المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أصحاب المصلحة في دارفور
أصحاب المصلحة في دارفور
06-05-2011 08:29 AM


أصحاب المصلحة في دارفور
عبد الجبار محمود دوسه

ما فتئت الحكومة السودانية تسعى إلى تحصين نفسها ضد إستحقاقات الشعب في نيل حقوقه كاملة واختيار نظام الحكم الذي يتواءم مع طموحاته ويلبّي مقتضيات العصر الذي نعيش فيه. العصر الذي تتفاعل فيه الشعوب والأمم داخل سفينة واحدة راسية وآمنة تُسمّى الأسرة الدولية، بينما تُكابد الحكومة السودانية في أن تُبقي على شعبها داخل مركب واهنة تتلاطمها أمواج البحر وتتقاذفها أهواء الأعاصير ودائماً خلف سفينة الأسرة الدولية.
الأزمة السودانية في دارفور هي واحدة من القضايا التي أرّقت مآقي الصغار والكبار على السواء، ليس فقط في السودان ولكن امتد الأثر ليحرّك ضمائر الملايين في شتى أنحاء العالم، ذلك أن وطأة المأساة كانت باغية بحيث لا يمكن لأي ضمير حي إلا وينبض بإن شعب دارفور على حق، وأن مطالباته مشروعة بكل الموازين العرفية والدستورية والشرعية، وأن الحكومة السودانية كانت وما زالت جائرة وقد تم تتويج كل ذلك بصدور الإتهامات على رئيس الدولة عمر حسن أحمد البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة بعد أن خلّف مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين في النزوح واللجوء. ليس مِن عاقل يمكن أن يُلقي باللوم على الضحية والمظلوم، ذلك أن الظالم هو الباديء دائماً ومن حق المظلوم أن يُدافع عن انتزاع حقوقه بالوسائل التي يتحصل عليها، وأن الوسائل العسكرية والأمنية هي دائماً وسائل الظالمين لقهر المظلومين، وليس من الحكمة أن يقول البعض بأنهم يجب أن يصعّروا الخد الأيسر بعد لطمِهِم على الخد الأيمن.
عامل الوقت والذي تلعب عليه الحكومة ومهما راكم مِن صدأ على القضية، فإن المآلات التي ستقود البشير ومعاونيه مِمَن تثبت عليهم ارتكاب جرائم ضد العزّل إلى ساحات العدالة المحلية أو الدولية، تكاد تكون مرئية لكل ذي بصر، بيد أن ذوي البصيرة قد أيقنوا ذلك منذ أمد بعيد. ذلك لا يعود إلى خصوصية في التحليل ولا تميّز في الإدراك، وإنما إنعكاس لما هو فطري لمضمون تدركونه كلكم ويقول، مِن المحال دوام الحال، والعِبر تتواتر وآخرها القبض على مرتكب الإبادة الجماعية في البوسنة بعد 15 سنة مِن المحاولات اليائسة للهروب بجريمته.
لم يبادر النظام في وقت مبكّر من الأزمة في معالجات يستهديها الرشد ويلفّها التعقّل، وهي معالجات ليس من بينها الحلول الأمنية والعسكرية، ولم يكن من الحكمة ما أعلنه النظام مِن أنَ من أراد الشراكة في السلطة أن يتأبط سيفه وينازلهم، وهو ما دعى الحركة الشعبية أن تتبنى الخيار العسكري في نزاع الجنوب، وتبع ذلك المحاولات الإنقلابية المعاكسة في الخرطوم، ثم لحق التجمّع الوطني الديموقراطي بتبنّيه لخيار السلاح مُكرهاً، ولحق بالركب المواطنون في كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وأخيراً المواطنون في دارفور. إذاً مبدأ اعتماد السلاح وسيلة، نهج اعتمدته حكومة الإنقاذ في مواجهة معارضيها، كما اعتمدته لمعارضيها نهجاً لانتزاع حقوقهم، وفي كل هذا لم آتي بمعلومة جديدة بقدرما أعيدها للذكرى. لكن في كل هذه المعادلات لم يكن الوطن بالنسبة للإنقاذ إلا منهباً ولم يكن الشعب إلا مداساً. وحيث أننا نكتب حول الأزمة السودانية في دارفور، جدير بنا أن نقول بأنه لا يقلل عدم نجاح الحركات المسلّحة حتى الآن في استخدام الوسيلة بنجاح بحيث تؤتي أكلها من حقيقة أنهم وجدوا أنفسهم تحت صلف النظام مجبرين للإستجابة لضرورات التعسكر والتسلّح التي فرضها النظام مسلكاً لمعالجة الأزمات، وإذا تصوّر النظام بأنه وحده فقط صاحب الحق في إستخدام السلاح وسيلة وأن على المظلومين أن يقولوا آمين، فهو قطعاً يدفن راسه في الرمال.
إذاً ورغم الحراك الثوري المتنوّع في المحيط الإقليمي، ما زالت الحكومة تطرح الحلول بنهجها، وتدمغ الرأي الآخر بحجبه أو جَبّه. لا تدرك الحكومة أنه عندما يقود تيار النهر المركب في مرحلة ما بسرعة مضاعفة فإن ذلك دليل على عافية بسرعة الوصول، ولكن ذلك دليل على أن المركب قاب قوسين أو أدنى مِن أن تهوى في شلّال. بساطة المثل كثيراً ما تدعو المتكبّر كما هو حال الحكومة إلى المزيد من التهكّم حتى تقع واقعته.
ظلّت الحكومة ومنذ بدء الأزمة، تقيم المؤتمرات والمنتديات التي تجمع فيها المئات من أبناء دارفور وتصبغ عليها من المسمّيات الكثير، ولعل أبرز تلك المنتديات هي مؤتمر الفاشر في 2004 وملتقيات طرابلس 2005 وملتقى أهل السودان في كنانة 2008 وملتقيات الدوحة خلال 2010 والآن ملتقى أصحاب المصلحة في الدوحة 2011، وفي كل هذه المنتديات تُسمّي الحكومة غالب من ينبغي عليهم أن يحضروها، ليس للوصول إلى معالجة شافية للأزمة ولكن لتأييدها فيما تراه معالجة للأزمة، وفي كل مرة وهي التي تملك السلطة لا تنفّذ من التزاماتها شيء، وذلك ببساطة لأنها استمرأت لعبة الزمن وقد نسيت أن الزمن غدّار.
لقد أحكمت الحكومة وأغلقت منافذ الرشد والحكمة في معالجة النزاعات، واستمرأت الإستمرارية تحت عباءة (الإتفاقيات التي تُوقّع بلا ضمانات تنفيذ) وتعلّمت بأن توقيع إي إتفاقية بضمانات قوية للتنفيذ يعني أنها ستنتهي إلى ما انتهت إليه إتفاقية نيفاشا، أي أن ينتزع الآخر حقوقه رغم أنفها ومِن ثم يتأفف عن البقاء في مستنقع تريد الحكومة له أن يكون مستمراً وآسناً بالظلم والقهر، لذلك وقّعت إتفاقية أبوجا وهي تدرك بأنها بلا ضمانات وحركة تحرير السودان التي وقّعت أيضاً كانت تدرك بأنه ليس هناك ضمانات لكنها آثرت أن تمضي في التوقيع، ربما كانت تُراهن على كثافة تواجد المجتمع الدولي الذي خذلها في أول لفة وهو أمر متوقع في ظل تلك المعطيات. ليس أبوجا وحدها هي التجربة، ولكن إتفاقية أسمرا مع جبهة الشرق، وإتفاقية جيبوتي مع الإمام الصادق المهدي، وإتفاقية جدة مع مولانا محمد عثمان الميرغني، وإتفاقية القاهرة مع التجمّع الوطني الديموقراطي، جميعها إتفاقيات إتجاه واحد، وهو تبديد وتشتيت قوى المعارضة وتعضيض قوة النظام، وبالتالي كانت المحصلة هي تمديد عمر الحكومة 12 سنة منذ إتفاقية جيبوتي 1999م.
نعود إذاً وفي جُعبتنا هذه الحصيلة من التجارب لنوفّقها مع نتائج ملتقى أصحاب المصلحة كما أطلقوا عليه، والذي انعقد في الدوحة قبل بضعة أيام فنقول ودون أن نخوض في التسمية لأنها ليست الهدف، إذا كانت حصيلة كل التجارب هي بقاء النظام على ما هو عليه من أحادية وإستخفاف بالآخر، كيف لأصحاب المصلحة أن يكرروا التجربة بإتفاق آخر لا تتوفر له أي ضمانات بالتنفيذ، هذا إذا تجاوزنا عن الحديث عن محتواه. فغياب الضمانة هو بمثابة تشييد بناء بلا أساس، وبإفتقاد الأساس يسقط الحديث عن عدد غرف البناء وأحجامها، لأن البناء نفسه آيل للسقوط من أول يوم. وقد كررنا مراراً بأن إتفاقيتنا التي تُسمّى أبوجا كانت بلا ضمانات قوية للتنفيذ لذلك سقطت. بحّت أصوات الجميع في إقناع الحكومة بأن أي تنازلات تقدّمها في سبيل السلام وبرغم أنها أصلاً حقوق، إلا أنها لا يمكن أن تغلىَ على الوطن ولكن دون جدوى. لقد قُلت مراراً وتكراراً، بل وأكثر القراء أعلم مني في ذلك وهو أنه في ظل تفكير الحكومة الحالية وإصرارها، فإن الضمانة الوحيدة لتنفيذ أي إتفاقية هي قوتك العسكرية التي ينبغي أن تتواجد في الخرطوم وقريباً من السلطة نفسها طوال فترة التنفيذ، وبالطبع نأسف جميعاً أن نصل إلى هذه القناعة المفروضة وكنا نأمل أن تكون الأخلاق هي الضامن الأول والأخير وليس القوة. والمثل البسيط الذي يدركه أي شخص والقائل (يخاف ولا يختشي) تُصر الحكومة بأن يكون هو الوسيلة الفيصل في تعاملها مع الآخر.
إزاء هذه الحقائق، لا أشك في أن الجميع يشاطرني بأن الحل الأمثل لمعالجة الأزمة السودانية في دارفور أو غيرها من مناطق السودان المختلفة، بل ومعالجة أزمة الدولة السودانية، هو في الواقع ذهاب هذا النظام. وحيث أن هذه أمنية الغالبية المسحوقة من السودانيين، فإنها لا تتحقق بمجرد خفقان القلوب بها، لأن النهج الذي ننتهجه جميعاً هو في الواقع يتبنى أضعف الإيمان كوسيلة، وهي وسيلة تأتي في ذيل وسائل إزالة المنكر. أما بالنسبة للحلول الإنتقالية التي يبحث عنها أهل دارفور مِن خلال إتفاقيات مع النظام فهي ودون تفاصيل، تتلخص في 11 نقطة هي:
1- يعود إقليم دارفور سياسياً وإدارياً بحدود 1/1/1956 م وبحكومة إقليمية تُمثّل المستوى الرابع للسلطة في السودان ولها سلطاتها القضائية والتشريعية والتنفيذية.
2- يشارك إقليم دارفور في مؤسسة الرئاسة بشغل المنصب الدستوري الثاني الذي يلي رئيس الجمهورية مباشرة.
3- يُوفّق نصيب إقليم دارفور في الوزارة الإتحادية وفقاً لحجم السكان الحالي المقدّر على إحصاء 1993 م مع التمييز الإيجابي النوعي للوزارات السيادية.
4- يُوفّق نصيب إقليم دارفور في المؤسسة التشريعية الإتحادية مع نسبة حجم السكان الحالي المقدّر على تعداد عام 1993 م مع التمييز الإيجابي الكمي والنوعي في رئاسات اللجان.
5- يُوفّق حجم تواجد أبناء إقليم دارفور في الخدمة العامة وفي المؤسسات والمفوضيات واللجان القومية والسفارات، وفي جميع مستوياتها العليا والوسيطة والدنيا وبكافة قطاعاتها المدنية والعسكرية مع حجم السكان الحالي المقدّر على تعداد عام 1993 مع التمييز النوعي.
6- تبقى الحقوق التاريخية في الحواكير والأرض مؤمّنة عرفاً وقانوناً، ويحق لجميع المواطنين الإنتفاع بالأرض والإستخدامات وفق الأعراف والقوانين.
7- تَدفع الدولة التعويضات الفردية والجماعية كاملة للمتضررين جراء النزاع وجراء ما سمّي بسوق المواسير وفق جدولة يتم الإتفاق عليها.
8- يتم تخصيص نسبة 27% من الإيراد العام للدولة لإقليم دارفور طوال الفترة الإنتقالية.
9- أن تتحقق العدالة في كل من يعترف أو يثبت إرتكابه جريمة من جرائم الإبادة أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وتُعطىَ الأولوية لتحقيق التسامح بعد استيفاء إستحقاقاته المتمثلة في الإعتراف والإستقالة والإعتذار والإقلاع وإعادة حقوق المظلومين.
10- الإتفاق على ترتيبات أمنية تشمل الدمج الفوري لنسبة 10% من قوات الحركات في المستويات المختلفة لجهاز الأمن في الخرطوم، وبقاء 50% من بقية قوات الحركات بكامل عتادها في الخرطوم طوال الفترة الإنتقالية. و40% في أبعد ولايات من دارفور، على أن يتم الدمج في الجيش والشرطة وفقاً للأعداد والجدولة التي تُفصّل فيما بعد.
11- الفترة الإنتقالية هي 10 سنوات من تاريخ دخول قوات الحركات إلى الخرطوم.
هذه باختصار هي المعالجة الإنتقالية للأزمة السودانية في دارفور في ظل غياب أي بريق أمل للمعالجة الدائمة لأزمة الدولة السودانية. أنا أدرك بأن الحكومة وهي تقرأ هذه النقاط لا شك ستزداد سخرية وكِبراً كعادتها، لما لا فالسلطة في يدها، ومفهومها الأحادي ما زال مسيطراً على ذهنها، ونور الحقيقة تُشْخِص بصرها وبصيرتها، بل وتحرقها، لذلك تُفضّل البقاء في الظلام. لكن ما بال إصحاب المصلحة في دارفور يريدون أن يقفزوا في الظلام حيث تنتظرهم الهاوية التي حفرتها لهم الحكومة رغم كل العِبر والتجارب! هم وحدهم يمكن أن يُجيبوا على هذا السؤال.
عبد الجبار محمود دوسه
04/06/2011


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 839

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#154760 [بسطاوي]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2011 08:39 AM
الي الحكومه القوميه
اوعكم اعطاء المتمردين

منصب للرئيس الناس ديل

مفتريين وقليلين ادب

مكرهننافي الجامعات

عاملين فيها اسيادبلد

اقطع وشكم الله لاجابكم


ياهمباته


#154757 [الجمري]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2011 08:34 AM
حركات دارفور00

حركات همبته ونهب

الواحد مكمكم وشوبي شال


ظاهرعليهوهمباتي كبير


عبد الجبار محمود دوسه
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة