السودان إلى أين؟ا
05-15-2011 06:35 PM

1-المقدمة:

السودان إلى أين؟

أبكر محمد أبوالبشر
[email protected]

الرقعة الجغرافية للدولة السودانية المتعارف عليها حتى تاريخ التاسع من يوليو 2011م، كانت تضم ممالك وسلطنات مستقلة إذ لعبت قوى أجنبية إستعمارية دوراً رئيسياً في جعلها دولة واحدة، في نفس الوقت لا ننسى أن المهدية كقوة وطنية أيضاً ساهمت بدرجة كبيرة في لعب ذاك الدور، لكن الحدود الحالية هي من ترسيم الإستعمار البريطاني.
مما تقدم نخلص بأن الشعوب التي تعيش داخل حدود السودان الحالية تم تجميعهم قسراً في دولة واحدة من دون إرادتهم، وعند خروج المستعمر البريطاني لم يكن هناك من ضمن إجراءات الإستقلال ما يفيد مشورة الأقاليم الت وُحِدت قسراً مستقبل تريد. وإعلان الإستقلال الذي تم من داخل البرلمان على لسان النائب عبد الرحمن دبكة وهو من دارفور لم يكن ذلك انعكاس لرأي شعب دارفور بل كان ذلك تنفيذ لبرنامج حزب الأمة كما كان مشورة النواب الجنوبيين في أمر الاستقلال بدواعي انتزاع الموافقة على الإستقلال، إذ سرعان ما نكث الشماليون وعودهم للجنوبيين بعد نيل الإستقلال وبالتالي تصبح تلك العملية خيانة غير أخلاقية ونتيجتها غير دستورية وغير ملزمة للجنوبيين خاصة وللهامش بصفة عامة.
وإذا نظرنا لتاريخ الثورات السودانية بدءاً بالثورة المهدية - وهي بالطبع ثورة قومية حقيقية إلا أن طابع الطائفية الدينية قد نزعت منها بعض من الصبغة الوطنية – ثم مروراً بالثورات القبلية ضد الاستعمار مثل ثورة الزاندي العام 1901م والثورات الوطنية كاللواء الأبيض العام 1924م وثورة أكتوبر 1964م وإبريل 1985م وحديثاً الثورات الإقليمية المسلحة في الجنوب منذ العام 1955 ثم الجنوب الثانية في العام 1983. وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وثورة الشرق ودارفور العام 2002م والحركات المطلبية الإقليمية في أواسط الستينات من القرن الماضي – مؤتمر البجا في الشرق وسانو في الجنوب واتحاد عام جبال النوبة في جنوب كردفان وجبهة نهضة دارفور في دارفور كل هذه الثورات، القبلية أو الوطنية أو الإقليمية أو السلمية، يجمعها قاسم مشترك أساسي هو نبذ الاستعمار ورفض هيمنة المركز على الهامش سواءاً كان ذلك من قوى خارجية أو داخلية، كما هو أيضاً دلالة واضحة على هشاشة تركيبة الدولة السودانية التي لم تتم بطريقة طبيعية.
وعندما تم الاستقلال إذ خان النخب النيلية شعوب الهامش فيما اتفقوا عليه لم تستطع بل لم تشأ هذه النخب التي ورثت السلطة ان تستثمر ذلك لصالح تماسك الوطن ومن ثمّ خلق أمة سودانية قوية من التعدد الغني إنما تمادت في ممارسة أساليب الخداع وإبتكار صور التهميش بكل أنواعه ضد الأطراف. ففي تطبيق سياسات التهميش فقد تطور الأمر من الحرمان وعدم التنمية في الهامش إلى ممارسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية وسياسة الأرض المحروقة كما هو الحال في دارفور ممثلة في السياسات التي ينفذها نظام المؤتمر الوطني الحاكم حالياً. هكذا تفاقمت المشكلة السودانية إلى أن قادت البلاد أن تنشطر إلى جزءين حيث خرج الجزء الجنوبي وهو يقارب ثلث مساحة المليون ميل مربع، بل هناك إشارات أخرى قوية تشير بأن تتفكك الجزء الشمالي المتبقي من السودان إلى عدة كيانات مستقلة. إزاء كل هذه التطورات المرعبة لا تزال الطامعين من النخب النيلية الحاكمة تتمادى في نقض العهود وإبطال أي محاولة وطنية في إشراك الجميع لإدارة وطنهم، لذا لم يبق للسودانيين الوطنيين محاولة للإصلاح إلا في ممارسة حق تقرير المصير ليقرروا جميعاً أي نوع يريدون لدولتهم مستقبلاً.
2- تقرير المصير:
لغوياً تقرير المصير يعني الإختيار الحر لأفعال المرء دون إكراهـ خارجي، أما في السياسة فيفسره البعض على أنه حرية شعب إقليم ما أو تجمع مجموعة وطنية ما في تحديد وضعها السياسي والكيفية التي سيحكم بها من دون اي تأثير من أي بلد آخر.
من التعريف أعلاهـ لا شك أن تقرير المصير هو إرادة الشعوب العليا في وضع أبجديات وأسس مسيرة حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو أساس مبدأ حقوق الإنسان بعينه. هنا لا بد لنا أن نستصحب معنا التطور التاريخي لتقرير المصير، فمثلما الإستعمار قد مُورِس أثناء الحقب التاريخية المدونة، فإن تقرير المصير السياسي قد تم توثيقه وتعزيزه من قبل الشعوب القديمة كبلاد ما بين النهرين Ancient Mesopotamia ودولة-المدينة في اليونان Greek City-States ومع توسع الإمبراطوريات وتطور مفهوم السيادة السياسية الذي حدث بعد\"معاهدة وستفاليا\" Treaty of Westphalia أدى ذلك إلى ظهور تقرير المصير بشكل واضح خلال العصر الحديث. كما ظهرت في أوروبا مفهوم القومية كأيديولوجيا توحيد في أثناء الثورة الصناعية وما بعدها ليس فقط بين القوى المتنافسة لكن أيضاً لدى الجماعات التي شعرت بالتبعية والحرمان داخل دولها الكبرى ففي مثل هذه الحالات يمكن أن ينظر لتقرير المصير على أنه رد فعل على الإمبريالية. وعندما وقع حلفاء الحرب العالمية الثانية في العام 1941م على ميثاق الأطلسي تطور الأمر في العام 1945م فأصبح حق تقرير المصير بنهاية الحرب ضمن ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي جزء من القانون الدولي والدبلوماسية العالمية. لذا نجد في الفقرة الثانية من المادة الأولى للفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الغرض من الميثاق هو \"تطوير العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب واتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلام العالمي\". لذا يصبح حق تقرير المصير حق قانوني وشرعي وأخلاقي يجب احترامه والعمل به.
لهذا فإن تقرير المصير هو مبدأ في القانون الدولي الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة وفي ذلك أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها. لذا في الفقه الدستوري يُفسر تقرير المصير بأنه الحق الأساسي لجميع الناس في أن تقرر بحرية تامة وضعها الخاص وأن تسعى بحرية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذاتية. الجدير بالذكر أن مفهوم تقرير المصير قد تجسد أولاً في إعلان الاستقلال الأمريكي في العام 1776م ثم في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في العام 1789م.
وبما أن حق تقرير المصير لجميع الشعوب قد كُرس في ميثاق الأمم المتحدة إلا أن النقاش حول مضمونه والفئات التي لها حق الممارسة لا زال في تطور مستمر في القانون الدولي. لذا فإن ميثاق الأمم المتحدة لم يحدد بعد كيف يتم إتخاذ القرار في عملية تقرير المصير، أو ما يجب أن تكون نتيجة القرار سواءً كان ذلك هو الاستقلال التام أو الإتحاد (فدرالية/إقليمية/كنفدرالية) أو الحماية أو شكلاً من أشكال الحكم الذاتي أو الإندماج الكامل/الوحدة الكاملة. لكن الشيئ الواضح والمتفق عليه حتى الآن، هو أن حق تقرير المصير هو حق جماعي وفي ذلك فإن الشعب وليس الفرد هو الذي يمارس هذا الحق، ففي السابق كان هذا الحق يخص أناس أو سكان إقليم محدد خاصةً الشعوب المضطهدة من قبل القوات المستعمرة، لكن تطور الأمر ليشمل الشعوب المضطهدة من قبل حكوماتها الوطنية خاصة إذا مُورِس ضدهم التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية. ففي هذا يدعم كثير من فقهاء القانون الدولي الذين يسعون إلى تطوير منهجية تقرير المصير، استخدام تقرير المصير لاستقلال وتوطيد سيادة إقليم ما كمسألة أخلاقية وقانونية وأن انفصال أي إقليم من الوطن الأم يُعد ضرورياً عندما يعاني ذلك الإقليم من المعاملات الغير قانونية واللاإنسانية وهم يستندون في ذلك على نظرية (فقط نظرية حقوق العلاج) Remedial Rights Only Theory.
3- ممارسة تقرير المصير في عموم السودان:
مما تقدم هل ثِمة مبرر يستدعي ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان؟ بالطبع لا خلاف في أن الطريقة التي تمت بها تشكيل الدولة السودانية الحالية كانت من دون إرادة الشعوب القاطنة داخل حدود هذا البلد، لهذا يصبح من الضروري أن تحدد هذه الشعوب بنفسها كيفية صناعة تاريخها بمحض إرادتها دون إكراهـ خارجي. وفي اتجاهـ آخر، هل كان لزاماً على السودان أن يستمر ويتواصل كدولة موحدة بعد خروج المستعمر البريطاني في العام 1956م؟ هذه الوحدة التي استغلتها النخب الحاكمة في هدم أسس التطور الطبيعي المتدرج للممالك والسلطنات أي الدول التي كانت قائمة قبل الاستعمار! لو كانت الأوضاع بعد الإستقلال قد عادت إلى سابق عهدها، لكان الوضع مختلفاً تماماً في عموم السودان مما هو عليه الآن. لأن النخبة النيلية التي ورثت السلطة السياسية من المستعمر كانت فاقدة لتجارب إدارات الرقعات الجغرافية الواسعة \"مليون ميل مربع\" وكذا فاقدة للرؤية والإرادة الوطنية لتماسك مثل هذه المساحة الموروثة التي جمعت شعوب شتى لها عادات وتقاليد وأساليب حكم مختلفة ومتنوعة عن تلك التي يألفها النخب الحاكمة، إذ أثبتت هذه النخب أن عقليتها السياسية متأصلة في الروح الاستعماري فلا يرون أنفسهم إلا بمنظار أنهم تواصل للاستعمار الأجنبي دون أن يستوعبوا ويطوروا لأساليب إدارات المناطق الواسعة المساحة ذات التنوع الديني والعرقي والثقافي الغزير.
وتتوالى الأسئلة الموضوعية، منها لماذا لم ينعم السودان بإستقرار سياسي في عمر استقلاله الذي يفوق الخمسة عقود؟ لماذا الثورات المسلحة الإقليمية ضد المركز والشعبية المركزية ضد المركز نفسه؟ أضف إلى ذلك عدم التنمية في كل صورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بالرغم من أن البلد يزخر بالموارد الطبيعية والبشرية والتي إن وُظفت في الاتجاهـ الصحيح لأصبح السودان اليوم في مصاف الدول المتقدمة، كما أن الموقع الجغرافي للسودان لم يتم استغلاله لتواصل الثقافات الإقليمية والسلام الإقليمي بل وظفت في الإتجاهـ المعاكس.
منذ الاستقلال تم وصف السودان بواسطة النخب الحاكمة بأنه بلد عربي/مسلم وهذه هوية كاذبة إذ ضربت بعرض الحائط كل التنوع الديني والعرقي والثقافي الغزير داخل الوطن الواحد، وبالتالي فشلت النخب الحاكمة من أن تؤطر لمناخ ملائم يفضي إلى خلق أمة واحدة من تنوع هذه الشعوب. سوء التقدير هذا والإصرار على الهوية الآحادية هما اللذان ولدا الحروبات والثورات المتتالية في السودان. لكن الأسوأ من كل هذا أن النخب الحاكمة تتواصل في نقد العهود – منذ مؤتمر جوبا العام 1947م لتعزيز إدارة السودان – بل وإبطال أي جهد وطني يبذل في سبيل وقف الإقتتال الذي يقود إلى الاستقرار السياسي، مما أدى ذلك إلى تفكك الدولة السودانية إذ سيصبح جنوب السودان دولة مستقلة ذات سيادة في التاسع من يوليو 2011م. وهذا التطور قاد الكثير من المراقبين أن يتوقعوا بأن تتشدد مناطق أخرى من الأطراف في كفاحها ضد المركز لإنهاء العلاقات الإدارية الغير متوازنة السائدة اليوم في البلاد وتختار خياراً مماثلاً، أي الإنفصال. ولإنقاذ بقية الجزء الشمالى للبلاد من هوة الإنهيار والتفكك الكلي، يرى العديد من الناس أن الحل الناجع يكمن في ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان الذي يمكن أن يقود إلى تماسك الوحدة بإجراءات طوعية شاملة.
4- حجج رافضي ممارسة حق تقرير المصير:
في كثير من حواراتي مع الأصدقاء والرفاق من مختلف أنحاء السودان، تبيَن لي أن عدداً منهم يقفون ضد المناداة لممارسة حق تقرير المصير في السودان ولهم حججهم في ذلك منها، أن ممارسة تقرير المصير قد تم عند الاستقلال، لكن كثير منا يعتقد جازماً أن التصويت الذي تم في البرلمان لصالح الإنفصال لم يكن نزيهاً وشفافاً وشاملاً وذلك لاتباع أسلوب ظاهره طيب وباطنه فاسد، افضى في النهاية لخيانة النواب الجنوبيين.في تلك العملية كما أن حجة الآخرين هو أن تقرير المصير يعني شيئين فقط، أي إما وحدة كاملة أو إنفصال، وأن تجربة نيفاشا قادت لإنفصال الجنوب لأن حزب المؤتمر الوطني الحاكم فشل تماماً في خلق مناخ وطني جاذب لتماسك الوحدة فما كان من أمريكا إلا أن ترفع العصا بإستمرار على رأس المؤتمر الوطني ليتم تنفيذ الخيار الآخر. لكن كما أسلفنا من قبل في هذا الصدد واضحٌ أن تقرير المصير يحتمل عدة خيارات وليس خيارين فقط وكلها خيارات طوعية ليست من بينها أي خيار إجباري، وأن تجربة نيفاشا قد شوهها الإعلام المضلل دون أن يوضح بأن تقرير المصير في الأساس إرادة حرة لشعب ما في منهاج إدارة شئون البلاد مستخدماً أحد الخيارات العديدة المتاحة.
بالمثل لاحظت أن بعض من أصدقائي ورفاقي من دارفور أيضاً يرفضون المناداة لممارسة حق تقرير المصير، الجدير بالذكر أن هذه المناداة بدأت تنمو في وسط أهل دارفور لعله يخرجهم من محنتهم الحالية. أما حجة الرافضين يتمثل في أن دارفور هو الذي ساهم بقدر أكبر من أية جهة أخرى في صناعة السودان الحالي بل وفي بنائه أيضاً وأن لدارفور وجود اجتماعي مكثف في كل أركان السودان، لذا يتحدث هؤلاء بلغة دارفور الاجتماعي وليس دارفور الجغرافي، بينما آخرون يرون أن نسبة حجم دارفور في السودان الشمالي بعد ذهاب الجنوب ستصبح هي الأكبر مقارنة ببقية أقاليم السودان الشمالي من ناحيتي التعداد السكاني والمساحة الجغرافية، هنا يطرحون السؤال التالي! من الذي ينفصل ممن؟ لكن السؤال الأساسي الذي لم أجد له إجابة من كل هؤلاء هو! ما الفائدة في أن تتمسك بمفهوم دارفور الاجتماعي بينما المركز يهدم دارفور الجغرافي؟ أي بمعنى آخر ماذا تتوقع أو ما الذي تجنيه عندما يتم تكسير وهدم كل الجذور؟ إذا وضعنا في الإعتبار أن وجود دارفور الاجتماعي في الأماكن الموجود فيها خارج دارفور يمثل الأقلية والطريقة اللا إنسانية التي تتعامل بها النخب الحاكمة خاصة المؤتمر الوطني الحالي لشعب دارفور في بلدهم، إذ يصعب للمرء أن يستوعب حجم الحقد الذي يكنه هؤلاء الحكام تجاهـ أهل دارفور، أضف إلى ذلك أنه تراودنا أحياناً بعض الشكوك في أن النخب الحاكمة يعملون بتوصيات المستعمر الإنجليزي التي تقول أن \"الدارفوريين متمردون بطبعهم\". أزاء كل هذه الأمور يبقى السؤال! ما هي الضمانات بأن دارفور الاجتماعي سوف يسلم من الحرمان والتشريد بل والسلامة في الأرواح؟ أليس ذاكرة أحداث أم درمان العام 2008م بقريب؟ ناهيك للذي حصل للإخوة الجنوبيين في أكثر من مرة في الخرطوم. لذا نرى أن هذه الحجج قد تكون موضوعية في وقتٍ ما إلا أنها غير واقعية في زمننا هذا. فإذا نظرنا لتاريخ دارفور إذ انه كان دولة مستقلة عندما تم ضمه قسراً للسودان في الأول من يناير العام 1917م وبدلاً أن يكون الجسم الجديد حافظاً يعزز نمو البلد كله آثرت كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد أن تدمر الجزء الجديد وذلك بتطبيق كل أنواع سياسات التهميش في شعب دارفور من حرمان للتنمية والمشاركة الفعلية في السلطة وصولاً إلى ممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتنفيذ سياسات الأرض المحروقة، كل هذه السياسات المدمرة للنسيج الاجتماعي الدارفوري والهدامة للإرث التاريخي الغني يجعل دارفور بأن يكون أولى/أجدر من أي إقليم آخر بالمناداة لممارسة حق تقرير المصير.
5- النتيجة المتوقعة من جراء ممارسة تقرير المصير:
لقد أوضحنا في الفقرات السابقة بأن ممارسة تقرير المصير حق إنساني وقانوني وشرعي يمثل إرادة الشعب العليا في ترتيب وضعها السياسي وذلك في كيفية إدارة شئونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن ثمّ تطوير ثقافتها والحفاظ على إرثها التاريخي، فهو قرار يتخذه الجماعة المعنية بمحض إرادتها ويكون نتيجته أحد الخيارات التالية؛ (أ) الاستقلال التام، أو (ب) الإتحاد (فدرالية/إقليمية/كنفدرالية)، أو (ج) الحماية الدولية (مثلاً أهل منطقة الميدوب في شمال دارفور ونسبة لوضعهم الفريد يمكن أن يطالبوا) أو (د) شكلاً من أشكال الحكم الذاتي، أو (هـ) الإندماج الكامل/الوحدة الكاملة. في تصورنا المتواضع نرى أن النتيجة المتوقعة عندما يتم ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان قد تنحصر في واحدة من الآتي:-
1- في حالة الاستقلال التام للأقاليم وأصبح كل إقليم دولة ذات سيادة مستقلة، أولاً سيكون ذلك مناسبة جيدة لوقف الحروبات ضد المركز وهي ثانياً فرصة للدول الصغير الجديدة في أن تنمي قدراتها الذاتية، لكن الفرصة الكبيرة تكمن في أن هذه الدول سوف تجد كل واحدة منها محتاجة للآخر وبالتالي قد تكون هذه وسيلة مثلى لإعادة الوحدة الإندماجية الشاملة كما تم حديثاً لليمنين والألمانيتين أو يتم نوع من الكنفدرالية، لأن الوقوف على كتوف متساوية سيقود بالتأكيد إلى إتخاذ قرارات عادلة مقبولة للجميع.
2- النتيجة الثانية المحتملة، هي أن تؤدي ممارسة حق تقرير المصير إلى إقامة مؤتمر دستوري جامع لكل أهل السودان يمثلون كل فئات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والأهلية ويقرروا في هذا المؤتمر تماسك وحدة السودان على أسس جديدة بحيث يبعدون كل ما يفرق بين الناس بل وبين المجموعات المختلفة، لتصبح الأشياء التي تفرق بين الناس غير دستورية. في هذه الحالة قد يقر المؤتمرون بالوضع الفدرالي الديمقراطي على أسس المعايير الدولية بما يتناسب مع ظروف السودان، أو يذهبون إلى خلق نظام كنفدرالي – والكنفدرالية هي الوظيفة المقننة للدولة وليس بالضرورة اتباع العرف التاريخي بأن تكون هناك دول مستقلة قائمة أصلاً لتتحد في نظام كنفدرالي - وربما يقر المؤتمرون في إحتمال آخر بالعودة إلى النظام المركزي، كل هذا تأسيس لحرية اتخاذ الرأي الجماعي واحترامه.
3- في تصور ثالث، أن تطالب بعض المجموعات السكانية ذات إرث تاريخي واحد تخشى طمسها من المركز أو المجموعات الكبيرة بالحماية الدولية أو الدستورية الوطنية مثل الميدوب في شمال دارفور والنوبة في جبال النوبة بجنوب كردفان والأنقسنا في جنوب النيل الأزرق، هذه الحماية قد تشمل في الأساس حرية إختيار هذه المجموعات لإدارة شئونها الداخلية والتمتع بكل الحقوق الوطنية والحفاظ على إرثها التاريخي.
6- خاتمة:
إذا كانت الجبهة السودانية للتغيير تهدف إلى اسقاط النظام الحالي وإعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس السودان الجديد، وبما أن هذه الجبهة قومية المنشأ وطنية الرؤية جامعة القيادة (في قمة قيادتها نساء) فهي أولى من أي تنظيم سياسي معارض آخر أن تتبنى مشروع تقرير المصير لكل أقاليم السودان كمشروع متقدم تواصلي لمشروع الراحل د. جون قرنق للسودان الجديد.
في يقيني أن تقرير المصير سوف يحل المعضلة السياسية السودانية على أسس السودان الجديد لو توفرت المصداقية والعزيمة القوية والشفافية على مستوى السودان الشمالي.


أبكر محمد أبوالبشر
مانشستر، المملكة المتحدة
‏الثلاثاء‏، 10‏ أيار‏/مايو، 2011م


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1334

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#142651 [محمد علي]
0.00/5 (0 صوت)

05-15-2011 11:35 PM
أجدني متفقا مع الاستاذ ابكر محمد في قوله (( 2- النتيجة الثانية المحتملة، هي أن تؤدي ممارسة حق تقرير المصير إلى إقامة مؤتمر دستوري جامع لكل أهل السودان يمثلون كل فئات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والأهلية ويقرروا في هذا المؤتمر تماسك وحدة السودان على أسس جديدة بحيث يبعدون كل ما يفرق بين الناس بل وبين المجموعات المختلفة، لتصبح الأشياء التي تفرق بين الناس غير دستورية....))


#142585 [monemmusa]
0.00/5 (0 صوت)

05-15-2011 07:30 PM
اتفق مع الاخ ابكر في كل ما جاء في مقاله الضافي الوافي فمشكلتنا في السودان اننا بعد ما اتحررنا من المستعمر كان يجب ان نتحرر من عقدنا وانانيتنا وجهلنا لبناء وطن واحد ونلفظ القبلية والعنصرية لنكون كلنا سودانيين،ولكن للاسف لم نستفد من الهبات التي حبانا بها المولي عز وجل من تنوع مناخي وثقافي واثني وعرقي ونيل يجري من الجنوب الي الشمال وثروات زراعية وحيوانية وسمكية ومعدنية،ربنا اعطانا جنة وقال لينا يلا يا سودانيين عيشوا وعمروا بلدكم وفيدوا الاخرين من حولكم لكن حصل العكس حولنا الجنة الي جحيم ولظي!!!


أبكر محمد أبوالبشر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة