السـلطة والوطـن ومسـتقبل البلاد (5)
06-30-2010 01:22 PM

رأي

السـلطة والوطـن ومسـتقبل البلاد (5)

د.محمد الشريف سليمان

تناولت في الحلقة السابقة ظاهرة الفردية لإتخاذ القرار، والتحكم الآحادي في إدارة البلاد، مع تغييب منشطات الوحدة الجاذبة خلال الأعوام الخمسة المنصرمة، وإتجاه البوصلة نحو إنفصال الإقليم الجنوبي، بالدعوة للإستفادة من الأخطاء الفادحة التي وقعت في هذا المجال، وعدم تكرارها، وإتباع أسلوب المصداقية الوطنية لحل أزمة دارفور، وبالتالي تفادي عواقب الدخول مرة أخرى في نفق التفكك.
إن المصداقية الوطنية للسلطة الحاكمة والمجمتع والفرد، تعني النية الصادقة للأفعال وترجمتها على أرض الواقع، ويعتمد ذلك على السياسة والأخلاق. يرى الباحثون في علم الإجتماع، أن الأخلاق تتعلق بما يجب فعله، لأنه يتوجب فعله. هي أولاً وقبل كل شيء حالة من الإعتقاد بضرورة فعل الشيء حتى ينتظم الأمر في المجتمع. هي ما يضبط السلوك الفردي. هي ما يشكل العلاقة، علاقة السلوك بين الأفراد. الأخلاق هي النظام الإعتقادي، هي الحالة البدئية المؤسسة لإنتظام علاقات الجماعة. الأخلاق هي ما يسبق الدولة، أياً كان نظام حكمها. الأخلاق هي ما يتعلق بالضمير الإنساني، هي التي تقرر السلوك الذي يصدر عن الفرد مباشرة، وبها يكتسب ثقة الآخرين ويبادلهم السلوك نفسه. دون هذه الثقة وهذه المبادلة، ينفرط عقد المجتمع، ويصبح الكل ضد الكل. نعم إن الأخلاق حالة مرنة تعاد صياغتها لدى كل مجتمع حسب ظروفه وتطوراته التاريخية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
أما السياسة فهي تعني بإدارة شؤون المجتمع، في حين تعني الأخلاق بالسلوك الفردي. عن طريق الفرد تتخذ الأخلاق منحى إجتماعياً. وعن طريق المجتمع وإدارته تتخذ السياسة منحى سياسياً وإقتصادياً. فالسياسة هي إدراك للتعقيد الحاصل في الإدارة السياسية. وصحة كل قرار سياسي يعتمد على القدرة على الحوار مع الناس، أي الحوار مع مكونات المجتمع، وعلى البراعة في بناء الصلات معهم، وعلى الخلفية الثقافية المضافة إلى القدرات الشخصية التي تتيح اقناع الناس بوجهة النظر.
إن الحوار السياسي هو الوسيلة الوحيدة الممكنة، إذا كان المراد لبلد تجنب شر الأزمات أوالخروج منها. نعم بالحوار السياسي مع جميع شرائح المجتمع، يتم بناء الدولة القوية القادرة على حماية مواطنيها من الأزمات. بالحوار حول قضاياهم يمكن أن يصل بهم إلى التسوية الوفاقية، وإلى إيجاد المساحة المشتركة بينهم. والتسوية الوفاقية ليست عيباً، ولكن العيب إذا لم يكن هناك تسويات. فغياب التسويات يؤدي في كل مجتمع الى تفاقم التشنج، وهذا يؤدي بدوره الى تعمق الإنقسامات، وإنفجار الأزمات.
إن الأزمات الحادة القائمة اليوم في السودان، ناتجة من سياسات القرار الآحادي الذي تنتهجه بإستمرار السلطات الحاكمة في المركز، بتهميشها للقوى الوطنية الأخرى. وأدى هذا الأمر إلى تعكير صفوة المجتمع وتفتيت وحدته، وغدت المصلحة المشتركة فريسة الفئات والأحزاب السياسية المتنافرة، مما سيقود إلى إندلاع الحروب الأهلية. نعم إن التغيب المتعمد لإتباع اسلوب سياسة الحوار والوفاق الوطني، أوصلت البلاد إلى مرحلة الدخول في نفق التفكك، بإتجاه بوصلة الإقليم الجنوبي نحو الإنسلاخ من الوطن مطلع العام القادم، في حالة فشل محاولات الوحدة الطوعية، علماً بأن المعطيات الدولية تشير جميعها إلى قيام دولة في جنوب البلاد. كما أن تعدد المنابر المتعاقبة لحل الأزمة الملتهبة منذ عام 2003 في إقليم دارفور، أدى لتعقيدها وإستمراريتها بعنف شرس، يتجرع مرارة مآسيها سكان دارفور(يعيش اليوم سكان ولايات دارفور الثلاث وبصفة خاصة قاطنو معسكرات اللاجئين، أسوأ الاحوال المعيشية من مجمل النواحي الإجتماعية والإقتصادية والأمنية). ويتحمل المركز مسؤولية هذا الوضع القاتم لإتباعه سياسة النكوص بالإتفاقيات وعدم الإلتزام بتنفيذ ما أتفق عليه، ولا يبشر الأمر بإيجاد حل قريب. كما أن منبر مفاوضات الدوحة بوضعه الحالي يقع في نطاق دائرة الحلقة المفرغة أو الفشل، ولا يرجى منه إحراز أي تقدم أو نجاح، لتغيب أهم أطراف النزاع عنه.
إن الحلول لمشاكل السودان ليست مستحيلة وإن بدت مستعصية. نعم تستعصي المشاكل عندما تنعدم السياسة وتغيب التسوية ويتراجع الحوار أمام التشنج وعوامل الفرقة والإنقسام. والحوار هو السياسة الوحيدة الممكنة، إذا كان المراد تجنب مزيد من أزمات الوطن. لا نستطيع دفن رؤوسنا في الرمال ونوهم أنفسنا بغير حقائق الأمور. نعم تعرف المجتمعات البشرية، والمجتمع السوداني جزءاً منها، أن الحوار حول قضاياهم يمكن أن يصل بهم إلى التسوية وإلى إيجاد المساحة المشتركة بينهم. ليست التسوية الوفاقية عيب، ولكن العيب إذا لم يكن هناك تسويات.
على السلطة التي تحكم البلاد المؤتمر الوطني، أن تعي: بالسياسة الهادفة البناءة، النابعة من الحوار والوفاق الوطني، يتم إعادة البناء وتجاوز ما عليه الآن. هدفنا يجب أن يكون المحافظة على تماسك الدولة أولاً، دولة فوق النظام السياسي، دولة يكون في جوهرها البناء والمحافظة على حقوق المواطن والمواطنة المشروعة، دولة تتبنى أسلوب الحوار والوفاق الوطني وإحترام الرأي الآخر لمواجهة التحديات، بحل مشاكل البلاد الملحة العاجلة بالطرق السلمية، والمتمثلة في: قضيتي إنجاز الوحدة الطوعية للإقليم الجنوبي وبقائه ضمن حدود الوطن، وحل جذري لأزمة دارفور. نعم دولة تحافظ على تماسك تراب الوطن(إن الوطن حقيقة إجتماعية مشخصة تشيع الوحدة)، دولة تمد المجتمع بالمقومات المادية للمواجهة. نعم إنها دولة الشعب السوداني وليست دولة السلطة.
برلين

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1040

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.محمد الشريف سليمان
د.محمد الشريف سليمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة