المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سر إصرار الإمام على مهادنة النظام!ا
سر إصرار الإمام على مهادنة النظام!ا
05-06-2011 06:09 PM


سر إصرار الإمام على مهادنة النظام!!
تيسير حسن إدريس

رغم التصريحات المتواترة بالنفي من قبل بعض شباب حزب الأمة إلا أن الشارع السياسي بما فيه قطاع عريض من جماهير الأنصار باتت في حيرة من مواقف السيد الصادق المهدي الداعية لمهادنة السلطة الحاكمة وتجنب الصدام معها و إصراره على مواصلة الحوار دون نتائج ملموسة، ومما يزيد من حالة الحيرة والإرباك كثرة تصريحات الإمام التي لا تحمل في طيها ما يشفي الغليل أو يفيد بحدوث اختراق حقيقي في هذا الشأن، فقد تطاول الحوار وتضاربت حوله التصريحات من الجانبين مما يشير إما لمراوحته (مكانك سر) -كعادة حوارات الإنقاذ مع كافة القوى السياسية- أو أن هناك اتفاقا قد أنجز ويتحفظ عليه الطرفان في الوقت الحاضر.
عموما لقد فقد الحوار المغيبة تفاصيله البريق واللمعان، ومله رجل الشارع الذي رسخت في عقله -نتيجة لهرولة الإمام وإصراره غير المبرر- قناعة مفادها أن للسيد الصادق مآرب أخرى غير المعلنة يسعى لتحقيقها وقد يكون تم الاتفاق عليها مع النظام الحاكم ضمن صفقة سرية يخشى الإفصاح عنها في الوقت الحاضر لاعتبارات سياسية يقدرها الطرفان خاصة في ظرف الغليان والاحتقان والثورات تجتاح المنطقة بأكملها، مما دفع الجانبان لتبني إستراتجية كسب الوقت ريثما يتهيأ الظرف المناسب لكشف عن تفاصيلها وهذا هو المرجح وتدعمه المعطيات المتوافرة وتجربة الإمام السياسية مع الأنظمة الشمولية (نظام مايو كمثال).
وإذا وضعنا في الإطار واقع الشد والجذب والتناقض الحاد الذي يعيشه السيد الصادق بين تيار المهادنة والحوار وتيار الممانعة والصدام داخل البيت الأنصاري الكبير الذي بات يرمي بظلاله القاتمة حتى على أسرته المنقسمة بين الأبناء المنتمين للقوات النظامية تحت إمرة السلطة الحاكمة والبنات المعارضات بشدة لأي تقارب أو حوار معها وقمنا بعملية قطع ولزق لمشهد الحوار الدائر اليوم في صفوف الحركة الإسلامية لإحداث تقارب بين الإخوة الأعداء (الوطني والشعبي) يخرج بموجبه زعيم الحركة الإسلامية الترابي من المعتقل ويتم لمّ الشمل لتعود المياه لمجاريها، ووضعنا هذا داخل الإطار العام بجانب مشهد الحوار بين الأمة والمؤتمر الوطني قد تنزاح الغلالة الحاجبة بعض الشيء لتسفر عن صورة دراماتيكي يقع في بؤرتها وبقعة ضوئها تحالف عريض لقوى اليمين (الحركة الإسلامية / الأمة) وهو يحاول جاهدا الوصول لاتفاق يمكنه من فرض سيطرته على مقاليد الحكم في الفترة المقبلة وتهميش بقية القوى السياسية بطريقة ناعمة تحمي النظام القائم وتقيه من شر الإصابة القاتلة بعدوى الثورات التي تجتاح المنطقة وتسد الذرائع أمام معارضيه وتقيه خطورة المرحلة من منطلق أنه انفتح على بقية القوى السياسية وأتاح لها المشاركة في السلطة والدليل مشاركة حزب الأمة!!.
ولعل السبب الرئيس في السباق المحموم لقوى اليمين لحسم خلافاتها وانجاز هذا التحالف قد فرضته المتغيرات المتسارعة للواقع الإقليمي (الثورات التي أتاحت مساحة مقدرة للقوى المنادية بالديمقراطية) بجانب الإحساس بالهلع والخوف العميق من ظهور قوى الهامش والأطراف وتأثيرها على المسار السياسي في البلاد لما لهذه القوى من عددية ورجال ذو تجربة عسكرية عركتهم الصراعات التي كانت دائرة في الجنوب والشرق والصراع الذي ما زال يدور في الغرب وما أفرزته تلك الصراعات من وعٍ مطلبي بات من العسير على المركز تجاهله أو إغفاله، أضف إلى ذلك حقيقة استمرار الحركة الشعبية (قطاع الشمال) بكل الزخم السياسي والتنظيمي كقوة سياسية فاعلة تتلاقى مصالحها وبرامجها مع قوى اليسار وتتناقض مع قوى اليمين ومخططاته.
لقد فشلت الحملة الشعواء التي نظمها وقادها بضراوة الحزب الحاكم ضد الحركة الشعبية قطاع الشمال مستغلا إمكانية الدولة ومؤازرة منابر شيوفنية أوجدها وأمدها بالشرعية والدعم المادي مثل منبر السلام العادل وهيئة كبار العلماء لتعمل على سحب بساط الشرعية من تحت أقدام قطاع الشمال؛ وذلك بوصمه بالعمالة وتشويه صورة قياداته في الأذهان ولكن ذهبت كل تلك التدابير العدوانية أدراج الريح وظلت الحركة الشعبية ورجالها شموسًا تضيء الطريق لإنسان الهامش المظلوم.
إن الخوف من القوى الحديثة التي يمثلها الحزب الشيوعي السوداني بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني وبقية القوى الديمقراطية الأخرى ظل هاجسا تاريخيا يؤرق منام قوى اليمين وإذا ما أضيفت لهم الحركة الشعبية (قطاع الشمال) بإمكانيتها وخبرتها السياسية وقدراتها التنظيمية يكون هذا الهاجس قد تحول لكابوس وبعبع لا يقض منامها فحسب؛ بل يشعرها بالخطر والخوف الحقيقي على مستقبل وجودها السياسي، وما الحملة المستعرة من قبل النظام الحاكم لدعم مرشح المؤتمر الوطني ضد مرشح الحركة الشعبية في الانتخابات التكميلية لولاية جنوب كرد فان والزخم المصاحب لها إلا مظهر من مظاهر هذا الهلع والخوف الذي دفع برأس النظام نفسه لخرق آداب وقواعد اللعبة الانتخابية بتخصيص جل خطابه في مدينة المجلد للدعاية ودعم مرشح حزبه.
لا شك أن الإمام الصادق يرى هذه الصورة عن قرب وملِّم بتفاصيلها، وقد يكون من المساهمين في رسمها داخل اللقاءات المغلقة التي تعددت في الآونة الأخيرة بالقصر الجمهوري، ومن هذه الزاوية يمكننا فهم إصرار الإمام على مواصلة الحوار وجهده المبذول لتعطيل الهبَّة الجماهيرية مما يشير ربما إلى قناعات جديدة قد تبلورت واستقرت في عقله ودفعته لاختيار القارب الإنقاذي المتهالك مع بعض التعديلات والإصلاحات التي يرها لتجنبه الغرق.
والمرجح أن نظام الإنقاذ الذي يعاني من عزلة خارجية فرضها قرار محكمة الجنائيات الدولية الصادر ضد الرئيس وأزمات داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية وصراعات تنظيمية بين مراكز القوى في صفوفه وصلت حد تناطح قياداته علنًا على وسائل الإعلام سوف يسعى جاهدا لضم حزب الأمة لقاربه المترنح تعزيزا لقواه الخائرة ولكن الأكثر ترجيحا أن مجموعة (الصقور) الذين تمرغوا في نعيم وعز السلطة المطلقة زهاء الربع قرن من الزمان سيجدون صعوبة بالغة في التأقلم مع هذا الوضع، وإن ارتضوه على مضض ستكون نظرتهم لأمر التحالف مع الإمام تكتيكا ومرحليا يتجاوزون به مرحلة (العسر) الحالي، في انتظار مرحلة (يسر) قادمة تمكنهم من نفض اليد من قيد أجندته الوطنية كما فعل النظام المايوي مع الإمام نفسه من قبل!!.
وحتى لو استطاع التيار المعتدل في المؤتمر الوطني أن يكبح جماح المتطرفين ويجعل من تحالفه مع حزب الأمة إستراتيجيا يقود لتكوين حكومة يمين ثيوقراطية لا تقر أو تعترف بالتنوع العرقي والديني والثقافي لإنسان الشمال كما صرح بذاك رأس النظام في إحدى خطبه يكون السودان قد دخل بحق مرحلة التشظي والشتات و (الصوملة) التي يدعي الإمام أنه بحواره مع النظام يجنب البلاد شرها.
فواقع الحال الإقليمي والدولي لم يعد يسمح بقيام دكتاتورية مدنية ثيوقراطية ولم نعد في ستينيات القرن الماضي لتكرار مهازله السياسية - كحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان- فلقد جرت مياه كثيرة منذ ذاك الحين تحت أقدام قوى اليمين وظهرت قوى جديدة كانت مغيَّبةً قصرا عن مسرح السياسية السودانية قومها إنسان الهامش والأطراف الذي أضحى على وعي بحقوقه و استعداد للموت في سبيلها فالحرب والنجاح الذي أصابه الجنوبيين في انتزاع حقوقهم ودولتهم المستقلة أيقظ الآمال وأمد إنسان الهامش في كافة أطراف البلاد بوعي وإيمان راسخ بأن الحقوق تنتزع ولا توهب وما اندلاع أزمة دار فور إلا تعبير على رسوخ هذا المفهوم.
إذا إستراتجية الإمام القائمة على تنفير الجماهير من مواجهة النظام والداعية للحوار معه خوفا من (الصوملة) و (المحرقة) كما يقول قد تكون سببا مباشرا في صنع هذا الواقع المرير خاصة إذا ما أوغل في الانجرار خلف مخططات المؤتمر الوطني وتخلى عن أجندته الوطنية وعلى رأسها تكوين حكومة قومية ذات قاعدة عريضة تستصحب في حشاها كافة ألوان الطيف السياسي لفرملة كرة اللهب المتدحرجة قبل أن يعم حريقها الوطن بأكمله والتجربة الليبية الماثلة أمامنا هي عنوان لحالة تتوفر شروط تكرارها على واقعنا السوداني الذي يعد أكثر تعقيدا وتأزما من الواقع الليبي بكثير.

تيسير حسن إدريس 06/05/2011م


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1791

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#139008 [البرونز ]
0.00/5 (0 صوت)

05-08-2011 12:57 AM
ياتيسير
لو عايزا بالمنطق انتي تعلم جيدا ان الحكومه ليس لديها اي وسيله لمواجهة الثوره التي تنادي بها غير ان يحذو حذو القذافي لانها لم تترك لنفسها سبيل للهرب
اما كلامك عن حيرة الانصار من مواقف الامام فأعتقد انك تعتبر لقب الامام الذي يتحلي به الامام بعد ان ارتضاه له الانصار انتخابيا لعلك تعتبره مجرد لقب تشريفي ولكن ياعزيزي الامامه عند الانصار لديها حقوق وواجبات واهمها الحفاظ علي حقوق الانسان كما تنص البيعه التي بويع بها الامام وان كان في خروج الجماهير موتهم وفي بقائهم في بيوتهم انتهاكات لكنها لاتصل لحد الموت فالامامه توجي عليه امرهم بالبقاء في منازلهم تماشيا بقاعدة اخف الضررين (طبعا نحنا الانصار عندنا الطاعه المبصره) واكيد اي زول شايف غير كدا بكون احول او ماانصاري
اما بموضوع حديثك عن ابنائه فاعلم انه لاتزر وازرة وزر اخري ) وبالمناسبه المكنه بتاعت اولاد الامام دي بقت قديمه شوفوا غيرها
واخيرا لوجينا للجد انت السودان دا حق الجميع ماحق الانصار براهم يعني الانصار ديل فتروا من الدواس من كرري لهسي معقوله ..... اقول ليك حاجه اذهب انت وقومك فظاهر انا وامامنا هاهنا قاعدون


#138541 [مختار]
0.00/5 (0 صوت)

05-06-2011 11:54 PM
جميل يا تيسر فهو تحليل جيد وواقعي يلمس الحقائق بدرايه وهو الاقرب لما يدور في عالمنا السياسي المفتوح علي السمسره السياسية 1!!(تادبا)وانتهاز الفرص الانية مهما تضائلت ,تحت بريق السلطه التي يعشقها سياسينا اكثر من الوطن! والشعارات! وفي اعتقادي ان البنيات يتبادلن الادوار مع الوالد لضمان عدم ضياع الملعب السياسي!! في حالت غرق المركب المترهل!! وهذا هو الاقرب لما يبدو تباعد في الرؤي!!!


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة