المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
سليمان حامد الحاج
المؤتمر الوطني ومقايضة الديون بالإنفصال
المؤتمر الوطني ومقايضة الديون بالإنفصال
05-26-2011 07:45 PM

المؤتمر الوطني ومقايضة الديون بالإنفصال

سليمان حامد الحاج

قبل أن يجف مداد ماجاء في تقرير وزير الصناعة عن عدم البكاء علي الأطلال بل (ننطلق من العافية إلي الأمام) كما قال لتحسين الوضع الإقتصادي ، كان أول الباكين علي حالة الإقتصاد السوداني ، بعد الجلوس علي أطلاله هو السيد هجو قسم السيد نائب رئيس المجلس الوطني . فقد تحسر علي الفرص التي أضاعها النظام . جاء في مناقشته لبيان وزارة التعاون الدولي أمام المجلس الوطني في 17 مايو 2011 ، أن السودان أضاع ورقة كان يمكن أن يضغط بها المجتمع الدولي في قضية التعاون وإلغاء الديون . وتتمثل ورقة الضغط هذه في الإستفتاء في الجنوب والإعتراف بنتائجه ، وأكد أن النظام لو تمسك بإلغاء الدين مقابل الإستفتاء والإعتراف والقبول بالدولة الجديدة لكان أفضل ، ووصف الحكومة بأنها (ممطوحة) في قضية الديون . واستبعد قيام المجتمع الدولي بالإعفاء خلال الأعوام المقبلة .

تصريح السيد هجو يكشف عن سياسة المؤتمر الوطني التي لايسندها أي وازع وطني أو حرص علي وحدة البلاد ، عكس ذلك ، فأنها تؤكد استعداده لبيع السودان مقابل مليارات الدولارات التي تصب في نهاية المطاف في جيوب حفنة من أثرياء الرأسمالية الطفيلية القابضة علي مفاصل الدولة وخدامها وحراس نظامها . وإلا فما معنى أن يقايض الإستفتاء والقبول بإنفصال الجنوب والإعتراف بالدولة الجديدة مقابل إعفاء الديون ؟

السيد هجو قسم السيد قبل أن يصبح نائباً لرئيس المجلس الوطني ، وهو منصب يلم من يجلس فيه بأدق أسرار الدولة ، كان في المجلس الوطني السابق في منصب لايقل أهمية عن الذي يتسنمه الآن. ولهذا فهو لم يكن بعيداً عن العلم بقرار الإدارة الأمريكية الذي أكد بأن إعفاء الديون أو إعادة النظر في أمر جدولتها أو غيرهما من الحلول تقف أمامه الكثير من العقبات السياسية والمالية . وفوق ذلك كله فإن الإستفتاء ونتائجه أمر متفق عليه منذ العام 2005 في إتفاقية السلام الشامل التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان المؤقت لعام 2005 .

لقد عبرت كافة القوى الوطنية عن ضرورة إيجاد تسوية تستهدف إقامة نظام حكم ديمقراطي يعترف من جهة بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير وجعل الوحدة هي الخيار الأفضل خلال الفترة الإنتقالية ، وهذا لن يتم إلا علي أساس قيم العدالة والديمقراطية وإحترام الحقوق الأساسية وحريات الأفراد ومراعاة التنوع داخل الحياة السودانية والتقسيم العادل للثروة والسلطة والتنمية المتوازنة .

إلا أن المؤتمر الوطني فعل عكس ذلك تماماً ولازالت العديد من بنود الإتفاقية ضمن القضايا العالقة ، ولهذا فهو يتحمل الوزر التاريخي المخزي لإنفصال الجنوب . وفي ذات الوقت يتحمل المسؤولية التامة لقيام حرب ، تبدأ صغيرة في أبيي لتتحول إلي حرب أهلية شاملة ، إذا لم يتم الإتفاق علي ترك قرار مصير أبيي إلي أهلها كما نص بروتوكولها ، وأن يلتزم الشريكان بتنفيذ ماجاء فيه درءاً للحرب .

ومع ذلك وبالرغم منه ، فإن القضية لا تعالج بهذه البساطة ، فالمؤتمر الوطني عقد قضايا البلاد كلها وجعل حلها عصياً علي الإتفاقات الثنائية وكل سيناريوهات الخداع والمكر التي أتبعها طوال سنوات حكمه ، حتي أصبحت البلاد تدار من خارجها ، فمن لايملك قوت يومه لايملك قراره ، وهل أدل علي ذلك مافرضه مجلس الأمن علي الحكومة أن توافق علي إبعاد أحمد هارون من المنطقة وعدم مشاركته وهو (الوالي) لولاية جنوب كردفان في الإجتماعات عند زيارة مجلس الأمن لها لأنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ، وإلتزام وزارة الخارجية بتنفيذ هذا الطلب . أليس قبول الحكومة هذا إعتراف بالجرائم التي إرتكبها . وهو إقرار ضمني بأن القائمة التي ورد إسمه فيها ينطبق عليها ذات الشرط إذا زار مجلس الأمن العاصمة القومية علي سبيل المثال .

سياسة المؤتمر الوطني منذ إستيلائه علي السلطة لم تخرج من إطار الديون والقروض والمنح والضرائب والجبايات والفساد بنهب أموال الدولة ، وعندما يقترب الإقتصاد من حافة الإنهيار ينحصر التفكير كله في إعفاء الديون كما هو حاصل الآن .

هل فكر السيد هجو في البدائل الأخرى المتوفرة غير إعفاء الديون ؟ وهل إستطاع المجلس الوطني – وهو نائبه – أن يفكر في كيفية إعادة مليارات الجنيهات المنهوبة إلي خزينة الدولة ، وبينها نهب مقنن مثل المرتب الملياري الذي يتقاضاه شهرياً مدير سوق الأوراق المالية . أو كيف تعاد المشاريع الزراعية مثل مشروع الجزيرة وحلفا الجديدة والمؤسسات إلي سابق سيرتها الأولى قبل مجئ الإنقاذ وكانت توفر مقداراً غير يسير من العملة الصعبة .

شعب السودان يتساءل عن أين تصرف هذه الأموال وعائدها عاجز عن سداد الديون وحتي عن توفير ماء الشرب للمواطنين الذين أجبرهم الظمأ علي الخروج في مظاهرات حتي داخل العاصمة القومية نفسها ، وحدث ولا حرج عن التصاعد الجنوني اليومي لأسعار أهم السلع المعيشية .

أن معظم المنظمات والبلدان الأجنبية الدائنة للسودان تفكر ملياً في تقديم عروض جديدة وهي تقرأ وتسمع أين صرفت تلك الأموال وكيف تم تبديدها ، ولا تتوقع سداداً لها لأنها لاتصرف علي الإستثمار في الصناعة أو الزراعة بل تسلك طريقها للرأسمالية الطفيلية الحاكمة .

وعندما تصل المفاضلة حد مقايضة إنفصال الجنوب بإعفاء الديون ، فهذا يؤكد أن الأفق قد إنسد أمام الإقتصاد السوداني ووصل حائط المبكي ويوشك علي الأنهيار .

أن الفرصة التي أضاعها المؤتمر الوطني ، ليست في عدم الضغط لإعفاء الديون ، كما قال السيد هجو ، بل في إستعلائه المتعمد علي الآخرين وعدم الإستجابة لقوى المعارضة والتفاوض والتشاور معها ، رافضاً أيضاً مقترح مؤتمر قوى جوبا ، لعقد مؤتمر إقتصادي قومي تشارك فيه كل القوى السياسية حكومة ومعارضة لإعادة النظر في الوضع الإقتصادي الذي يمثل شقاً هاماً في الأزمة الشاملة للوطن .

الآن ، لاسبيل غير النضال الجماهيري اليومي المثابر والدؤوب ضد الغلاء وتصاعد الأسعار وشح الخدمات وعلي رأسها توفير مياه الشرب والإستجابة لمطالب العاملين وإعادة المشردين والحل السلمي لمشكلتي أبيي ودارفور .

هذا هو الطريق الذي يفضح ويكشف عجز النظام عن الحكم ويصبح كل الأمل في رفع المعاناة وتجنب الحرب وإستتباب السلام معقود بلواء الإطاحة به .

الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1917

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سليمان حامد الحاج
سليمان حامد الحاج

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة