المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
الدولة والثروة
الدولة والثروة
05-16-2011 12:26 PM

المشهد السياسي

بعض الاستنتاجات من وحي ثورات المنطقة

د. الشفيع خضر سعيد

الدولة والثروة «4»

في مقال سابق، أشرنا إلى أن ثورات مصر وتونس، ربما لم تكن تمتلك بديلا أو برنامجا تفصيليا مكتوبا ومعدا منذ فترة، تتم تعبئة الشعب حوله. ولكن بروز الشعارات الرافضة لنظام الطغيان والاستبداد، والمطالبة بالديمقراطية والعدالة، هي في حد ذاتها برنامج متكامل، حتى وإن طرح بدون تفصيل. فشعارات التغيير تظل دائما بمثابة العناوين الرئيسة لتفاصيل البرنامج البديل، والذي يكتسى لحما وشحما في خضم الحراك الجماهيري، وتفاعلات النشطاء السياسيين كما حدث في ميدان التحرير في القاهرة وشوارع تونس. ولقد أسهبنا في تناول قضية التحول الديمقراطي، باعتبارها البند الأول والمحوري في برنامج التغيير البديل، وباعتبار أن الديمقراطية هي المدخل الوحيد لتصفية نظام الطغيان والاستبداد، وإقامة البديل الذي يفتح الأبواب لتحقيق وتجسيد شعارات التغيير وأماني الشعوب.
معظم بلدان أفريقيا والعالم العربي، نالت استقلالها قبل ما يزيد أو يقل قليلا عن نصف قرن من الزمان. لكن أغلبية هذه البلدان تعاني حتى اللحظة من تعثر مشروع بناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية، دولة القانون والمؤسسات، القائمة على المشاركة العادلة في اقتسام السلطة والثروة بين مختلف المكونات القومية والإثنية والجهوية في البلد، في إطار الممارسة السياسية الديمقراطية التي تعالج قضايا الهوية وعلاقة السياسة بالدين والطائفة والقبيلة.. الخ. إن هذا التعثر تتحمل مسؤوليته القوى السياسية والاجتماعية التي اعتلت دست الحكم في هذه البلدان عقب الاستقلال، وفشلت في التصدي للمهام التأسيسية للدولة الوطنية المستقلة، وتركتها مؤجلة ومتراكمة دون حل، ولم تهتم إلا بمسألة بقائها واستمرارها في السلطة، منتجة أنظمة الاستبداد والطغيان. وكنا في مقال سابق، قد أشرنا إلى أن عدم التصدي للمهام التأسيسية لبناء الدولة الوطنية السودانية عقب الاستقلال، وما ظل يفرخه الواقع الراهن من تأزم جديد ومتراكم على صعيد العلاقة بين المركز والمكونات القومية المختلفة، وعلى صعيد الفشل في الممارسة السياسية ومؤسسات الحكم وسيادة القانون، تزيد من مصداقية وصف السودان بأنه يعيش حالة «دولة اللادولة» (Stateless State)، وأنه مازال في فترة انتقالية منذ استقلاله.
وبالضرورة، إذن، أن يتضمن برنامج التغيير البديل مسألة إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة وفق مشروع وطني يقوم على مبادئ النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي، ويراعي عدالة المشاركة في السلطة وفي التنمية واقتسام الثروة، ويرسخ لهوية وطنية تجمع في تكامل بين الوحدة والتنوع، وتتأسس على واقع تعدد الديانات والثقافات والقوميات في بلدان المنطقة، والذي يجب أن يكون مصدر خصب وثراء، لا سببا في صراعات دامية مريرة، كما شهدنا ونشهد في لبنان والسودان والعراق وبوروندي ورواندا والقرن الأفريقي وساحل العاج والكونغو..الخ.
إن تفجر النزاعات العرقية الدموية في بلدان منطقتنا، أدت إلى موت وإعاقة ملايين الناس، ونزيف أعداد مماثلة من العقول والكفاءات والمهارات وسواعد الشباب، بحثا عن الملاذ الآمن والمستقبل الممكن. كما أدت إلى تفكك وتفتت بعض البلدان، كالسودان والصومال، وإلى تجلي ظاهرة تراجع الأحزاب والتنظيمات السياسية والمدنية في العديد من بلدان المنطقة إلى مجموعات مرتبطة، بهذا القدر أو ذاك، بالإثنية والدفاع عن التكوينات العرقية والقومية. وهذه الظاهرة، هي أحد التجليات المباشرة لفشل بناء الدولة الوطنية الحديثة بعد خروج المستعمر، وترتبط بالفشل في تحقيق عدالة المشاركة في السلطة والثروة بين مختلف المكونات القومية والإثنية للدولة.
وفي سياق برنامج التغيير البديل، أعتقد أن هذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة متأنية دون اختزال المسألة كلها في إطار التحليل الطبقي، ودون إهماله في نفس الوقت. صحيح أن الإثنية تعكس حالة الاضطهاد القومي في حين تعبر الطبقية عن الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي لهذه المجموعات، لكن تظل العلاقة بين الاثنين هي علاقة ارتباط جدلي. نقول ذلك دون أن نغفل أنه في كثير من الحالات، وفي سياق تاريخي محدد، يحتل العامل الإثني بالنسبة للقوميات المقهورة والمضطهدة موقع الأولوية بالنسبة لسياسات التعبئة والتحالفات في بلدان التوتر العرقي.
وحديث قادة أنظمة الاستبداد والطغيان في المنطقة، ومن ضمنهم قادة الانقاذ، عن تبنيهم لاقتصاد السوق الحر، هو مجرد فقاعات هوائية ولا صلة له بالواقع. وهو حديث يدخل في باب الاستجداءات والتوسل أمام عتبة الرأسمالية العالمية ومؤسساتها التمويلية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يدخل في باب تقديم الإغراءات بوضع الاقتصاد الوطني في موضع التبعية بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي العالمي. فباحتكارها وسيطرتها على الاقتصاد والسياسة، تكون هذه الأنظمة قد خرقت شرطا أساسيا من شروط اقتصاد السوق الحر، وهو الليبرالية السياسية التي توفر المؤسسات المحاسبية وتطرح شعار المنافسة للجميع. لقد ظل طواغيت مصر وتونس وليبيا واليمن، يتعاملون مع ثروات وخيرات بلادهم وكأنها ملك شخصي، أو كأن هذه البلدان هي ضيع، أرضها وما عليها وما في باطنها، موروث لهم ولآلهم وبطانتهم. وهكذا، كلنا شهدنا، والأسى يعتصر القلوب، كيف أن الثروة والسلطة حكر على قلة لا يقلقها أن يبز سيف الإسلام القذافي شهريار، ولا أن يرث جمال وعلاء مبارك عرش وثروات مصر، ولا أن تمتلك زوجة الرئيس القصور وتتربع، بين لحظة وضحاها، على قمة أغنى أغنياء البزنس..!!
أنظمة الاستبداد والطغيان كرَّست لحالة فساد عامة ومرعبة طالت كل شيء في البلد. لذلك، في صلب البرنامج البديل الذي طرحته ثورات الشعوب، نجد استرداد المال العام المنهوب، وكشف ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من سدنة نظام الطغيان، وفي نفس الوقت وضع آلية جديدة ضد الفساد واستغلال المال العام، وضد استغلال السلطة للمصلحة الخاصة ولمراكمة الثروات. ولعل الوقود الوحيد لتشغيل هذه الآلية حتى تعمل بالكفاءة المطلوبة، هو الديمقراطية والشفافية والمحاسبة وتسييد حكم القانون. ومن ناحية أخرى، فإن نظام الطغيان والاستبداد، كثيرا ما يدعي تبنيه لبرامج اقتصادية وخطط للتنمية، دائما ما تسقط في أول اختبار يتعلق بمعيشة الناس. فهي بدلا من رفع المعاناة عن كاهل المواطن، تضاعف من ضغطها عليه واستنزافه لدرجة الموت المبكر. وأعتقد أن من الأسباب المباشرة لانتفاضة الجماهير في مصر وتونس واليمن، الضائقة المعيشية الخانقة، مع تدني الخدمات الضرورية وتفشي الأمراض وسط السواد الأعظم من السكان. وحتى ليبيا، ذات الموارد البترولية العالية، فإن تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية فيها، كان من ضمن الدوافع الرئيسية لثورة شعبها. أما الوضع في السودان، فلا شك أنه أسوأ بكثير. فمنذ أيامه الأولى، وجه نظام الانقاذ ضربة اقتصادية قاتلة للبرجوازية الوطنية التقليدية، وطردها من السوق مقابل فتح الأبواب على مصراعيها أمام صعود شرائح الطفيلية الجديدة وأثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام، ليسيطروا على كل شيء، الاقتصاد والسياسة، مما زاد من حدة التوترات القومية والعرقية في البلاد، وفاقم من أثر انعدام المقومات الأساسية للحياة، ومن تفشي المجاعة واستجداء قوت الطعام وانهيارات الطبقة الوسطى، وانعدام الأمن والأمان، والطفولة المتشردة وتحطم الأسر وتفسخ النسيج الاجتماعي، وجعلت قطاعات واسعة من الناس مهمومة بالبحث عن قوت يومهم، لهم ولأسرهم، بعيدين عن التفاعل الإيجابي النشط مع ما يدور في السياسة وقضايا الوطن، رغم أنهم يلعنون ويدعون على طفيلية الإنقاذ صباح مساء..!!
البديل الاقتصادي ينطلق من أن أية محاولة لبناء الأسس الاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية في البلد المعين، تتطلب تطوير قدرة البلاد وربطها بقوة العصر، وتوسيع التعاون الاقتصادي العلمي والتقني مع البلدان الأخرى بما في ذلك الإقدام الجرىء على جذب رؤوس الأموال ومصادر التمويل الأجنبي ومنجزات العلم والتكنولوجيا في البلدان الأخرى. ولكن طالما أن نظاما اقتصاديا اجتماعيا معينا يسود الجزء الأكبر من العالم، وطالما أن التطور الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك لا يمكن أن ينعزل عن الاقتصاد العالمي، وطالما أن البلدان الرأسمالية تتمتع بمستوى معيشة أعلى على قاعدة تقدمها التاريخي في التطور الصناعي وفي معدل انتاجية العمل، وطالما أن هذا المستوى المعيشي الاعلى مرتبط بنمط استهلاك معين.. سيبقى هناك ضغط قوي يدفع باتجاه تقليد هذه الانماط وإشاعتها داخل أية تجربة تؤسس للعدالة الاجتماعية في بلداننا.
وما نود قوله هنا أن استخدام آلية السوق لا يتعارض بشكل مطلق مع محاولات تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية في بلداننا، شريطة الانتباه إلى عدد من العناصر، أهمها:
1/ السماح بتعدد أشكال الملكية: عامة، خاصة، تعاونية، مختلط، رأس مال أجنبي...الخ، مع ضمان استقلالية النشاط الاقتصادي لجميع منتجي البضائع بغض النظر عن اشكال الملكية، والاسهام في ضمان المنافسة السليمة والنزيهة بينهم، ومع فصل وظائف إدارة الدولة عن الممارسة الاقتصادية المباشرة.
2/ إزالة احتكار الدولة، وليس تخليها، في مجال الانتاج ونشاط المصارف، التأمينات، التجارة، وفي نفس الوقت الابقاء على احتكار الدولة في المجالات الحيوية الرئيسية كالاتصالات والطاقة ووسائل النقل الرئيسية...الخ.
3/ تأمين رقابة اجتماعية وحكومية لضمان التقيد بالقوانين وضبط علاقات السوق، بما في ذلك تدخل الدولة لحماية الحقوق المكتسبة للمواطنين خاصة في مجالات العلاج، السكن، التعليم...الخ.
4/ ضمان مصالح الدولة في الاقتصاد العالمي، وفي نفس الوقت توفير طرق النشاط الاقتصادي الخارجي مما يجعل العملة قابلة للتحويل...الخ.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1328

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.الشفيع خضر سعيد
د.الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة