المقالات
المنوعات
رحل جبل وبقى جبل من جبال النوبة ( 2 -2 )
رحل جبل وبقى جبل من جبال النوبة ( 2 -2 )
01-31-2016 09:18 PM


بعد إلتحاقه بقوات بوليس السودان في الابيض ونيله المرتبة الاولى في البيادة وزع داخل المدينة وأعطته تلك الجائزة شهرة واسعة ذلك لإرتباطها بالمدى الزمني في تلك الفترة وكيف ان بساطة الإنسان السوداني الذي يحتفي ويشجع أبنائه في البروز والتفوق أياُ كان هذا النجاح وقد ساعده ذلك في الإلتحاق ببرنامج تعليمي كان له الأثر في كسر جمود الامية والمساعدة التي وجدها من أصدقائه وزملاءه فمكث في الأبيض حتى إنقلاب عبود 1958 فأعيد توزيع وإنتشار كل القوات في ذلك الوقت فكان نصيبه أن وزع إلى كادوقلي وقد رتب أوضاعه قبل الإنتقال إلى كادوقلي وكيف أن قلة التعليم في جبال النوبة قد أثرت تأثيرا بليغاُ في مواكبة أبناء النوبة لمجابهة الفترة الاستغلالية الجديدة بعد جلاء الأنجليز لقد رحل الأنجليز وتركوا المناطق المقفولة كما هي لم يقدموا أي برنامج أو منهج تعليمي تهتدي به تلك المناطق إلا أن جنوب السودان كان أفضل حالاُ ذلك لإرتباطه بدول شرق أفريقيا وحدوده المفتوحة إلى تلك الدول مما ساعد في أن يلتحق الكثير من الجنوبيين بالتعليم في تلك الدول وكسروا حاجز المنهج التعليمي الذي كان يتزرع به الانجليز إلا أن وجود جبال النوبة في وسط السودان وقف حائلاُ ووعورة الطرق وبعد المسافة وطولها كان له أثره في عدم الإلتحاق بالتعليم في شرق أفريقيا فترك الأنجليز جبال النوبة ترزح في تخلفها وجهلها ولذلك وقعت فريسة سهلة في أيدي الرعاة والغزاة الذين إستلموا السودان من ايدي الانجليز مكافأة لهم على أدوارهم المخزية وتعاونهم اللأمحدود في كسر إرادة الشعوب السودانية ولذلك لم يجد الانجليز غير تمكين هؤلاء الغزاة والرعاة لحكم السودان نيابة عنهم والمحافظة على مصالحهم فيه لأنهم يرون فيهم بأنهم أيضاُ دخلاء على السودان ويعرفون تاريخهم جيدأ . من الصور المخزية التي يحاولون طمسها أو إخفائها من أبناءهم في كتبهم العربية وتاريخهم المزيف والمزور عند إندلاع الحرب العالمية الاولى 1914 تقدم رجال الدين الاسلامي بوثيقة ولاء وقع عليها مفتي السودان الشيخ الطيب هاشم , وشيخ علماء السودان أبو القاسم أحمد هاشم , والشريف يوسف الهندي , والسيد عبدالرحمن المهدي , والشيخ الباقر الولي إسماعيل من شيوخ الطريقة الإسماعيلية بالاضافة لتسعة من كبار علماء الدين الإسلامي وقد كان السيد علي الميرغني خارج الخرطوم فأرسل برقية تأييد بالاضافة للوثيقة جاءت رسائل أخرى من رجال دين وزعماء قبائل وأعيان وقد جمعت في كتاب عرف ب (( سفر الولاء )) .
وهذه بعض مقتطفات من هذا الكتاب : -
(( حكومتنا العادلة التي لم ير الإسلام والمسلمون منها كل خير ديني ودنيوي , جميعنا في إستياء من قيام تركيا في هذه الحرب التي نتبرأ منها , فإنه لا مصلحة فيها للمسلمين بوجه من الوجوه إننا شاهدنا عياناُ ما كان جرى فيما سلف , مدة الأتراك من الجور والفجور والإستبداد في الأحكام بدوام الظلم والتنكيل والتمثيل والقلاقل والإهلاك والإهانة , تركيا التي حاربنا ظلمها من قبل , وتقلبت علينا أدوار كثيرة , وحكمنا الأتراك والدراويش وغيرهم فلم نجد عدلاُ مثل ولاة أمورنا الأنجليز الحاضرين الوفيين العاملين )) . هؤلاء هم الذين سلمهم الانجليز السودان من دون أن تسيل قطرة دم واحدة , وعندما كانوا يرسلون سفرهم المخزئ كان السلطان عجبنا بن أروجا عجبنا والمك الفكي علي الميراوي والمك قديل والمك كوبانقو وغيرهم يسطرون ملاحم قتالهم ودفاعهم عن شعبهم في جبال النوبة وهم يلقون برسائلهم دماٌ يسيل في أرضهم إستبسالاُ وتحرراُ وللننظر لهذه المقاربة والمفارقة في امر هذا السودان الذي بدأ شائهاُ منذ تلك الفترة الشعوب السودانية تقاتل والغزاة والرعاة يهادنون ويخذلون ويمارسون خسسهم . بعد كل ذلك فبماذا يكافأهم الأنجليز على هذا الدور الخسيس , فكان تسليمهم السودان الذي فشل حتى الان من تكوين دولة بمعنى دولة تقوم على الاسس والقيم الإنسانية النبيلة التي تحترم الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى . ولذلك فهي الأن في سيرها للنهاية المحتومة لهذا الفشل الذي اسس على الأخطاء والتراكمات المتخلفة والهوية الشائهة والمزورة والنظرة الإقصائية المدمرة والتهميش المقيت حيث لا ينفع الترقيع والدوران حول الاسباب والمشاكل الاساسية والمتجذرة التي أدت إلى هذا الانهيار .
( التاريخ كحقائق يملك ذاكرة فولاذية قوية , تسجل التاريخ بعناية تنساب بدوام دافق , لا تأخذه في ذلك سنة ولا نوم ويحيط بنا كأمر واقع من كل جانب , يذكر الناسين من الناس بأقوالهم والغافلين منهم بأفعالهم , ويذكر بها كما هي , يثمن لكل شخص بضاعته صنع يديه بالتمام والكمال , ولا ينقصه شيئأ حياُ أو ميتاُ , هذا ما سيجتره ويخلده التاريخ في مساره الطويل والقديم , سارداُ رواياته وقاصاُ قصصه على مر العصور والدهور والأزمان , وعلى الكل تحمل مسؤوليته التاريخية والأنية عما يقول ويفعل . عبد الوهاب الأنصاري ).
في عام 1962 ذهب جبلنا إلى القرية في زيارة اسرية ولم يدري انه مع القدر الجميل في حياته وشريكة عمره ومشواره الطويل وإرتباطه بوالدتنا العظيمة كنو سرور عبد الفراج كمدالي نسأل الله أن يمد من عمرها وينعم عليها بدوام الصحة والعافية فقد جسدت لنا هذه الأم الجليلة دور المرأة النوباوية المناضلة والمكافحة مع زوجها حتى أخر رمق من حياتهم فقد خاضت معه أصعب المواقف وأهلك التجارب فلم تنثني أو تحيد أو تنكسر فظلت ترسم لنا الحياة بكل صبر وجلد وعزيمة .بعد عام ونصف من إرتباطه أعيد إنتشار وتوزيع قوات البوليس وذلك لمواجهة تردي الأوضاع الأمنية في جنوب السودان وتمدد الأنانيا الأولى فكان نصيب جبلنا هو توزيعه في الجنوب وتحديداُ مدينة مريدي في اقصى جنوب السودان أنذاك والحرب مشتعلة والأنانيا تخوض حرب التحرير وتضع اللبنة الأولى في مواجهة حكومات الإستغلال والإستهبال والأستغفال التي بدأها عبود وهو لا يدري بان سياساته التي وضعها قديماُ الأن أصبحت وبالاُ على السودان إذا كان أبناء الطائفية المتخلفة مبارك زروق ومحمد أحمد المحجوب يقولون بأننا لم نعد الجنوبيون بالفدرالية وإنما وعدناهم بالنظر فيها .إذا كان أولئك كذلك في تلك الفترة فماذا يعمل ويفعل إخوانهم اليوم وهم قد ذهبوا بعيداُ بعيداُ لقد تعلموا منهم نقض العهود والمواثيق من أبائهم وأجدادهم بل أصبغوا عليها صبغة دينية إسلامية طائشة وصلت إلى فصل ذلك الجزء العزيز علينا .بعد أكثر من ستين عام يتبارى الأرزقية وفاقدي الهوية وساقطي مجتمعاتهم اليوم عن هوية السودان هل هو أفريقي عربي أم عربي أفريقي ونحن نسأل سؤالين لا ثالث لهما .
1 – قبل دخول العرب السودان من هم السكان الذين كانوا فيه وما هي هويتهم هل هؤلاء السكان موجودين أم ابيدوا وإنقرضوا ؟
2 – ما الذي جنيناه من هذه العروبة والسودان مقبل على الحقائق التي كان يخفيها هؤلاء الرعاة والغزاة من كتب التاريخ العربية وهي الأن تظهر على السطح وهم في طريقهم لإقامة علاقات مع إسرائيل؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!
تامبو أمبيكي الرئيس السابق لجنوب أفريقيا والوسيط الأفريقي لمشاكل السودان قال مقولة في وقت ما وفترة كانت معبرة لرجل خاض النضال مع الكبار إلا أنه قد تراجع في مواقف لا تقبل الرجوع أو النكوص فالتاريخ لا يرحم قال (( أفريقيا ليست بحاجة إلى لصوص يحكمون أهلها بإغتصاب السلطة وتقتيل الأبرياء وتزوير إرادة شعوبهم , نريد للقارة أن تعود لأمجادها القديمة بدءاُ بالحضارة الفرعونية )) .
حزم جبلنا أمتعته ولم يمضي على زواجه العام ونصف وأراد أن يغادر لوحده فرفضت الزوجة ذلك وقالت له قولتها الشهيرة (( إذا لم أكن معك في وقت الحارة فأي وقت تجدني أن أكون معاك )) . وكانت هذه بداية المشوار الطويل الذي خاضه جبلنا مع زوجته مع العلم بأن معظم الذين ذهبوا إلى الجنوب في تلك الفترة من دون زوجاتهم قد إرتبطوا هناك منهم من مكث وأخرين رجعوا وقد طبقوا نفس سياسة إخوانهم الذين ذهبوا للحروب في بعض مناطق العالم وقد أسسوا حي الملكية بجوبا . تخيل معي القارئ الكريم حال السودان في ذلك الوقت والوضع في جنوب السودان والسبيل الممكن للوصول إليه فكلما أجيل بخاطري عن الطرق التي تؤدي إلى جنوب السودان في ذلك الوقت أجدني أتيه في التساؤلات الكثيرة التي تزدحم في ذهني حول هذا الوضع الان وكيف كان قديماُ ولذلك كانت البداية في زج مجموعات كبيرة من أبناء النوبة وأبناء دارفور للوقوف في مواجهة التمرد الذي إندلع في الجنوب وبداية السياسة الملعونة بضرب شعوب السودان مع بعضها البعض ولقد عرف الجنوبيين عقلية هؤلاء الغزاة والرعاة منذ القدم وساعدهم في ذلك هو الافواج الاولى التي غادرت إلى شرق أفريقيا للتعليم وكسر الحلقة المفرغة والمغلقة ورجوعهم للنزال في حركات التحرر الأفريقي وقد إكتسبوا معرفة من خلال أفكار الزعماء الأفارقة الذين قادوا الثورات التحررية . غادر جبلنا مع زوجته ومجموعة من الزملاء إلى الأبيض وقد وجدوا أعداد كبيرة من قوات البوليس التي تجمعت من مناطق دارفور وبقية مناطق كردفان للإنطلاق إلى جنوب السودان من ميناء كوستي النهري والذي بدوره إستقبل بعض الاعداد من مناطق السودان المختلفة وجرى توزيعهم إلى الجنوب ولم يكن هناك طريق أفضل للجنوب إلا طريق النيل الأبيض عبر البواخر النهرية حيث كانت فترة التجمع في كوستي إحدى الفترات التي يلتقي فيها السودانيين بمختلف سحناتهم منهم العساكر والإداريين والفنيين والتجار وتلتقي الأسر المختلفة وتتواضع فيما بينها وتتعارف لكي تواجه الرحلة المجهولة إلى أرض لم تكن معروفة لديهم وتتوثق هذه العلائق نتيجة لطول الفترة التي يقضونها في كوستي للإنتظار وقد تصل في بعض الأحيان لشهرين وتحكمها الإجراءات الإدارية والفنية والأمنية المصاحبة للرحلة وتعتبر تلك الفترة لسكان كوستي فترة رائجة لحركة التجارة والسياحة للمسافرين حيث يلعب مركزها الشبه الرابط بين غرب السودان وجنوبه وشماله والخط الحديدي الذي تتقاطع فيه مدن كردفان ودارفور بمدن الشمال والشرق إحدى السمات النادرة التي تتمتع بها مدينة كوستي العريقة وقد عايشت تلك السمات في فترة دراستي المتوسطة والثانوية وقد كانت واحدة من أجمل سنوات عمري التي قضيتها في هذه المدينة فلما لا وهي المدينة التي تعج بالحياة والحركة منذ تأسيسها وإلى اليوم برغم جور الحكومات وعزلها إلا أنها تتنفس ولم يدري جبلنا أن الله قد يسكنه بجواره في هذه المدينة وهو يأتي إليها أول مرة وهو في طريقه إلى جنوب السودان منذ قرابة 53 عام تلك هي حكمة الله سبحانه وتعالى التي لا يعلمها إلا هو .كانت هذه أول رحلة طويلة لإنسان ولد وسط الجبال وعاش فيها والسفر كان تقلدياُ بالخيول والحمير والأرجل فركب القطار من الأبيض إلى كوستي وهو على ندرته في تلك الفترة ويمم الجنوب عبر البواخر النهرية .

Battle is the most magnificent competition in which a human being can indulge . It bring out all that is best , it removes all that is base . All men are afraid in battle . The coward is the one who lets his fear overcome his sense of duty . Duty is the essence of manhood .

George S . Patton




[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 4335

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1408284 [SUDANESE]
0.00/5 (0 صوت)

01-31-2016 10:54 PM
اخي برشم دعك من هذا الماضي ....
نحن نريد في وطن اساسة المودة والحقوق المتساوية للكل مثل امريكا وجنوب افريقيا..
هؤلاء الرعاة تزوجوا سودانيات وانجبوا سودانيين ليس عرب..

[SUDANESE]

مادوجي كمودو برشم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة