المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
العشر الموبقات في بلطجة المذكرات
العشر الموبقات في بلطجة المذكرات
06-30-2010 06:49 PM

غربا باتجاه الشرق

أحاديث الأدب وقلة الأدب (4)

العشر الموبقات في بلطجة المذكرات

مصطفى عبد العزيز البطل
[email protected]

(1)

لم يكن اختيارنا لكتاب مذكرات الراحل علي أبوسن مادةً للعرض والنقد في زاويتنا هذه اختياراً اعتباطياً نخبط به بنات المطابع خبط عشواء. ومن نافلة القول أن السبب لم يكن هو قيمة الكتاب ومحتواه، فليس للكتاب من قيمةٍ أو محتوى. غير أنه كان من أبرز الدوافع والعوامل التي اهمّتنا وأقضت مضاجعنا منهج صاحب الكتاب، الذي عمد من خلاله الى إعادة صياغة تاريخٍ قريب ما زالت حادثاته حيةً تنبض في صدور الناس. قام الى أوراقها فخلطها خلطاً، كما تخلط الفاكهة في الخلاطات الكهربائية، فزوّر وقائعها، وغبّش شواهدها، ثم فككها تفكيكاً وركّب في أحشائها من عنده محركات جديدة.

والتاريخ هو ذاكرة الشعوب وضميرها. والتعابث به والاحتيال عليه جنحةٌ تستوجب التوقيف والمساءلة. ومن هنا فقد كان التصدي لواجب حماية ذاكرة الأمة، مهما كانت ضآلة الثغرة التي نقف عليها، مهمةٌ جليلة نهضنا اليها وأخذناها بحقها إيماناً واحتسابا. وسنعرض لكثير من ذلك في يومنا هذا ونفصّله، ونُقيم على مذكرات أبي سن، كما سطرها، حججنا الناهضة. وليت الأمر وقف عند السيرة الذاتية للمؤلف، وأدب المذكرات مرادفٌ لأدب السيرة الذاتية. لو اقتصر عليها لما كانت دية الكتاب عندنا إلا أن نتصفحه ثم نطرحه ونقول: هذا كاتبٌ نفّاخٌ نفّاش، نالت منه الدنيا منالها. وما أكثر النفاخين النفاشين من حولنا، ثم لمضينا في شؤون حياتنا وشجونها، لا نلوي على شيء. ولكن المؤلف تجاوز سيرته الى سير الآخرين فبدلها تبديلا، لم تأخذه في جنحة التبديل لومة لائم. والعجيب انه يفعل ذلك والناس أحياءٌ يرزقون، ينظرون وقد جحظت منهم الأعين، وأخذت منهم الحيرة كل مأخذ، يهزون الرؤوس، ويضربون الكف بالكف!

(2)

ولا يهولنك - أعزك الله - ما فعل أبوسن. ليس هو والله نسيج وحده في التخليط والتفحيط. المخلّطون والمفحّطون كُثر. وتزوير المذكرات وتلوين السير الذاتية رزيّة فاشية عند أهل الشرق وأهل الغرب أجمعين. وقد بلغ الحزن من كثرة التزوير وضعف الالتزام بالقواعد الأخلاقية والعلمية في كتابة المذكرات والسير الذاتية بين العربان، والمتسربلين بسرابيلهم، بالصحافي العربي الأشهر غسان الإمام مبلغاً دفع به لأن يكتب: (التاريخ عندنا منظومة حقائق ووقائع محاطة بحرس من الأوهام والمغالطات والأكاذيب). وقبيل سنوات قلائل هزّت الدوائر الأدبية والفنية والأكاديمية في الولايات المتحدة فضيحةٌ كبرى، جللت رأس أحد أشهر الكتّاب الأمريكيين المعاصرين، جيمس فري، الذي تصدرت مؤلفاته لأعوام عديدة قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة. وكان الرجل قد قام بكتابة ونشر سيرته الذاتية تحت عنوان (مليون قطعة صغيرة)، فحازت المذكرات من فورها على عدد من الجوائز المتميزة، ومن بينها جائزة وينفري الرفيعة. وقد بلغ توزيع ذلك الكتاب أربع مليون نسخة. ولكن أحد المراكز البحثية المتخصصة كشف بعد ذلك أن كثيراً من الوقائع التي أوردها المؤلف مختلقة وملفقة، وطرح الأدلة الدامغة على ذلك، فوقفت الساحات الثقافية الأمريكية على رجلٍ واحدة. ووقف جيمس فري على رأسه، وبقيت رجلاه معلقتان في الهواء حتى يومنا هذا!

كذلك زلزلت المجتمعات الأدبية الأوربية زلزالاً شديداً قبل سنوات قليلة، عندما اضطرت الدار الناشرة للسيرة الذاتية للكاتبة البريطانية ذات الصيت العالمي، جوديث كيلي، الى سحب كتاب مذكراتها من الأسواق، وعنوانه (Rock Me Gently) أو "هزّني بلطف". وذلك بعد أن تكشف أن كثيراً من الروايات التي وردت في الكتاب على انها مذكرات المؤلفة وتفصيلات حياتها، مصطنعة ومخترعة. ووجدت الكاتبة الكبيرة عقب تلك الفضيحة المدوية من "يهزها"، كما هي رغبتها، ولكن بغير لطف! (من اجل المزيد فى مضمار "همبتة المذكرات" أقرأ - أعزك الله - سلسلة صديقنا الكاتب الرصين محمد عثمان ابراهيم بعنوان: الفايكلوريزم الجديد "حكاية نورما خورى وحكاية اسماعيل بيه"، ملحق "رؤى واتجاهات بصحيفة "الاحداث"، اغسطس 2009).

(3)

هناك أمران يبدو أن أبا سن يخجل منهما خجلاً شديداً فيتحاشاهما تماماً، ويضرب عليهما حجاباً كثيفاً، ثم يسعى عبر كل سطور مذكراته الى التعمية عليهما ما استطاع الى ذلك سبيلا. أولاهما أنه، في حياته كلها - تلقّى تعليماً نظامياً في مؤسسة تعليمية واحدة، هي دار العلوم بمصر. وهي الدار التي كان المصريون يتندرون على طلابها، من دارسي المتون والحواشي، ويطلقون على المتخرج منها لقب "درعمي". ومسعى أبوسن الكثيف، الذي اتخذ شكل العقدة النفسية، لستر هذه الخلفية التعليمية عن العيون مرده، في تقديرنا، الى أنه لا يريد أن يُكتب عليه انه تخرَّج في مدرسة للعُرفاء، لا سيما وأن الرجل تعتريه حالة تقترب من الهوس تدفعه دفعاً لأن يعيد صياغة ذاته وتسويقها كإنسان متحضر ومتحرر ومستغرق تماماً في الحياة الغربية. ولم يكن غريباً أن تكون واحدة من أكبر المآخذ التي أخذها على المؤلف بعض من تناولوا بالنقد كتاب "المجذوب والذكريات" عند أول صدوره قبل سنوات، هو أنه لم يذكر دار العلوم ولا مرةً واحدة في كتابه. وليس من الطبيعي أن يسجل شخص ذكريات حياته كلها فتخلو من سطرٍ واحد عن المؤسسة التعليمية التي درس وتخرج فيها.

وفي مقابل هذا الجحود والنكران للتعليم الديني والأصولي المعهدي فإنك ترى أبوسن يكثر من ذكر جامعات أوربية، لم يتخرج منها ولم تمنحه شهادة أكاديمية واحدة. ولكنه – مع ذلك - يوحي للقارئ من طرفٍ خفي ومن خلال عبارات منثورة هنا وهناك بذكاءٍ شديد انه درس فيها وتخرّج منها. تقرأ في المذكرات عبارات عارضة، ولكنها مختارة بعناية، كأن يكتب عن علاقة عاطفية عاشها ثم يقول إن مسرحها كان جامعة لندن. ومن البديهي لو انه كانت هناك علائق عاطفية مكانها جامعةٌ ما فلا بد أن يكون أطراف العلاقة طلاباً أو أساتذة في تلك الجامعة! أو أن يحقن مسار حديث معين أثناء السرد بعبارة مثل "رآني فلان وأنا خارج من كلية الاليانس فرانسيز في باريس"!

وحب أبوسن لأن يُنسب الى جامعة لندن، عوضاً عن المعاهد العربية الأصولية، هو الذي حدا به لأن يدس بعض العبارات على لسان صديقه المفترض الشاعر محمد المهدي المجذوب، فيكتب مثلاً: (سألني المجذوب عن رسالتي للدكتوراه التي عنوانها "العلاقات السودانية الإثيوبية في عهد الدولة المهدية). وقد وجدت في إشارة أبي سن الشاطحة الى (البروفيسور سارجنت المشرف على رسالتي) أمراً ممعناً في الغرابة. ذلك أن البروفيسور سارجنت هو أستاذ اللغة العربية بجامعة لندن. وهو البروفيسور الذي تتلمذ على يديه الراحل الدكتور عبد الله الطيب، رحمه الله، والدكتور محمد إبراهيم الشوش، أطال الله في عمره. ولا علاقة للبروفيسور سارجنت هذا، من قريب أو بعيد، بمادة التاريخ ولا بالعلوم السياسية، وهما الحقلان الأكاديميان اللذان يمكن أن تندرج تحتهما رسالة أبي سن المشار اليها، فما هي يا تُرى الإجازة التي منحت له إذن بموجب تلك الرسالة؟! لا أحد يعرف. أو لعل غيرنا يعرف، ولكنه يخفي فمه تحت كُمِّه، ولا يقول!

ونحن نميل الى الاعتقاد بأن جنوح أبي سن المرَضي لستر خلفيته التعليمية وكدّه المضني للتظليل عليها، وكأنها مسبة تجلب العار، يمتد أيضاً الى تاريخه العَقَدي والسياسي، الذي جهد صاحبنا ما وسعه الجهد لاخفائه في مذكراته، إذ لم ترد عن ذلك التاريخ كلمة واحدة في كل صفحات الكتاب. وتلك أيضاً من الغرائب اللافتة للانتباه، فما قيمة أية مذكرات لا يشير فيها الكاتب الى عقائده الفكرية وانتماءاته السياسية الاولى، بل ويُهيل عليها التراب، ويفر منها فراراً لكأنها الجرب الأجرب. وما العيب في أن ينتمي المرء الى فكرة أو جماعة معينة، ثم ينكص على عقبيه ويتخذ لنفسه مساراً فكرياً جديداً؟ ولكن حرص أبي سن على الطلاء الغربي والمساحيق التحررية التي غطَّى به وجهه يأبى عليه أن يقر بأنه التحق في حياته الباكرة بجماعة الإخوان المسلمين. والثابت عند من يعرفون التاريخ الحقيقي للرجل إنه كان قد التحق بالجماعة ولعب دوراً نشطاً في صفوفها. والشائع بين من زامله في ذلك التنظيم انه كان شديد التعصب في نزعته الإسلاموية، بل انه عرف بكونه من أشد أعضاء التنظيم تطرفاً. وقد شهد بذلك عددٌ ممن عرفوه وزاملوه وانتظموا في الجماعة بجانبه، ومنهم الشيخ الجليل الأستاذ محمد خير عبد القادر أمدّ الله في عمره.

(4)

أما الأمر الثاني الذي يخجل منه أبوسن خجلاً شديداً وجهد لاخفائه في مذكراته، فاضطره الأمر اضطراراً لتزوير الوقائع والأحداث تزويراً شنيعاً، مع ان شهودها أحياء يلبسون ثوب العافية، فهو دوره القيادي في تنظيم الاتحاد الاشتراكي المايوي أثناء عمله في وزارة الخارجية، ثم بعد انتقاله متفرغاً للأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي. وذلك مع انه لم يستنكف أن يكتب على سبيل النفخ والنفش أن رئيس الوزراء بابكر عوض الله قال له بعد الانقلاب مباشرة في مايو 1969م: (أنا قلت لأعضاء مجلس قيادة الثورة أنا عندي زول ممتاز حيتولى لينا إنشاء التنظيم السياسي للثورة). وهذا "الزول الممتاز" هو علي أبوسن نفسه بطبيعة الحال، وكان يشغل وقتها وظيفة سكرتير ثالث في السلك الوظيفي لوزارة الخارجية. ومعلوم أن الرجل قام في مرحلة لاحقة من حياته بإعادة اكتشاف نفسه وتسويقها كواحد من أعتى أعداء الشمولية والمناضلين ضد مايو ونظامها!

ما يهمنا هنا هو أن صاحبنا تسنّم وبمحض إرادته بل وبمبادرة خالصة منه – خلال حقبة السبعينيات - موقع أمين فرع الاتحاد الاشتراكي بوزارة الخارجية. وقد ظل الدبلوماسيون ينأون بأنفسهم عن إنشاء فرع للاتحاد الاشتراكي بوزارتهم فلم يقم للاتحاد الاشتراكي كيان عندهم حتى جاء أبوسن وركب رأسه وأصرَّ على أن يكون لتنظيم الاتحاد الاشتراكي وجودٌ فاعل هناك، محتمياً بالشعار الذي اشتهر وقتها عن مواقع أخرى ومؤداه انه لن تكون الوزارة "جزيرة معزولة في محيط ثوري". ويقول معاصروه من الدبلوماسيين - وهم كثر يعاظلون الدنيا بين الوطن والمهاجر - إنهم ذاقوا الأمرّين جراء نفوذه المتفاحش وسلطته وعنجهيته واستعلائه على الآخرين بحكم انتمائه ومركزه في التنظيم الحاكم. وقد تملكت صاحبنا عهدذاك نزعة مستفحلة لأن يلعب دوراً متعاظماً يشبه ذلك الدور الذي كان يلعبه منسوبو الحزب الشيوعي في شرق أوربا داخل وزاراتهم. وقد أغرى منصب "أمين الاتحاد الاشتراكي" في ذلك الموقع التنفيذي الحساس، علي أبوسن لأن يتدخل في شؤون الوزارة واختصاصات وكيلها ووزيرها، وأن يدبِّج التقارير عن ضعف التزام بعض المسؤولين بما فيهم الوزير، بمبادئ وأهداف "ثورة مايو". ومما أخذه على الوزير، وكتبه في تقاريره ثم أشاعه في اجتماعات مفتوحة، ما وصفه بأنه "ضعف في الأداء العام". وهنا برز الاحتكاك الأول بينه وبين الدكتور منصور خالد، الذي كان يشغل وقتها منصب الوزير.

كان من الطبيعي ألا يكون وجود أبي سن وممارساته التسلطية مقبولة عند وزير في حجم وجبروت ونفوذ منصور وقتها، فما كان من الأخير إلا أن كشر عن أنيابه للموظف الصغير الذي لم يعرف حدوده. والحال كذلك فقد وجد أبو سن انه من الأنسب له أن يترك الوزارة قولاً واحداً ويلتحق على سبيل الانتداب بالاتحاد الاشتراكي متفرغاً بذلك للعمل السياسي، وذلك حتى يأمن مكر منصور. ولكنه وبعد أن وجد لنفسه موطئ قدم داخل ذلك التنظيم - بمعونة من أحد المناوئين لمنصور داخل تشكيلات المجموعات المتنافسة والمتصارعة، وهو المرحوم الرشيد الطاهر - حدثته نفسه، الأمّارة بمناطحة الأفيال، أن يناطح وزير الخارجية علناً. وهناك وفي ساحة الاتحاد الاشتراكي - حصن ابى سن الأخير - كُتب الفصل النهائى في المعركة التي خرج منها صاحبنا وقد خسر كل شيء، الى درجة أن مسؤول الشؤون الإدارية بدار الاتحاد الاشتراكي، العقيد مصطفى عبادي، أمر خفراء الباب الخارجي بمنع أبي سن من الدخول من بوابة الاتحاد الاشتراكي، وذلك ما سطره أبوسن نفسه في الصفحة (165) من الجزء الثاني!

(5)

عقب انقلاب الخامس من سبتمبر 1975م المندحر، والذي كان قائده الرسمي المرحوم المقدم حسن حسين عثمان، وقائده الفعلي ضابط الصف حماد الإحيمر، عُقد اجتماعٌ تداولي خاص في مقر الاتحاد الاشتراكي بغرض جرد حساب أداء التنظيم خلال محنة الانقلاب. ولم يكن يُدْعَى الى مثل هذا النوع من اجتماعات النقد الذاتي غير أهل الدار، فلا سبيل الى الأغيار للمشاركة فيها. وقد كان أبوسن من المدعوين لذلك الاجتماع (لو كان الرجل من أعداء النظام، كما حشَا في مذكراته، لكان الأحرى به أن يكون يومها مع الإحيمر لا مع النميري). طلب أبوسن الكلمة فلما وضع المايكروفون بين يديه ألقى على الحاضرين خطبة عصماء خصّص نصفها الأول للإشادة بالرئيس السابق ودوره في خلق سودان جديد قوي ومتماسك أصبح مثار اهتمام العالم. ثم أضاف إن الرئيس القائد (وكان ذلك هو اللقب الرسمي للرئيس نميري) حقق للسودان بفضل قيادته الرشيدة انتصارات عظمى في جميع المجالات باستثناء المجال الخارجي. وهنا انتقل صاحبنا الى النصف الثاني وفيه تناول بالنقد وزارة الخارجية، فزعم انها فشلت تحت قيادتها الحالية في التعبير عن الرؤى والتصورات الكبرى التي ظل الرئيس يطرحها في خطبه التي وصفها أبوسن بـ"المنارات الهادية". ثم قدم بعض الأمثلة لأوجه الإخفاق كما تصورها هو.

عقب ذلك طلب الرئيس نميري من وزير الخارجية التعقيب على مداخلة "العضو المحترم أبوسن"، فعقَّب الدكتور منصور تعقيباً موجزاً جاء فيه أن السياسة الخارجية للحكومة لا يضعها الوزير، وإنما تضع خطوطها العامة لجنة العلاقات الخارجية بالاتحاد الاشتراكي. وفي نهاية تلك الجلسة جرت محادثة علنية مفتوحة بين الرئيس نميري ووزير خارجيته، استمع اليها جميع من كانوا على المنصة، وثلاثة منهم أحياء، فضلاً عن عدد من أفراد طاقم السكرتارية، وجميعهم أحياء يرزقون. وجرت المحادثة على النحو التالي: (الرئيس نميرى: الزول ده عايز شنو بالضبط؟/ د. منصور: طالما ظن انه قادر على ما عجز عنه وزيرك فأمامك واحد من خيارين، إما تعيينه وزيراً للخارجية، أو تنتدبه للعمل في أمانة العلاقات الخارجية حتى يضع لوزارة الخارجية سياسة أفضل). ولكن الرئيس بدلاً عن انتدابه فإنه أصدر قراراً بنقل علي أبوسن نقلاً نهائياً من وزارة الخارجية، وعينه في موقع متقدم بأمانة العلاقات الخارجية بالاتحاد الاشتراكي. وقد سعد أبو سن وقتها بذلك القرار الرئاسي سعادةً طاغية، لم يخفها على أحد، على ظن منه بأن الموقع المتقدم بأمانة الاتحاد الاشتراكي قد يفتح الباب واسعاً أمام طموحه السياسي الذي لا يعرف حدوداً. ولكن رياح مايو أتت بغير ما اشتهت سفن صاحبنا، فما هو إلا عام وبعض عام إلا وأجرى الرئيس بعض التعديلات على أمانات الاتحاد الاشتراكي وشاغليها، وكان من مؤدى تلك التعديلات فقدان أبو سن لموقعه في أمانة العلاقات الخارجية. وفجأة وجد الرجل نفسه على قارعة الطريق، بغير موقع في التنظيم السياسي وبغير وظيفة في وزارة الخارجية، التي كان قد نقل منها نقلاً نهائياً بموجب القرار الأول.

(6)

عقب انهيار النظام المايوي في أبريل 1985م قام وزير خارجية حكومة الانتفاضة، الأستاذ إبراهيم طه أيوب، بتشكيل لجنة لإعادة الدبلوماسيين "المفصولين تعسفياً" من وزارة الخارجية خلال العهد المايوي. عهدت رئاسة هذه اللجنة في مرحلتها الأولى الى السفير هاشم محمد صالح، ثم في مرحلة ثانية الى السفير نوري صديق. وكلا السفيرين، وأعضاء اللجنة الآخرين، أحياء يتنفسون في سماء الخرطوم، أطال الله في أعمارهم جميعاً. وقد تقدم الراحل علي أبو سن بطلبٍ مكتوب الى هذه اللجنة يطلب إعادته الى السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية. وقد نظرت اللجنة في طلبه وقررت عدم إعادته الى الوزارة، ثم أوردت الأسباب في خطاب بعثت به اليه رداً على طلبه. وقد جاء في خطاب اللجنة أنها غير مختصة بالنظر في طلبه حيث إنه لم يفصل من الوزارة، بأي وجه من وجوه الفصل من الخدمة، بل إنه انتقل بكامل إرادته ووعيه من وظيفته التنفيذية الدبلوماسية بالخارجية الى وظيفة سياسية بالاتحاد الاشتراكي. وصورة الخطاب الموصوف، فضلاً عن التقرير النهائي للجنة ووثائقها، محفوظة بكاملها ضمن أرشيف إدارة الشؤون الإدارية بوزارة الخارجية.

(7)

الذي سجلناه بعاليه هو التاريخ الثابت والمرصود، الذي لا يزال شهوده من وزراء وسفراء ودبلوماسيون وإداريون وصحافيون وكادرات سياسية على قيد الحياة، ولا تزال وثائقه نابضة تفترش غرف دار الوثائق القومية ووزارة الخارجية السودانية. فماذا كتب أبوسن في مذكراته وهو يعرض هذا التاريخ؟! اخترع صاحب المذكرات روايات بلقاء سوّد بها عدداً مهولاً من صفحات كتابه. أغرب ما في عرض الرجل لسيرته الذاتية انه لا يشير قط لدوره السياسي الراكز في التنظيمات المايوية. والأكثر غرابة انه يطرح نفسه كمناضل يرفض الشمولية إجمالاً، ويمقتها ويحتقرها، وينظر الى سدنتها من تحت أرنبة أنفه. ثم إنه يقدم لقارئه نماذج متعددة لنضال باسل مزعوم لإسقاط نظام مايو، بينما التاريخ الثابت والمرصود يدلنا على أن نظام مايو هو الذي أسقطه!

وقد هالنا، كما هال كثيرٌ غيرنا، أن نقرأ روايته الغريبة عن الحرب المتوهمة بينه وبين الدكتور منصور خالد، والتي كتب الرجل في صددها كلاماً تذهل له كل مرضعة عما أرضعت. وسنعرض لبعض هذه الروايات في حينها ضمن هذه السلسلة. ولكن الذي يهمنا في هذا المقام هو مناقشة الكيفية التي عرض بها صاحبنا ذلك التاريخ، وتلك الوقائع، التي فصلناها لك تفصيلا، وعلى وجه التخصيص رواية تنحيته عن موقعه بالتنظيم السياسي. لم تشر المذكرات من قريب أو بعيد الى حقيقة أن مؤلفها لم يكن أصلاً ضمن قوة وزارة الخارجية عند فصله. ولكنه بدلاً عن ذلك كتب - خلافاً للحقيقة- في مذكراته أن قراراً صدر بفصله من وزارة الخارجية، وأن الدكتور منصور خالد بعث اليه بالقرار على يد سائقه الخاص، الذي جاء بسيارة الوزير المرسيدس الحكومية الخاصة في منتصف الليل الى منزل أبي سن بحي العمارات ليسلمه خطاب الفصل من الوزارة (الوزارة التي لم يكن اسم كاتب المذكرات وقتها مسجلاً ضمن موظفيها أساساً!) وأضاف ان السائق اعتذر له بأن الوزير هو الذي فرض عليه أن يأتيه في ذلك الوقت المتأخر من الليل! وهذه الرواية العجيبة التي لا يسندها واقع ولا منطق، تطرحها المذكرات كواحدة من مرتكزات تاريخ أبوسن النضالي ضد مايو ونظامها!

ولكن الرجل، والحق يقال، لم يتركنا وحدنا في بيداء الحيرة، بل دعم روايته العجيبة تلك بأدلة يفترض انها ستعبّد الطريق أمامنا فنفهم ونستوعب الحقيقة من أمر صراعه المتوهم مع منصور، وهو الصراع الذي أفضى الى فصله من وزارة الخارجية كما ادّعى. الدليل الأول هو اجتماع دار بينه وبين وكيل وزارة الخارجية وقتها، الأستاذ فضل عبيد. وهناك أدلة أخرى تجدها في ما كتبه المؤلف عن دعمٍ تلقّاه من آخرين منهم السيدة عوضية أبوصالح (شقيقة الدكتور حسين أبوصالح)، مديرة مكتب وزير الخارجية وقتها، ومساندتها له في مواقفه الرجولية ضد الوزير. وقد زكّى المؤلف السيدة عوضية وأشاد بمواقفها المتميزة في ذلك الصراع. وسنأتيك الى الوكيل، وسنأتيك الى السيدة عوضية، فخذ - أعزك الله - نفساً طويلاً، ثم الحق بنا الى الفقرة التالية.

(8)

في هذا الاجتماع بين وكيل وزارة الخارجية الأستاذ فضل عبيد وأبوسن يقول الأخير انه استقى نبأ فصله من وزارة الخارجية للمرة الاولى. وبحسب الرواية، فإن الوكيل فضل عبيد، اجتاحته حالة من الحزن العميق بسبب قرار الفصل أبدع المؤلف وأفاض في وصفها. وعقب ذلك اللقاء يقول المؤلف إنه ذهب الى مكتبه حيث جمع أغراضه الشخصية وغادر الوزارة للمرة الأخيرة. وقد انتهى ذلك اللقاء بين الوكيل والدبلوماسي المفصول نهاية درامية. كيف؟ كانت هناك - بحسب أبي سن - لوحات تشكيلية بالغة الروعة أتى بها الوكيل من دولة أجنبية ووضعها في مكتبه. وفي نهاية ذلك اللقاء قام الوكيل الحزين وجمع كل هذه اللوحات وأعطاها الدبلوماسي المفصول، وطلب منه أن يأخذها هدية منه، وقال له بلهجة من يكاد الحزن يقتل فؤاده: (خذ هذه اللوحات يا علي. أنت تستحقها). هل نحتاج الى بينات وحيثيات وأدلة أقوى من هذه على صدق ودقة رواية فصل أبوسن من وزارة الخارجية؟ لا أعتقد. هذه رواية جيدة من أي جنب أتيتها. كما ان الأستاذ فضل عبيد من أكثر الشخصيات احتراماً وموثوقية، وهو من الذين يُحسب كلامهم بحساب وتوزن أفعالهم بموازين الذهب. ماذا نريد بعد ذلك؟ أم هو غلاط والسلام؟!

هناك للأسف مشكلة واحدة في أمر رواية أبي سن المتقدمة. وهي أن الأستاذ فضل عبيد وكيل وزارة الخارجية الأسبق جاءته ثلة من السفراء عقب صدور الكتاب قبل سنوات تستفسر منه عن صحة الرواية التي ضمنها أبوسن سيرته الذاتية ونشرها في مذكراته منسوبةً الى وكيل الوزارة، فكانت إجابة الوكيل السابق أن ردّ الرواية بأكملها، ونفاها نفياً قاطعاً. جميل. ماذا أفعل أنا الآن؟ هل أكتفي بهذه المعلومة؟ أبداً. فانا احب ان احصحص الاشياء بنفسى. وككاتب مسئول خطر لى ان الجأ الى نهج الصحافة الاستقصائية التى توثق للحقائق مباشرة، عوضاً عن الركون الى روايات مجالس المؤانسة المرسلة. وهل يصعب على مثلي أن يحصل على رقم تلفون هاتف الاستاذ فضل عبيد النقال؟ خلال المحادثة التي جرت بيني وبين الأستاذ فضل عبيد، حفظه الله وأمد عمره، ونفع بلاده بفيض خبرته وعلمه، لاحظت تردد الرجل في أن يدلي في الأمر بدلو، وقد استحصن بحديث: "اذكروا محاسن موتاكم". غير أنني ألححت عليه إلحاحاً، وحججته بأنني شديد العناية بأدب المذكرات، وانني لا أذكر أحداً بسوء وإنما أحقق كتاباً كتبه صاحبه وطرحه للناس في الأسواق، وان اسم الوكيل السابق مدون في هذا الكتاب، وانه شاهد على ما ورد فيه، ثم ذكرته بالآية الكريمة من سورة النساء: (ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه).

جاءتني بعد ذلك - وعلى مضض - شهادة الأستاذ فضل عبيد. ها هي، أعزك الله، أمامك فاقرأ باسم ربك الأكرم: (قلت لمن سألوني من قبل حول ذات الأمر ان هذا اللقاء بيني وبين أبوسن لم يحدث، وما كتبه أبوسن من حديث، ونسب فيه الى شخصي ما نسب كله مختلق. والرواية من أولها الى آخرها عارية من الصحة تماماً). وحول ما كتبه أبوسن في مذكراته عن اللوحات التشكيلية التي أهداها له الوكيل بعد فصله، من قبيل الوداع، كانت إفادة الأستاذ فضل عبيد علي النحو التالي: (نعم كانت هناك لوحات تشكيلية في مكتبي، وهي لرسام زائيري شهير. ولم يحدث أن أهديت هذه اللوحات لأبي سن، ولم أفكر في إهدائها له أو لأي شخص غيره. الذي حدث هو أن أبوسن جاءني ذات يوم وذكر لي انه يزمع إقامة معرض للوحاته الخاصة، واستأذنني أن أُعيره بعض تلك اللوحات ليضعها في المعرض ثم يعيدها اليّ، وقد أخذها بالفعل على هذا الأساس. ولكنه لم يعدها قط. وقد فوجئت بها بعد ذلك معلقة في صالون منزله، فلذتُ بالصمت إذ لم أشأ أن ألاحقه بعد ذلك). هذه هي كلمات وكيل وزارة الخارجية الذي كتب أبوسن في مذكراته انه علم منه بقرار فصله، وانه أهداه لوحاته التشكيلية الغالية تحت تأثير لحظات حزن غامر اعترته بسبب قرار الفصل. وقد نقلنا اليك شهادة الرجل بنصّها وفصّها. ثم ماذا نقول بعد ذلك؟!

أما السيدة الفضلى عوضية أبوصالح التي نثر المؤلف اسمها في كتابه عدة مرات وزعم انها آزرته في حربه على منصور، ونسب اليها روايات ما أنزل الله بها من سلطان، فقد تفضلت بدورها مشكورةً بالإجابة على أسئلتي. والسيدة عوضية، شأنها شأن الأستاذ فضل عبيد، تعيش في مدينة الخرطوم، وهي متاحة لكل من قصدها من أهل الصحافة والإعلام، سجل خدمتها المتميز في وزارة الخارجية كتابٌ مفتوح، لا تخُفي شيئاً ولا تخشى غير الله. وقد ذكرت لي بلغة عربية مبينة، لا لجج فيها ولا عوج، ان كل ما سطره أبوسن ونسبه اليها في مذكراته هراءٌ محض، ليس له من الحق نصيب.

ذاك ما كتب أبوسن، وهذا ما ردت به السيدة الكريمة، وهل بعد الحق إلا الضلال؟

(9)

هذا هو ما كان من أمر رواية أبي سن المدهونة، بشأن بطولات فصله من وزارة الخارجية، التي شغل بها الدنيا، واختلط أمرها على الناس اجمعين، بما فيهم الرئيس السابق جعفر نميري نفسه، الذي أدخل في رأسه دهاقنة القصور من أعداء منصور بعض الترهات فذكرها في أحاديث صحفية حول هذه القضية، وهو يستهدف وزير خارجيته الذى تمرد عليه، وقد نأتى الى تلك الترهات فى حينها.

وسيتصل مشوارنا، إن شاء الله، ونحن نميط غُلالات الأضاليل عن وجه هذه المذكرات، التي يفترض انها تقدم لأجيالنا الطالعة العظات والعبر وخلاصات التجارب الإنسانية الهادية، ولكننا ما رأينا فيها إلا التخاليط والخرابيط ولجاج بني معيط.

وما زال ليلنا مع كتاب أبي سن طفلاً يحبو! [ نواصل ].



صحيفة "الاحداث"


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2006

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#4360 [قرينات]
0.00/5 (0 صوت)

07-01-2010 06:31 PM
الاستاذ الفاضل / مصطفي البطل .. اعرض عن هذا .. السودان يتســرب .. ويتبخر .. من بين ايدينا .. وابصارنا شاخصه .. الغبش يحتاجـون لمثل سيفك .. فاشهر حسامك البتار .. واعلنها حــربا شعــــواء .. إستنهض الهمم .. ليصحو ويفيق هذا العملاق الاشـم .. وإلا .. مصيرنا ماثل أمامنا .. الصومال .. افغانستان .. غرغيزستان .
إحترامي .. وتقديري


#4257 [غالب]
0.00/5 (0 صوت)

07-01-2010 11:35 AM
هاجمت الكاتب اكثر من نقدك للكتاب ومهمة حماية التاريخ التى اليتها على نفسك ايمانا واحتسابا كما ذكرت لها تتطلب كثيرا من الحكمة والكلمات الدقبقة واثبات عكس ما ذكر فى الكتاب حتى لا نعتقد ان فى الامر شئ شخصى ... ومجهودك مقدر


مصطفى عبد العزيز البطل
مصطفى عبد العزيز البطل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة