المقالات
السياسة
الهوية السودانية -1
الهوية السودانية -1
11-08-2015 11:19 AM


تهدف هذه المقالات إلى تسليط الضوء على الهوية السودانية ولجنة الهوية تناقش الآن هذا موضوع بقيادة - العالم المأمون على الهوية - بروف على عثمان. وسنتناول ذلك من خلال تسليط الضوء على اسم السودان عبر العصور متى وعلى من أطلق؟ هل هنالك صلة وقواسم مشتركة بين السكان الذين عاشوا في حدود السودانيين الحالي منذ أكثر من خمسة ألف سنة؟ وهل من المملكن الحديث عن أمة سودانية عبر العصور؟
الهوية السودانية تعني ببساطة إنتماء السكان إلى السودان في حدوده الحالية، أي أن الفرد يُعَرَّف بأنه سوداني ينتمي إلى الأمة السودنية، وهذا الانتماء يضعف ويقوى بعوامل كثيرة لعل أهمها إحساس المواطن بتراثه وادراكه للعلاقة بينه وبين بقية المواطنين. ونبدأ الحديث عن الهوية بتسليط بعض الضوء على أسم السودان.
اسم السودان: السودان هو صيغة الجمع لكلمة أسود، فأسود في اللغة العربية تجمع - كما يقول ابن منظور (لسان العرب ج 3 ص 224 و467) على " سُودٌ وسُودانٌ" كما تجمع كلمة "ولد على وِلدان". فدلالة كلمة سودان في اللغة العربية تعني السكان ذوي البشرة السوداء. ويرى الكثيرون أن اسم السودان ظهر بعد القرن السابع الميلادي عندما دخل العرب شمال افريقيا وأطلقوه على السكان السود في افريقيا جوب الصحراء الكبرى. وهذا صحيح لكنه يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تاريخ كلمة السودان.
مرت كلمة السودان بثلاث مراحل. المرحلة الأولى ترجع إلى ما قبل ظهور اسم كوش وإطلاقه - كما ورد في الآثار المصرية القديمة - على سكان السودان منذ الألف الثالث قبل الميلاد. (فيما يتعلق بكوش انظر لكاتب المقال موضوعات عنها نشرت على موقعي سودانبيل والراكوبة في يونيو ويوليو 2015) فقد كان للمصريين علاقات متصلة منذ قيام دولتهم في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد بسكان المناطق الجنوبية المجاورة لأسوان، وأطلقوا على أولئك السكان اسم نحسيو أو نحسي.
وكلمة نحسيو أو نحسي في اللغة المصرية القديمة تعني في اللغة العربية "أسود"، ومنها أتى- كما يرىعبد العزيز صالح - اسم بانحسي، وخرج به العبرانيون ونطقوه فنخاس. وقد ذكرسليم حسن أن المصريين أطلقوا اسم نحسيو في عصر الدولة القديمة (بين القرنين 27 - 22 ق. م.) على سكان المناطق الوافعة على حدودهم الجنوبية. وورد في آثار الملك المصري سنفرو - في عصر بناة الأهرام نحو عام 2610 ق م - على حجر بالرمو أنه قام "بتخريب بلاد النحسي Ta-Nehesi" [أي السود]. وجاء في منشور دهشور في عصر الأسرة السادسة (22 - 24 ق م) أن النحسيو كان يعملون في الشرطة المصرية. (سليم حسن، تاريخ السودان المقار إلى عهد بيعنحي ص 45 و 66-67 وعبد العزيز صالح، تاريخ الشرقالأدنى القديم. ج 1 ص 150)
فاسم السود أو السودان أطلقه المصريون القدماء - كما جاء في آثارهم - منذ القرن السابع والعشرين قبل الميلاد على سكان البلاد التي تقع جنوبيِّ بلادهم، أي أطلقوا اسم السودان على بلدنا الحالي. وربما كان إطلاق الاسم سابقاً للقرن السابع والعشرين، فليس هنالك ما يمنع أن يكون المصريون القدماء أطلقوا هذا الاسم منذ بداية قيام دولتهم في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد. وذكر سليم حسن أن المصريين توسعوا في إطلاق هذا الاسم منذ عصر الأسرة الثامنة عشر (القرن 16 - 14 ق م) على طول حدودهم الجنوبية على النيل والصحراء الشرقية، كما أطلقوه أحياناً بصورة عامة على سكان بلاد بنت في منطقة القرن الافريقي.(سليم حسن ص 81)
ورغم ان سليم حسن ذكر ان اسم نحسي (السود) قد توسع انتشاره منذ عصر الأسرة الثامنة عشرة إلا أن اسم كوش كان له وجود واضح وسائد في آثار هذه الأسرة، ويبدو أنه بدأ يحل محل اسم نحسيو. وظل اسم كوش حياً حتى بعد نهاية العصرالفرعوني، فقد استخدم مع بداية دولة كوش الثانية في القرن الثامن قبل الميلاد حيث أتخذ أول ملوكها لقب الكوشي.
وبدأ ت المحلة الثانية من مراحل اسم "السود أو السودان" عند اليونانيين الذين بدأت صلاتهم بافريقيا في النصف الأول من الألف الأخير قبل الميلاد. فقد أطلقت المصادر اليونانية على سكان افريقيا جنوب الصحراء اسم "اثيوبيين". وكلمة أثيوبيين في اللغة اليونانية تعني في اللغة العربية "السود". وكانت لليونانيين ثم للبطالمة ثم للرومان علاقات مع مملكة كوش الثانية في العصرين النّبَتي والمروي. وكانوا يرجعون إلى مملكة كوش الثانية باسم اثيوبيا "أرض السود" وإلى سكانها بالاثيوبيين "أي السود أو السودان" فأصبح اسم السود علماًعلى أهل مملكة كوش الثانية حتى دخول العرب مصر.
وتبدأ المرحاة الثالثة باستخدام العرب عندما دخلوا مصر في القرن السابع الميلادي الاسمين اليونانيين " الاثيوبيين و اثيوبيا"ومعناهما في اللغة العربية " السود وأرض السود". فأطلق العرب على سكان افريقيا جنوب الصحرا "السودان"، وأطلقوا على افريقيا جنوب الصحراء "بلاد السود أو بلاد السودان". وقد ذكرنا أن كلمة "أسود" تجمع في اللغة العربية على كلمتي "سود وسودان.
وعندما دخل الأوربيون افريقيا استخدموا اسم السودان في نفس الدلالات السابقة. فأصبح اسم السودان علماً على افريقيا جنوب الصحراء وسكانها. كما أطلق سكان شمال افريقيا على سكان جنوب اصحراء "السودان والسودانيين." وأذكر انني كنت في المملكة المغربية عام 1975 في دراسة ميدانية لموضوع دراستي للماجستير، فكان الأخوان المغاربة يسألونني من أين أنت؟ فأجيب من السودان. فيسألوني أمن السنغال أم من مالي؟ فأقول لهم إنني من السودان الذي يطل على البحر الأحمر. فالسودان بالنسبة لهم هو ما يقع جنوب حدودهم.
ورغم ان مملكة مقرة لم تسقط نهائياً عندما دخلها المماليك في بداية القرن الرابع عشر الميلادي، إلا أن المصادر العربية لم تعد ترجع إلى المنطقة تحت اسم مقرة بل أصبحوا يستخدمون اسم السودان. فالمقريزي (ت 1445م) ذكر أثناء حديثه عن الرياح في حوادث عام 724 هـ / 1324م: "وفيه قدم الخبر بهبوب الريح في بلاد الصعيد، وأنها اقتلعت من ناحية عرب قمولة زيادة على أربعة ألاف نخلة في ساعة واحدة، وأخرحت عدة أماكن بأحميم وأسيوط وأسوان وبلاد السودان، وهلك منها كثير من الناس والدواب." ( المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، ط 2 الخرطوم: دار المصورات 2014 ص 345)
وفي مكان آحر ذكر المقريزي:
"وورد كتاب الأمير كراي المنصوري بالشكوى من والي قوص، ومن غده قدم كتاب متولي قوص بأن كراي ظلم فلاحيه بأدفو، وأخذ دوابهم، وعمل زاداً كبير ليتوجه إلى بلاد السودان، فكتب لكراي بالحضور سريعاً، وكتب لوالي قوص بالاحتراس على كراي وأخذ الطرقات من كل جانب." (المقريزي، المصدر السابق ج 1 ص 349. موقع الوراق www.warraq.com)
ويقول الجبرتي في حوادث 1235 هـ / 1819م: " وفيه قوي عزم الباشا على الآغارة على نواحي السودان فمن قائل أنه متوجه إلى سنار ومن قائل إلى دار فور وساري العسكر ابنه إسماعيل باشا وخلافه ووجه الكثير من اللوازم إلى الجهة القلية وعمل البقسماط والذخيرة ببلاد قبلي والشرقية واهتم اهتماماً عظيماً وأرسل أيضاً بإحضار مشايخ العربان والقبائل."( الجبرتي، عجائب الآثار. ج 3 ص4 www.warraq.com)
فالسودان عند المقريزي في القرن الخامس عشر وعند الجبرتي في القرن التاسع عشر هو البلاد الواقعة جنوب مصر. ولم يحتاج الكاتبان إلى تحديد موقع السودان الذي تناولاه، لأن مفهوم السودان في الذهن المصري أصبح يعني البلاد الواقعة إلى الحنوب من حدودهم.
وهكذا فإن مواطني المنطقة الواقعة جنوبي مصر (أي منطقة السودان الحالية) قد عُرِفوا في المصادر المصرية القديمة واليونانية والعربية بالسكان ذوي اللون الأسود منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد وحتى العصرالحديث، أي قبل أكثر من خمسة ألف سنة. فهل كانت هنالك صلة أو قواسم مشتركة بين أولئك السكان؟ وهل عُرِف سكان ممالك دارفور وتقلي وسنار باسم السودان؟ سيكون ذلك موضوع حلقاتنا التالية.

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3272

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1367030 [سرور]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2015 10:21 AM
المعلومات جيدة و تاريخية ويشكر كاتب المقال عليها. لكن يجب ان لا نتلهي بهذه الفبركة التاريخية عن ما هو مطلوب الآن. قبل الإنقاذ ما كان لمثل هذا التساؤل ان يطفو علي السطح عن هويتنا كسودانيين.فنحن مواطنون سودانيون واثباتنا عليها هو المواطنة فقط ولا غير.لكي نعود لهذا الفهم المتفق عليه في السابق يجب ان نجرد السودان عن كل تعدي فرضته عليه الإنقاذ من انتماءات دينية ادت الي انفصال الجنوب عناوالي الحروب والنزاعات القائمة الآن. لا ثوابت حتي ولو كانت دينية تفرض علي قطر متعدد الديانات والأعراق والسحنات ويجب ان نعترف بضرورة علمانية السودان وان السودان هو وطن لجميع مواطنوه الذين يقطنون داخل حدوده الجقرافيه.

[سرور]

#1366694 [سودانى غيور]
5.00/5 (1 صوت)

11-08-2015 03:43 PM
المهم الخلاصة انه السودان بلد السود منذ خمسة الف سنة قبل الميلاد ومن هنا هويتنا واضحة كوضوح الشمس وما فى داعى لل بعملوا فيه بقايا الارناؤط, ومن فضلكم انظروا الى الشارع العام حتى و لوا اتونا بسوريين وحبش وارتريين ومصريين وغيرهم لا ولن يغيروا من واقع الامر شيئا, هؤلاء يريدوا ان يعطونا هوية لاتشبهنا ابدا, هوية غمستنا فى الدونية, انظر الى بناتنا فى الشارع العام بلااثتثناء سواءا اتت من الشمال او الغرب او الوسط او الشرق وفى دواوين الحكومة والبنوكة ومكاتب زين وياللعجب فى التلاف القومى اقصد التلفزيون القومى,والله من لا يشفق لبعض مزيعات التلفزيون القومى فانه انسان مريض نفسيا, واحى الكاتب على هذه المعلمات القيمة ونامل ان نعود الى رشدناونبنى دولة الكل يجد فيه ما يجعله يفتخر بسودانيته وخلونا من الجرى وراء السراب (القروش ال ضاعت فى الكريمات كانت كفيلة ببناء مدارس ومستشفيات)

[سودانى غيور]

#1366620 [بين السيبل فاقد تربوي]
5.00/5 (1 صوت)

11-08-2015 12:41 PM
اسم السودان ليس عيبا وهو اطلق على مختلف العصور بمختلف اللغات عليه ولكن الاسم الجامع هو ارض كُش (كما يطلق في الانجليزية) او كوش وهو اسم عبراني يعني الأسود ايضاً!!

تصحيح: الاسم الذي اطلقه العرب على السودان هو "أرض الأساود" كما يروى قبل محاولتهم لفتح السودان وفشلهم في ذلك عسكريا

تصحيح آخر: الكوشيين اقدم من القبط بمصر واول مؤسس لدولة تدعي كميت او ارض السود ايضا بمصر وهو اول "ملك لها" وقبل اسر الفراعنة هو(الملك مينا) النوبي القديم مؤسس الدولة المصرية الاولى ثم ظهر الاقباط من اطراف ليبيا ليقطنوا الجزء الشمالي منها مع الوقت

[بين السيبل فاقد تربوي]

#1366608 [الجفلن خلهن]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2015 12:24 PM
الرجاء قراءة كتب وجوه خلف الحرب ل د الباقر للإجابة علي مشكلة الهوية في السودان

[الجفلن خلهن]

أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة