المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
حتمية الأجندة الوطنية : اتفاق قومي أم مقالعة قومية
حتمية الأجندة الوطنية : اتفاق قومي أم مقالعة قومية
04-30-2011 12:35 PM

غرس الوطن

حتمية الأجندة الوطنية : اتفاق قومي أم مقالعة قومية

أم سلمة الصادق المهدي

أعلن الإمام الصادق المهدي في مؤتمره الصحفي رقم (35) في 21 ابريل الجاري، أن الحوار مع المؤتمر الوطني قد حقق اتفاقا في بعض بنوده واختلافا في أخرى يتوقع حسمها في لقاء قمة بين رئيس حزب الأمة ورئيس حزب المؤتمر الوطني في غضون أيام .
قال الإمام لممثلي الصحافة في المؤتمر الصحفي سابق الذكر «نحن لن نفرط في مطالب الوطن المشروعة ولكن مع جسامة الخسائر المحتملة والمسئولية أمام الله والتاريخ دعونا نبحث عن الحل السلمي كامل الدسم حتى نفتح خشم البقرة. واستعدادا للحالتين أي الاتفاق القومي أو المقالعة القومية فقد كونت لجنة إثنى عشرية من كوادر مؤهلة لتقدم تقريرها لأجهزة الحزب (الأمة)».
مما ورد في هذا الاقتباس نستخلص أن حزب الأمة ومن وافقه من قوى الإجماع الوطني يرون أنه لا بد من استنفاد طريق المفاوضات أولا حتى (إيصاله الميس ) بحثا عن حل سلمي كامل الدسم بسبب تعقيدات الأمور في السودان وتشويه الجسم السياسي السوداني :ومن تلك التعقيدات إضافة لغياب عنصر المفاجأة كون الجيش مؤدلجاً - لم يعد مؤسسة قومية يرجى انحيازها للشارع كما حدث في مصر وتونس (من حولنا)وبما حدث عندنا في السودان في السابق ( ثورتا الشعب المباركتان في اكتوبر 64 وابريل 85 )مما قد يترتب عليه خسائر جسيمة محتملة تقتضي المسئولية حلحلتها في إطار بعيد عن العنف.
لا يختلف عاقلان في كون الحق واحداً وأهداف الراغبين في التحرر واحدة : لكن تتعدد طرق الوصول ، كل حسب رؤيته واجتهاده . ونجد في الحوار بين موسى وأخيه هارون في سورة طه، تعضيداً لما نقول (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) : ففي هذا الحوار يسجل القرآن الكريم أن موسى عليه السلام ترك هارون خليفة على قومه وذهب للقاء ربه في جانب الطور، وعندما رجع إلى قومه وجدهم قد اتخذوا العجل معبودا من دون الله، من بعده فأخذ موسى بتلابيب أخيه يقرعه : (لما لم تتبعني وتأخذ القوم بالشدة ليعودوا لأمر التوحيد؟) كان رأي هارون أن الشدة ربما فرقت بين بني إسرائيل إلى : مؤمن و ضال، وقد كان موسى أوصاه بالإصلاح لا التفريق، فخاف أن يتهمه أخوه بأنه فرّق بين بني اسرائيل مما رده عن أخذهم بالشدة- ذانك طريقان :واحد رأى صاحبه الأخذ بالشدة للإصلاح وآخر آثر الصبر خوفا من المحاذير لكن الهدف المتفق عليه في كل منهما واحد وثابت : هو إعلاء كلمة الله .
وهذا المثال القرآني يثبت بلا جدال أن تعدد الوسائل لا يجب أن يشكك في وحدة الهدف ولا في سلوك الساعين نحوه - طالما كانت تلك الوسائل نفسها مشروعة ولا غبار عليها (لأن الغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام كما في كل المنظومات التي تعمل بضبط أخلاقي ).
والحديث عن تعدد الوسائل لإدراك الأهداف الموحدة ، هو الموضوع الذي ننوي الحديث عنه اليوم ومادته النقاش الدائر في ساحة الوطن ، داخل حدوده الجغرافية و خارجها بما يشمل أعداد السودانيين المنتشرين في كل بقاع الدنيا ،من الذين أخرجوا من ديارهم عنوة وظلما أو كخيار جبري حين استحال عليهم العيش واستعصت سبله في وطن الجدود.
يتبلور هذا النقاش ويتمحور في ماهية أنجع السبل لتدارك الوطن وانتشاله من وهدته،فقد ثبت بما لا يتطرق إليه الشك- إلا لأمثال (نافع الوطني) ومن يدورن في فلكه، أن اللون والرائحة والطعم التي أرادت إضافتها الإنقاذ لمكونات الوطن عنوة ،ضلت وسائلها الطريق- إن افترضنا أن النوايا كانت سليمة : فكانت النتيجة: لونا قاتما ورائحة نتنة وطعما حنظلا بما يثبت عمليا أن الوسائل الطيبة شرط واجب لتحقيق الأهداف الطيبة . وتلك النتائج التي عددناها أعلاه ليست من بنات أفكارنا أو هي من نوع الافتئات على خلق الله دون تثبت لمجرد (الحِميّر في الضلمة) كراهة ،فحال السودان المائل الماثل أمامنا خير من يخبرنا عنها وعن فساد طرائقها وربما أهدافها ويخبرنا كذلك بما أوصلنا إليه عمل (العصبة المنقذة) الناطق بغير تلعثم: أن الوسائل الخبيثة ليست طريقا للأهداف النبيلة..
إذن أجمع السودانيون (إلا من استثنينا أعلاه) أن التغيير الجذري (ليس عن طريق الترقيع بالحذف والإضافة في حكومة الوطني) قد أزفت ساعته والتأجيل أو التسويف يعني زوال دولة الوطن إلى الأبد.
لكن تحقيق ذلك الهدف مختلف عليه بين من يرجحون المفاوضات طريقا للوصول لما ذكرنا من أسباب (أعلاه) وبين من يقول بل أنجع السبل لتدارك الوطن هو: الاقتلاع عنوة، فأهل الإنقاذ لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. لا شك أن لهذا السبيل جدواه وهو مشروع مجرب في السودان ومدون في ذاكرتنا الوطنية (بحديه نضالا مسلحا حقق استقلال السودان الأول وتظاهرات احتجاجية في ثورتي اكتوبر وابريل) وقد أثبت جدواه في بلاد عرفت بقبضة أمنية محكمة ووسائل ردع شمولية قادرة بما جرى في أحداث الثورات العربية من حولنا .
هذا الاختلاف في وسائل تحقيق الأهداف مشروع وطبيعي بل ينبغي له أن يتكامل ليجني الثمار المطلوبة في ظرف السودان المعقد ،لذلك يبدو مستغربا أن ترتفع بعض أصوات من أحد الفريقين رامية الطرف الآخر بالخيانة أو التآمر مع المؤتمر الوطني ليكتب له التمديد.
لم نسمع أن الذين يضعون أولوية للحوار يتحججون بأن من ضمن أسبابهم لسلك دروبه الثقة في المؤتمر الوطني ولا ينبغي لهم لأن الكل يعرف وهم على رأس العارفين أن الإنقاذيين ماكرون إن صافحتهم فلا تضمن أن أصابعك الخمسة ردت إليك حتى تعدها! ويعلم المفاوضون الذين قدمهم حزب الأمة قبل غيرهم : أن هدف الإنقاذ من الحوار هو توسيع فرصها في البقاء دون تنقيص وتمديد عمرها دون تكدير والذي نحاول إيصاله بشتى السبل للزمرة الحاكمة أن ذلك محال وللاتفاق استحقاقاته والتي لا مناص من دفعها كلها بمعادلة كسبية فيها الكل رابح وبالأجندة الوطنية تراضيا وحدها يمكن للإنقاذيين ضمان السلامة لأنفسهم ضمن (المصالحة والمصارحة)وان بقي عاقل واحد في الإنقاذ لنصح رهطه بأن يتلفتوا يمنى ويسرى ليروا مصائر الطغاة من حولهم وقد انفض عنهم السامر وتركهم القريب وآيس منهم الطبيب.كما أن فطنة المفاوضين للمحاذير هي ضمان عدم انخداعهم بوسائل العصبة الملتوية .
من ناحية أخرى فان درس التاريخ يخبرنا أن السودان قد حقق عن طريق المفاوضات استقلاله الثاني في ظروف بالغة التعقيد فالنضال الذي انطلق من الصفر والذي قاده الإمام عبدالرحمن، بعد ما نجح في جمع كلمة السودانيين وامتلك القوة المادية وبعزم الرجال والنساء -كما أخبرنا د. فيصل عبد الرحمن علي طه في سفره القيم الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان أن السودانيين- تمكن هو ومن معه من مقالعة دولتي الحكم الثنائي بالمفاوضات ووسائل الجهاد المدني حتى انتزعوا منهما استقلال السودان الكامل (متل صحن الباشري) دون شق أو طق (كما قال الزعيم الأزهري) .فقد كانت طاولة المفاوضات ساحات حقيقية للوغى حقق فرسانها عبر المفاوضات :إجلاء الانجليز والاستقلال من مصر، جملة واحدة.
ومن يطلع على هذا المرجع الهام لا يستطيع إلا أن يعبر عن إعجابه وإجلاله لما فعله الإمام عبد الرحمن وصحبه آنذاك، منذ سفره لبريطانيا واعتراضه على اتفاقية 1936 والتي لم تترك للسودانيين في (أمر يخصهم) إلا الرفاهية فأخبرهم الإمام بأن الرفاهية بمثل ما أتى في -شروحاتهم دون ربط لها بالحريات والكرامة هي مثل رفاهية الحيوان.
ثم سفره ومن معه إلى انجلترا حيث قابل رئيس وزرائها حينئذ (أتلي) فأحال اتفاقية صدقي بيفن في 1946 التي وعد فيها صدقي البرلمان المصري (بأنه قد أتاهم بالسيادة على السودان) حبرا على ورق وعادت بريطانيا عن وعدها لمصر بالتسليم بجعل السودان تحت التاج المصري -بعد دخول أمريكا طرفا ضاغطا إلى جانب الهدف المصري في فرض السيادة على السودان رعاية لمصالح إسرائيل في قناة السويس وذلك بترضية مصر بملف السودان لضمان تعاونها في أمن قناة السويس ،دون اعتبار لرأي الشعب السوداني.
ثم مفاوضات حزب الأمة مع ثورة يوليو في القاهرة في 1953حتى اعترفوا بالسودان حرا مستقلا، وضمن تطورات أخرى شهدت ببراعة الإمام المؤسس الثاني ومساعديه في اللعب على كرت التناقض في المصالح بين دولتي الحكم الثنائي مما انتهى باستقلال السودان في 1956.
التاريخ يثبت لنا إذن ،أن الحوار سلاح ماض ،يستطيع الفلاح وواقع معطيات الأوضاع في السودان الحاضرة ترشح تفضيل أيسرهما وهو الحوار (كما كان الرسول الكريم يفعل إن خير بين أمرين).
ولكننا لا نستطيع قفل ملف هذا النقاش دون التأكيد على ما ورد في ثنايا هذا المقال من أن الحكمة وكذلك تعقيدات المشهد السوداني تقتضيان المضي في المسارين معا والتنسيق التام بينهما: تحاور الأحزاب الحكومة، ويضغط أصحاب الحقوق المطلبية بالتكتل في كل الجبهات. ولا شك أن عبقرية الشعب المعلم لن تعدم الوسائل الذكية التي تحاول تجنب مواجهات مباشرة (مثل الاعتصام وتحريك التكتلات الفئوية ..) والمضي في ذات الوقت في الحوار بسقوف زمنية محددة .
لا يداخلنا شك في أن هذه الضغوط (المتفرقة) حتى قبل التنسيق قد بدأت تأتي أكلها في ظل ما أفرزته الثورات العربية والتي لا يمكن الانعزال عن آثارها المباركة الكاسحة مهما بلغت الادعاءات . فما نراه من تحريك في ملفات الفساد وما يرشح من أخبار (خلافات أهل البيت) بتعبير استاذة شمائل النور من تصادمات (صراع الثيران) بين قوش ونافع وما نشهده من اكتشاف وزير العدل الفجائي لنيابة الثراء الحرام والمشبوه وقد اعترف (بأنها لم تكن مفعلة) الأحداث،26/4/2011 ، كأنما الفساد ظهر فجأة وقد أمهل كبار المسئولين شهرا واحدا لتقديم إقرارات الذمة المالية رغم اعتقادنا بعدم جدوى هذه الإقرارات اليوم إذ كان يجب تقديمها عند استلام الوظيفة للمقارنة مع وضع المسئول، عند تركه الوظيفة فان لم يكن قانون الثراء الحرام مفعلا عند استلام الوظائف كما أقر وزير العدل فهذا يعني (حتى إن كان التوجه صادقا ) أن المحاسبة ستتم منذ اليوم وليس بأثر رجعي تحت بند عفا الله عما سلف كما أعلن دوسة عن تنبيه المسئولين بحظر الاشتغال بالمساق التجاري أثناء تقلدهم المنصب).
لا شك أن كل ذلك يصب خيرا (في سُقا سعينات الرجال) فاختلاف اللصين يضعفهما ويعني ظهور المسروق ويجب أن نحتفي بمثل محاسبة البرلمان للمتعافي رغم علمنا بعدم نزاهة الانتخابات التي أفرزت ذلك البرلمان.
كل هذا الحراك يصنف من الأخبار الجيدة لأنصار التغيير في السودان مع وجوب التنبيه لأن هذا (التيار) الذي يتحدث في إطاره أمثال الباشمهندس عثمان ميرغني كما ورد في عموده بالتيار في 24/4/2011 والذي يتحدث عن «بروسترويكا» في حزب المؤتمر الوطني في حديث خص به المهندس الأمني صلاح قوش ) و نظن أن البرلمان أيضا ينطلق في تناوله لملفات الفساد ، من ذات الرؤية لاصطلاح محدود أدرك الناصحون به أن الاستمرار بذات (العوجات) القديمة مستحيل ،ولكنهم لا يرغبون في التغيير الحقيقي الذي يجرم النهج الانقلابي و يبطل البناء الذي تأسس عليه ويفسح المجال للحريات. ومثل هذا الحراك وما ينتج عنه لا شك، يفيد في اتجاه الطريق الوحيد لخلاص الوطن بالأجندة الوطنية ، لأنه يعمل على إضعاف شوكة الإنقاذ. لكن لا يمكن الاستناد إليه وحده في التغيير الحقيقي .
ومع كل ما قيل لا ينقطع رجاؤنا في: ربما استجاب ربنا لدعاء المظلومين وليس بينهم وبين الله حجاب فيسبق التدبير الإلهي كل المساعي الرانية لحلحلة الوطن اتفاقا أومقالعة بانهيار شامل يطال العصبة المتحكمة -مع حفظ السودان ، مما قد بدت مظاهره واضحة لمن يرى أو يلقي السمع وهو شهيد، فدولة الإنقاذ تمر اليوم بطور الإسراف والتبذير وهو آخر أطوار عمر الدولة كما يقول ابن خلدون في نظريته عن دورة التاريخ.
وسلمتم

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1109

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أم سلمة الصادق
 أم سلمة الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة