المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
صلاح شعيب
هل تحقق الحركات المسلحة منفعة لدارفور بغير وحدتها؟ا
هل تحقق الحركات المسلحة منفعة لدارفور بغير وحدتها؟ا
05-17-2011 05:14 PM

هل تحقق الحركات المسلحة منفعة لدارفور بغير وحدتها؟

صلاح شعيب
[email protected]

ما من شك أن هناك تمايزات آيدلوجية، وسياسية، وقبلية، تحكم نشاط حركات دارفور المسلحة. وتلك ليست هي المشكلة، فدارفور ليست هي الحيز الجهوي المعلوم فحسب، وإنما هي صورة مصغرة لفسيفساء السودان المتنوعة، والمجبولة على الإختلاف الذي وسمه تاريخيا. بيد أن المشكلة الأساسية التي تبدو للحريصين على السودان ودارفور معا هي أن طول الأزمة وعمقها ولد لدى الحركات المسلحة إهمالا للسعي الصادق نحو توحدها عبر الرؤى المشتركة، مع الإحتفاظ بطابع تمايزاتها المذكورة.
لسنا في حاجة لإبراز تلك التمايزات التي أظهرتها لنا تجربة الحركات المسلحة. وفقط يكفي النظر إلى أسماء الحركات التي نشأت بعد إتفاق ابوجا، وكذلك التي إنبثقت منها. ولقد أصبح تشظي الحركات أمرا سهلا يتم من خلال تطاير بيانات التكوين الجديدة نحو الناس، كما تطاير أوراق الشجر نحو سطح الأرض.
نحن نعرف، بطبيعة الحال، أن هذه الحركات جاءت للوجود بسبب أزمة المركز الخانقة، وبالتالي هي تسعى ـ كما إتضح من خطاباتها وأخبار التفاوض ـ لتحقيق مطالب جهوية قبل السعي لإصلاح المركز الذي خلق الأزمة. ونعرف، أيضا، ان تلبية المطالب الدارفورية لا يعني، بأي حال من الأحوال، نهاية الكفاح المسلح وإنفراش الطريق بالورود والرياحين أمام الموقعين على الإتفاقيات مع الحكومة. فأمامنا تجربة إتفاق ابوجا التي أعطت حركة تحرير السودان، جناح مناوي، باليمين ما اخذته لاحقا بالشمال. فمن ناحية جاء تطبيق الإتفاق في ظل غياب كامل للأسس الشفيفة التي تحكم الدولة، وبالتالي ظل التعامل مع ذلك الإتفاق كتعامل السلطة مع دستورها الذي تنتهكه عند كل صباح ومساء. وإذا كان ذلك هو مصير (دستور الحكومة) فما معنى، أو جدوى، أو مصير، أي إتفاق مع حركة مسلحة تجبر الحكومة لتلبية مطالبها الجهوية.
أما من الناحية الأخرى فإن إقتران مطالب الحركات المسلحة بمطالب تعزيزية قومية لم يكن واردا في مفاوضات أبوجا والدوحة، وذلك بالمقارنة بمفاوضات نيفاشا، حيث فيه تحققت مطالب الجنوبيين الجهوية عبر فرض المطالب القومية، ومع ذلك لم تحقق نيفاشا إلا بعض المطالب الجهوية للإخوة الجنوبيين عند لحظات التطبيق.
إذن فإن الحركات المسلحة الدارفورية، متفقة الشكل أو متشظية المضمون، لا تستطيع أن تحقق شيئا لدارفور والسودان في حال إقتصار مطالبها على الوظائف، والخدمات، التي تنعم بها دارفور إن لم تنتبه إلى المطالب القومية، وفرضها على سطح طاولة التفاوض. فدارفور التي لم تناد حركة بإنفصالها ستظل جزء من السودان. إنها ستتأثر بأعطاب الممارسة السياسية شأنها شأن الأقاليم الأخرى، حتى وإن وجدت ما فقدته عبر إتفاق جديد توقعه الحركات مع الحكومة.
ثم ماذا عن الضمان والضامن؟ الواقع أنه لا يمكن أن يكون هناك ضمان لأي إتفاق ما لم تصطحب الحركات المسلحة تجربة نيفاشا. فالحكومة ـ وهذا لا يختلف حوله إثنان معارضان ـ غير راغبة أصلا في التنازل عن سلطاتها سواء وقع ممثلوها على إتفاق حقوق جديد أو لم يوقعوا. ولا يتخيل المرء أن هذا الأمر يفوت على فطنة قادة الحركات المسلحة التي تفاوض في الدوحة، وخصوصا الإخوة بالعدل والمساواة الذين يدركون تماما أن آيدلوجيا الحكومة جاءت لتبقى، وأنه مهما إتفقت مع الآخرين فإنها في حل من أي إتفاق يضعف قبضتها على السودان، مركزيا، وإقليميا.
صحيح ان الحركات المسلحة مطالبة بالتفاوض مهما كان فهمها العميق لطبيعة الحكومة، كما أنها ظلت مجبورة، تحت وطأة الضغط المحلي والإقليمي والدولي، للتوصل إلى إتفاق للأزمة التي قضت على وحدة وتجانس دارفور، بل وكلفت الإقليم الكثير من الخسائر في الأرواح الدارفورية، وغير الدارفورية. ولكن تلك الضغوطات، لا تعني، بالمطلق، ألا تكون للمطالب القومية ـ بالإضافة إلى الضمانات ـ حضورا في طاولة التفاوض.
والشئ الذي لا بد من تأكيده أن دولة المؤسسات الغائبة والتي تنفذ مع مستضعفين في المركز إتفاقا لرد مظالمهم، وهم الذين وضعوها في هذا الحرج الدولي وكادوا أن يطيحوا بها، ستبقى قادرة على الإلتفاف على الإتفاق ذاته. ويمكنها، أي هذه الحكومة، بما ملكت من مراوغة، إلى طرد (المتفق معهم الجدد) من قصورهم تحت مرأى ومسمع الدول الراعية للإتفاق، إقليمية كانت أم دولية.
وأتذكر أنني كنت قد إنتقدت السيد مناوي بلا هوادة حين وقع إتفاق ابوجا، وقلنا إنه لن يستطيع أن يكون زعيما لدارفور ناهيك عن كونه قائدا لتحرير بعض السودان وليس كله، ودارت الأيام لتؤكد صحة دعوانا. فالسيد مناوي تنصب بلا سلطات، وفي ظل غلبة لشركائه الذين يملكون أمر حمايته في الخرطوم برغم ظاهر الحماية التي يتدثر بها عبر حراسه. ولأن إتفاق ابوجا لا يعني شيئا للحكومة ولأنه ظل عبئا ثقيلا عليها، فقد جردت مناوي من كل صلاحياته، وحين ضمنت إتفاقها مع كيري الذي جاء ليطلق يدها في دارفور مقابل تسهيل إنفصال الجنوب، قلبت على رئيس السلطة الإنتقالية ظهر المجن، وما أيام معدودة إلا وإستهدفت مناوي وقواته عسكريا ثم جاءت بأفراد من حركته نفسها ليكملوا ما بدا إنه إلتفاف في وضح النهار على إتفاقية أبوجا.
والحال هذي، وجدنا أن الإخوة بحركة التحرير والعدالة، بعد أن وصلوا إلى نهايات التفاوض مع الحكومة بالدوحة، تفرقوا أيدي سبأ، وصار كل طرف يؤكد أنه أصل الحركة وفصلها. والآن تبدو أن هناك هرولة نحو الخرطوم لتكرار تجربة ابوجا، بينما تقف المحادثات بين العدل والمساواة والخرطوم محلك سر. وعليه نحن لا نخشى على دارفور من شئ خشيتنا أن أبنائها قادة الحركات المسلحة لم يتعلموا من الدروس السياسية حتى يدركوا أن التفاوض الإنفرادي مع الحكومي، مهما كانت المغريات المبثوثة في تناصيص مسودات الإتفاق، لن تخلق حلا نهائيا للأزمة.
إن خيارنا الآن هو خيار قادة الحركات بأن السلام هدف إستراتيجي بالنظر إلى تضاعف معاناة أهل دارفور كل يوم. غير أن ذلك السلام ينبغي أن يقوم على أسس متينة، وليس من أجل تقديم تنازلات تعيد الناس إلى المربع الأول الذي إنطلقت فيه الحرب. ولذلك لا نملك إلا دعوة قادة الحركات إلى الإحساس بمعاناة أهلنا في دارفور والتوحد ولو على حدود خوض التفاوض الجماعي. وإذا كان إنسان دارفور هو الهدف فيبقى ضروريا السعي لتكوين جسم سياسي واحد تذوب فيه تلك التمايزات الآيدلوجية، والسياسية، والقبلية. وهذه ليست أمنية بلا أساس بقدرما أن واقعي القضية والسودان يفرضان وجود جبهة دارفورية قوية وراكزة، وتقوم على الإتفاق بين مكونات أهل دارفور جميعهم لدفع السلام العادل. هذا هو الطريق الوحيد الذي يضمن لدارفور إعادة الإستقرار فيها وترميم نسيجها الإثني والإجتماعي.
وبغير هذا التوافق على أجندة تهتم بإنسان دارفور، فإن أدوار الحركات المسلحة المتنافرة ستكون بلا جدوى مهما عبرت بعض محاولاتها الإنشائية عن المظالم الفادحة التي عانى منها إنسان دارفور. إن الأهل في دارفور لا يريدون الآن خطبا رنانة، أو مانيفستو، عن الخطط التي ينوي المعارضون الدارفوريين، سلميين وعسكريين، تطبيقها إذا أمكن لهم الوصول إلى السلطة، فأهل دارفور يريدون وجود إتفاق وسط الحركات المسلحة وكفى.
إن المهمومين بالشأن الدارفوري يثمنون إتفاق عبد الواحد ومناوي، ويأملون في الوقت نفسه أن يتوحدا في المستقبل القريب، وأيضا أن يؤسسا لاحقا مشروعا لتوحيد كل حركات دارفور، خصوصا وأنهما أكثر القادة الذين أدركوا فداحة العمل الإنفرادي لتحقيق مصالح الجماعة في دارفور.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1607

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صلاح شعيب
صلاح شعيب

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة