المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قبل أن نبكى فوق ركام هذا الوطن
قبل أن نبكى فوق ركام هذا الوطن
05-08-2011 01:53 PM

الرأي24

قبل أن نبكى فوق ركام هذا الوطن

المتوكل محمد موسي

أحد الأخوة تحدث فى جمعٍ من الأصدقاء قائلاً إن السودان لم يستوفِ بعد شرط الدولة الحديثة لأنه لا زال يُحكم بطريقة متخبطة بلا خطط بلا منهج متعارف عليه ، وفى رأيه أن هذا سبب رئيس فى تخلفه وكثرة الأزمات التى تحل به ، وأن الدولة الحديثة الخالية من الأزمات هى التى استطاع أهلها تحديد هويتها بطريقة واضحة بعد أن حسمت أمرها - الهوية - بناءً على واقعها الإثنى والثقافى واستطاعت أن تحدد الكيفية التى يتم عن طريقها تداول السلطة .
ذكرنى حديث هذا الصديق بمقال كنت قد كتبته انتقد فيه تجربة الحكم فى السودان منذ الإستقلال وحتى يومنا هذا ، إذ لم نستطع حتى الآن إرساء تجربة رائدة لحكم السودان تُريحنا وتُغنينا عن الصراع حول السلطة ، بدلاً من إضاعة وقتنا فيما لاطائل من ورائه ، أضعنا وقتنا نأمل من أحزاب عاجزة تفتقر للرؤى والبرامج أن تضع أطراً لحكم البلاد وقيام دولة المؤسسات فى السودان ، فلا استطاعت أن ترفد الوطن بنظامٍ مستقرٍ للحكم ولم تبتعد عن الساحة لتُفسح المجال لآخرين يستطيعون فعل ذلك ، أما قادة الرأى والرواد ممن يُرجى منهم أن يتولوا زمام الأمور أصبحوا أدواتٍ طيعةً فى أيدى منظومات الحكومات الشمولية التى تعاقبت على البلاد يُزينون لها الباطل ويصدونها عن سواء السبيل ، لتلوح فى الأفق بوادر ضياع وطنٍ وضع أولى خطواته فى عتبات الضياع بإنفصال الجنوب ، كنت أتمنى من قادة الرأى أن يقدموا تحليلات للأسباب الحقيقية التى أدت إلى إنفصال الجنوب بدلاً من هذا الكم الهائل من الكتابات الإنصرافية والتى تُسهم فى تغبيش الرؤي أمام الرأى العام أكثر مما تُسهم فى توعيته بمخاطر إنفصال الجنوب وعلاقته بتأخر قيام دولة المؤسسات والحقوق فى السودان .
إننا حين نتحدث عن بناء الدولة الحديثة ونطالب بإفتراع دستور دائم ينظم الحياة السياسية فى السودان ويضع حداً للصراع الأزلى حول السلطة ، إنما ننبه الذين إستمرأوا نظام الحكم الفردى والذى من أهم سماته أن « شلةً « من سائر أهل السودان يقررون فى شأن يخص الجميع دون منطق أو مسوِّغ ، أن مثل هذا السلوك فى إدارة السودان قد ولى عهده إلى غير رجعة وأن لا أحد سيترك حقوقه تضيع سُدىً مرة أخرى ..لقد ولى زمان الغفلة والوصاية وعدم إحترام عقول الآخرين والإنفراد بحكم بلادهم دون مشورتهم ، لقد سلك الناس مذاهب شتى فى دنيا العلم ففى كل يوم تشرق فيه الشمس هناك العشرات من الخريجين وحملة الشهادات العليا من أهل السودان يدخلون مضمار الحياة العملية مسلحين بالوعى والإدراك لفهم كافة حقوقهم وواجباتهم ، فتح العلم عقولهم ونورها على ما يجب أن يكون عليه شأن إدارة بلادهم وادركوا جيداً أن لهم حقاً أصيلاً لا يقبل النقاش فى إختيار الطريقة التى يجب أن تُحكم بها بلادهم ، وأية مقاومة لمثل هذه الرغبة الشعبية ستصطدم برفضٍ عارم وحاسم من قبل هؤلاء ، وكل من يحاول تجاهل مثل هذه التطورات فى تركيبة المجتمع و تطور عقله الجمعى فإما أن يكون ساذجاً أو يفتقر إلى الحس الوطنى ولا يهمه أن يفنى الشعب السودانى بفعل الحروبات والصراعات حول السلطة ، وفى كلتا الحالتين سيستمر تصاعد المد الجماهيرى المطالب ببناء دولة المؤسسات ، ولا يُوقف هذا المد سوى الرضوخ والإنصياع لقيام دولة المواطنة الحقة وشيوع قيم الحرية والعدالة والمساواة ، هذا فقط هو طوق النجاة الذى سيُنجى دولة السودان من الغرق فى مستنقعات الصراع و من أهوال الحروب وما تُسفر عنه من آلام .
أضعنا أكثر من نصف قرن من الزمان من عمر هذا الوطن دون أن نصل أو نحقق أدنى شروط دولة المؤسسات التى تحفظ لأهل السودان إستقرارهم وتطلعاتهم المشروعة فى أن يكون السودان ضمن ركب الدول المتقدمة بما يستحق من ثراء لا يتوفر لآخرين إلا أنهم سبقوه بعشرات السنوات فى مختلف المجالات ، نصف قرن من الزمان أو أزيد وضع خلاله الآخرون دساتيرهم وبنوا مؤسساتهم وأسسوا لأسلوب آمن للتداول السلمى للسلطة وتفرغوا لتحديات أخرى ليس من بينها قضية من يحكم بلادهم وكيف يحكمها ؟ لقد ذهبوا بعيداً فى التنافس بينهم فى ساحات الإقتصاد والإبتكار العلمى .. ونحن مازلنا نعيش ونحيا فى ظلال القرون الوسطى نكابد عناءً لا ينتهى فى الحياة نشغل أنفسنا ووقتنا بسفاف أمور ندعى أنها من ممارسات السياسة وهى ليست من السياسة فى شئ .. لذا فنحن متخلفون فى السياسة والإقتصاد والرياضة والفن وفى جميع مضامير الأنشطة الإنسانية نحن نعيش عالة على الآخرين الذين يبتكرون ويسهرون يبحثون عن حلول للمشاكل التى تقض مضجع الإنسانية جمعاء ... أرجو ألا يقفز أحد العُميان وينتقد طرحنا هذا وهو يستدل بالعمارات والواجهات المضيئة فى الخرطوم وأن فى السودان أفضل وأسرع شبكات للإتصالات الحديثة والإنترنت الـ» كذا قيقابايت» إلى آخر كسب الآخرين ، هذه إنجازات ونجاحات أمم وشعوب أخرى لم نسهم فيها بشئ ، بل نحن لم نفعل شيئاً من أجل الإنسانية بسبب إهدار وقتنا ومواردنا فى صراعنا حول السلطة ، كان ينبغى أن نتعلم من تواضع إسهاماتنا فى مجال خدمة الإنسانية ونفكر فى توفيق وتصحيح حالنا المائل ، إلا أننا وبكل أسف لم نزل نصر على المضى قُدماً فى تخلفنا وتفوقنا فى خلق الأزمات وتعقيد حياتنا .
وأخيراً ، إذا أردنا أن ننهض بهذا السودان وندرأ عنه ويلات الحروب والتى أصبحت تتواتر صعوداً فى السنوات العشر الأخيرة ، فلامناص من قيام دولة حديثة ذات دستورٍ دائم يُولى الحريات العامة إهتماماً واضحاً ويلبى أشواق جميع أهل السودان فى الإسهام والمشاركة فى إتخاذ القرار الوطنى فى مختلف الأصعدة ويحدد كيف يُحكم السودان ويضع معايير عادلة لشغل الوظائف العامة ، دولة تحمل فى ثناياها نظاماً تتكامل وتتناغم فيه السياسة مع الشأن الإقتصادي والإجتماعي والإداري والتشريعي، دولة ترتكز على مناهج وبرامج وإستراتيجيات واضحة تستهدف تبنى نظام ديمقراطى حقيقى مع إلتزامٍ صارم بإرساء قواعد تحكم عمل المؤسسات المختلفة تقوم على الكفاءة والنظام والأمانة وإعمال القانون ومراعاة العدالة والمساواة ، ولن تتحقق مثل هذه الأمنيات إلا بوجود إطارٍ تشريعي وقانوني ينظم دور السلطة التنفيذية ويحمى مساحات الحرية اللازمة لها لدفع وقيادة عملية البناء والتنمية التى تلائم ظروف السودان وتفجر قدراته المذهلة فى الموارد البشرية والطبيعية ، هذا الإطار هو الدستور الدائم المتفق عليه والصادر عن إرادة وطنية فذة ، فإذا ما فشلنا فى الوصول إلى مثل هذا الإطار ، فعلينا جميعاً أن نتأكد أننا قريباً سنجلس نبكى وطناً جميلاً ثرياً قد تسرب من بين أيدينا مع سبق إصرار وترصدٍ منا حيث لا ينفع البكاء ولايُجدى فتيلاً

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1200

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#139292 [صنديد]
0.00/5 (0 صوت)

05-08-2011 02:33 PM
الحكومة السودانية بدأت في ضرب المواقع الالكترونية المعارضة.. تم تعطيل موقع سودانايل ..


المتوكل محمد
المتوكل محمد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة