير فهمي .. وهناك من وقف مع السلطة ، والبعض فضّل (السكوت) مثل مستر (اودنيس) .

ونضيف هنا لمحجوب شريف آخرين كـ سيف الجامعة ، عركي ، هاشم صديق ، الراحل مصطفى سيداحمد ، مرتضى الغالي وآخرين ..
.. لايسعنا هنا الاّ ان نحّيي هؤلاء ، وكذلك نحّيي كل من وقف في وجه الظلم ، او قال « لا » .


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة