05-10-2011 12:41 PM

بشفافية

دولة شيوخ العرب

حيدر المكاشفي

«أمرنا له بمائة ألف دينار وناقة صهباء وجارية حسناء وغلام أمرد»، مثل هذا الأمر الأميري كثيراً ما كان يصدره بعض المترفين المنعَّمين الغارقين في متع الحياة من أمراء العرب وملوكهم وشيوخهم الذين لم تكن تفصل بين ضياعهم الخاصة والإمارة العامة أي حدود أو فواصل، بحيث يمكنهم إصدار أخطر القرارات وهم جلوس بين ندمائهم في مجالس الشرب والأنس والطرب يحيط بهم الغلمان وتطوقهم الجواري من كل جانب وتدور عليهم الكؤوس والموائد ممدودة وعامرة بأطايب الأكل ولذيذ الشراب، وقد تمايلت منهم الرؤوس بسبب الفعل المشترك للألحان وبنت الحان، وكان المضحكون والمهرجون والمهراجات و«كساري التلج» من الشعراء والمداح والحكائين يعمرون هذه المجالس بالقصص والقصائد التي تمجد صاحب المجلس، فتعمر منها جيوبهم بالدنانير المؤلفة، وقد حفل تاريخ تلك الحقبة العربية بمئات القصص والحكاوى التي تروى عن هذا السفه الإداري والبذخ المالي، نذكر منها هنا حكاية جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي الشاعر المعروف والمشهور، حين دخل على عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف فأنشده قصيدته التي أولها: أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ، والتي جاء فيها ما عُدَّ أنه أمدح بيت في الشعر العربي، «ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح»، ويقال عن جرير أيضاً أنه صاحب أغزل بيت في الشعر العربي وهو ذاك الذي يقول «إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا، يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا»، وكذلك صاحب أفخر بيت وهو الذي يقول فيه «إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضاب»، قال جرير انه لما دخل على عبد الملك وهو ينشد قصيدته تلك كان عبد الملك متكئاً فاستوى جالساً من شدة طربه لهذا المديح، ودار بينهما ما دار من حوار خرج منه جرير في النهاية ممتلئ الوفاض بمائة ناقة كلها سود الحدق، وصحائف وقضيب من الذهب وغيرها من هدايا قيمة وثمينة، زيارة عاجلة وقصيدة عصماء كان مقابلها كل هذه الثروة التي جناها جرير..
كان ذلك نسقاً ونمطاً من أشكال الحكم ساد خلال فترة ما، في بلاد العرب، ثم باد، ليس كلياً، وإن اختلفت أنواع الهبات والعطاءات والمكرمات التي يتفضل بها الآن بعض الحكام الحاليين من وراء ظهر المؤسسات والدواوين، ويعلنونها هكذا كفاحاً أمام بعض جلسائهم، أو زائريهم «قطع أخدر» وليد اللحظة، ربما كان ما يفعله بعض الأمراء والملوك العرب في الزمن السالف، حين يقدمون هداياهم وعطاياهم على زائريهم وضيوفهم الأكارم له ما يبرره ضمن السياق الثقافي والتاريخي الذي كانت تحدث فيه قبل بروز الإطار المؤسسي للدولة الحديثة، ولكن ما الذي يبرر ما فعله السيد نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه عند لقائه بالوفد الشعبي المصري الذي يزور البلاد حالياً، وإعلانه منح حزب الوفد مليون فدان من أراضي الشمالية لاستزراعها شراكة بين الفلاحين المصريين والسودانيين، والمشكلة هنا ليست في المليون فدان، فغيرها قد ذهب بوضع اليد، المشكلة في الأسلوب الذي صدر به المنح والذي جاء على طريقة «أمرنا له بمائة ألف درهم وجارية وفرس»، فالذي نعلمه أن هذا الملف، ملف استقطاب الخبرات والسواعد الزراعية المصرية لفلاحة الأرض السودانية، قديم وجرت فيه محاولات سابقة لم تسفر عن شيء، وظل مجرد فكرة لم تراوح مكانها، ولهذا فان الحكمة والقرار الصائب يقتضيان إذا استجد ما يحركه ويفتحه مجدداً أن يعاد أمره إلى أهل الاختصاص والجهات المعنية لتتدارسه من جديد مع الجهات المصرية النظيرة، وبعد أن يخلص الطرفان إلى رؤية مشتركة فليصدر النائب على هديها ما شاء من قرارات، هذا هو الوضع العلمي والعملي والمؤسسي الصحيح، فهل يا ترى أنا غلطان والصحيح هو ما فعله الشيخ علي عثمان؟!...

الصحافة


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2495

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#140441 [tarigosman]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2011 01:38 AM
هذة دولة الشيخ علي عثمان محمد طة!!!!!!!!!!!!!!


#140369 [زول متابع]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 08:19 PM
االلى يغيظ اكتر انه رئبس الوفد قال انه الفدان الواحد يقوم بزراعته فلاح مصرى معاه مزارع سودانى........ يعنى توطين مليون مصرى فى السودان ......والظاهر انه من الباشوات القدام اللى بيفتكروا انه الزراعة فلاح و طورية وما سمع بحاجه اسمها تكنولوجيا الزراعة اللى ما محتاجه لفلاحين بقدر ما محتاجة لفنيين يعدوا على اصابع اليد لزراعة عشرات الالاف من الافدنه .....الظاهر همو كته انه يوطن مليون مصرى فى السودان...............ويا اوكامبو ماتسرع......


#140262 [محمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 03:56 PM
الحمد لله ما قال من ولايتنا


#140259 [الزول الكان سمح ]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 03:54 PM

إذا كان ماتم ذكره صحيحاً...فذلك يعنى بأن السودان تم توزيعه إلى كانتونات أحدهما للشيخ على عثمان .يهب منه ما شاء من هكتارات ...ماهو ده نصيبو الذى حصل عليه من ميراث الخلفوه.

وما تستبعدوا أيضاً أن يكون قد تم تقاسم الشعب الفضل جغرافياً لكى يباع رقيقاً

كنت أعتقد بأن ها الصامت أذكى مما إتخذ من قرار ..هو لم يقرأ التاريخ..جيداً

أهل الشمال لن يرضوا بأن يشاركهم أحد أرضهم التى يعتبرونها مقدسة كشرفهم وإن حدث وتم ما أعلن عنه من هبة فإنه يتحمل تبعات الكارثة


#140243 [سلايمان قش]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 03:27 PM
مليون فدان وخمسةالاف راس من البقر وحلايب وحاجات تاني دا كلو والجنائية لسع (ماتكتر في السكرات الموت جايك)


#140206 [مدحت عروه]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 02:10 PM
يا اخ حيدر دولة المؤسسات و سيادة القانون و فصل السلطات و الصحافة الحرة ما بتخليهم يعملوا زى شيوخ العرب و انت قايلهم ما دايرين تحول ديمقراطى ليه؟ عشان يبرطعوا زى ما عاوزين بدون حسيب و رقيب !! اوع تكونوا فاكرين ان الموضوع شريعة اسلامية و كده و تنمية و كبارى و طرق و الذى منه!! ما انتو عارفين!! لكن فى ناس ساذجين كتيييير ما عارفين !! هسع دى ادوهم ضمانات و ايمان مغلظ انكم ما تحاسبوهم و الفات مات و كده احتمال كبير جدا يوافقوا على التحول الديمقرطى لكن غير كده يا روح ما بعدك روح!!! هل فى سبيل ما تبقى من السودان و مستقبل الاجيال الجايه المعارضة ممكن تعمل كده!!!؟؟؟هل الموضوع جدير بالمحاولة؟؟ كدى حقوا الشعب يستفتى فى ذلك ولا شنو!!!!!؟؟؟؟؟؟


#140167 [somer]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2011 01:16 PM
ولماذا لا يفعل وقد سبقه على ذلك رئيس الجمهورية حين أمر للحكومة المصرية بخمسة آلاف رأس من الأبقار في الوقت الفيه 50% من الشعب السوداني ينومون ويصحون على الجوع.


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة