تهدئة اللعب قبل التاسع من يوليو
06-05-2011 02:24 PM

الرأي23

تهدئة اللعب قبل التاسع من يوليو

أ.د.الطيب زين العابدين

التاسع من يوليو القادم (أي بعد 35 يوماً فقط) هو موعد إعلان دولة جمهورية جنوب السودان الجديدة في حفل دولي مشهود بالعاصمة الجنوبية. ماذا سيكون موقف أهل الشمال من ذلك اليوم الحزين بالنسبة لهم والمبهج لأخوانهم في الجنوب الذين حاربوا من أجل هذا اليوم سنوات طويلة؟ هل سنعبر عن حزننا بالمقاطعة لذلك الحفل أو بعدم الاعتراف بالدولة الوليدة أو بتخفيض التمثيل الرسمي في الحفل من مستوى رئاسة الجمهورية إلى ما هو أدنى؟ يمكننا أن نتعامل مع المناسبة مثل الأسرة التي مات عزيز لديها فتبكي وتنوح ثم تحمل جثمان الميت إلى المقابر وتنساه بعد حين من الدهر وكأنه لم يعش بينها يوماً واحداً، ويمكننا أن نتعامل معها بصورة أخرى وكأنها مناسبة زواج لإحدى فتيات الأسرة من زوج غريب أو يسكن بعيداً عن بيت العروسة لكن الزواج لا يقطعها عن التواصل مع الأسرة في الأفراح والأتراح بل سيضيف لها أعداداً من الأبناء والبنات والحفدة وعلاقة لحم ودم مع أسرة أخرى تزداد بها قوة ومنعة على نوائب الدهر. لا أظن أن هناك من يختلف على أن المصلحة الوطنية الكبرى لأهل الشمال تقتضي أن يأخذوا بخيار الزواج على خيار المأتم في علاقتهم مع أهل الجنوب مهما بلغ الشعور بالمرارة من انفصال الجنوب. لذلك أرجو أن ترسل الحكومة بأعجل ما تيسر رسالة واضحة لحكومة الجنوب يحملها مسئول عالي المقام مثل الأستاذ علي عثمان أنها ستحضر حفل الإشهار على مستوى رئيس الجمهورية مع وفد كبير من المسئولين ورجال الأعمال والإعلام ومنظمات المجتمع المدني (لا تنسوا مجلس الكنائس السوداني ومجلس التعايش الديني ومفوضية حماية غير المسلمين في العاصمة القومية)، وأن يلقي رئيس الجمهورية كلمة ضافية في الحفل يرحب فيها بمولد الدولة الجديدة ويرسم خريطة طريق مستقبلية لتعاون مثمر وتكامل بين الدولتين المتجاورتين. بل ينبغي أن ترسل الحكومة فريقاً من أهل الخبرة والصنعة والمراسم في الاحتفالات الدولية يساعدون حكومة الجنوب في الإعداد لتلك المناسبة بالقدر اللائق بها أمام الشهود الدوليين، وترسل إليهم من المواد والأجهزة ما يحتاجونه دون مقابل. وحتى لا تكون مشاركة الشمال في حفل إعلان دولة الجنوب من باب النفاق الإجتماعي الزائف لا بد من إحداث انفراج في العلاقات المتوترة حالياً بين الحكومتين وذلك بتهدئة اللعب حول القضايا العالقة إن لم تتمكن اللجان المشتركة من التوصل لحلول لها. ويعنى هذا المقال بتقديم بعض الأفكار حول تلك التهدئة المطلوبة.
أكثر القضايا الساخنة التي تحتاج إلى تهدئة عاجلة هي مشكلة أبيي وما استجد فيها من دخول القوات المسلحة وحل إدارة أبيي بصورة منفردة من قبل الحكومة. ينبغي لرئاسة الدولة وقد اتخذت تلك الخطوات الكبيرة والتي اعتبرها الطرف الآخر غير قانونية واستفزازية أن تبدأ برأب الصدع المتمثل في العودة لاتفاق كادقلي، وانسحاب القوات المسلحة وأي وجود للجيش الشعبي في المنطقة، وعودة القوات المشتركة في موقعين منفصلين وبقيادة حكيمة تستوعب حساسية الموقف، والسماح بإعادة الجنوبيين النازحين إلى ديارهم وتعويضهم عما فقدوه أو نهب منهم، وتكوين إدارة جديدة ومحايدة للمنطقة برضى الطرفين، وزيادة قوات الأمم المتحدة في المنطقة حتى تتمكن من تأمينها وحماية المدنيين فيها، وتكوين شرطة محلية من المجموعات السكانية الموجودة تخضع لتدريب مكثف. ومن المسائل الهامة معالجة قضايا الولايتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) والتي تشمل: تكوين حكومة جنوب كردفان على أساس قسمة متساوية بين الشريكين، إستكمال إجراءات المشورة الشعبية بصورة توافقية بين الحركة الشعبية أو تمديد الفترة الإنتقالية للولايتين، تحديد كيفية إستيعاب ما تبقى من قوات الجيش الشعبي في الولايتين وإدماجهم في المجتمع بصفتهم عناصر شمالية وذلك بالتفاهم مع قطاع الحركة في الشمال، قبول قطاع الحركة في الشمال كحزب شمالي وإعطاءه الفرصة لتوفيق أوضاعه تدريجيا فالحكومة لم تطلب من أحزاب البعث والناصريين والأخوان المسلمين والشيوعيين أن يقطعوا صلاتهم برئاسة أحزابهم خارج البلاد ولم تطلب منهم تغيير أسمائهم، فلماذا تفعل ذلك مع قطاع الشمال؟. تكثيف إجتماعات اللجان المشتركة للإتفاق على تصور واضح في كيفية معالجة نقاط الحدود المختلف عليها بما في ذلك تأجيل النظر فيها أو طلب تحكيم حولها، وينبغي أن تكون كل الحدود التي تتجاوز 2000 كيلو متر حدوداً مرنة تسمح بالحراك السكاني والحيواني بين البلدين، معاملة الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب على أساس اتفاقية تمنحهم الحريات الأربع (التنقل والإقامة والتملك والعمل) لكل طرف في بلد الآخر، اقتسام عائدات البترول ولو كان بالحد الأدنى للشمال الذي يعني استئجار الجنوب لخدمات البترول الموجودة في الشمال من معالجة وتكرير وتخزين وترحيل وتصدير فلا يجوز في حق الشمال وهو الدولة الأكبر أن يكون متسولاً لعائدات من البترول لا يستحقها قانوناً من دولة هشة فقيرة ما زالت تحبو! والعلاقات الاقتصادية الحسنة قد تعيد إليها الكثير مما فقدته دون أن يكون منحة من حكومة الجنوب. وحبذا لو إلتقى الرئيس البشير بالرئيس سلفاكير في الأيام القليلة القادمة واتفقا على خطوات التهدئة بين الطرفين معلنين ذلك الاتفاق من العاصمة الجنوبية ومؤكدين مرة أخرى أن لا عودة لحرب بين البلدين مهما كانت الأسباب.
إن مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والثقافي واسعة بين الشمال والجنوب لمصلحة الطرفين، فإن فاتتنا الوحدة المهدرة فلا تفوتنا صناعة السلام والجوار الحسن والتعاون الوثيق في كل ما من شأنه تحقيق المصلحة المشتركة. والخطوة الأولى في هذا الأمر تقع في ملعب الحكومة بصفتها الدولة الأم والشقيق الأكبر بل والمستفيد الأكبر أيضاً من حسن العلاقات وتعزيزها، فالجنوب في حاجة لسلع الشمال وخدماته وخبراته وموانيه البحرية كما أن الشمال في حاجة لمراعي الجنوب ومياهه وطرقه البرية والنهرية لجنوب القارة. وسيحسن ذلك كثيراً من علاقات السودان مع الدول الغربية التي يمكن أن تفيد السودان بإعفاء ديونه ورفع العقوبات الاقتصادية عنه، بل ربما تتناسى مسألة المحكمة الجنائية الدولية إن أحسن السودان معالجة مشكلة دارفور من كل أبعادها. وتستطيع حكومة الخرطوم أن تغير معادلة التوتر القائمة مع الجنوب 180 درجة لو ألجمت نفسها من التصريحات المنفعلة والخطوات غير المدروسة (فقديماً قيل إن الحسنة معطت شارب الأسد). وقد فعلت الحكومة ذلك بنجاح من قبل مع مصر وأثيوبيا وارتريا وقريباً مع تشاد، فلم لا تفعل ذلك مع الإخوة في الجنوب وهم الأولى بحكم العشرة والقربى والمصلحة المشتركة؟ لا ينبغي أن تكون مناسبة التاسع من يوليو مناسبة مأتم لوحدة انقطعت بين الطرفين بعد عشرة طويلة بل يمكن أن تكون علاقة عرس جديدة بين ذات الطرفين حتى لا يكاد يلحظ أحد أن هناك قطيعة قد وقعت بالفعل بين الشمال والجنوب!

الصحافة


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3312

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#155353 [TIGER SHARK]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2011 02:09 AM


This is kind of WISHFUL thinking \"article\" ,,,,The north and the south will never be the same again ,,,once the south got international recognition as independent state, then they will take back ABYI in a matter of days,,,we shall see


#155069 [badria]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2011 04:11 PM
هذه الحكومة موسومة بسوء الخلق. زى المرة البتمسح رجل واحدة و تخلى التانية ما ممسحة عمدا ولما الناس ينبهوها عشان تمسح التانية تهيج فيهم و تقول ليهم دخلكم شنو بى رجلى أنا عاوزة كده. نصيحتك دى بتدخل من أضانهم دى و تطلع بالتانية كان ما قاموا و لحقوك القراى.


#155038 [ود الخضر]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2011 03:32 PM
ماتتصوره يابروف و ماتقترحه يخص الحكومتان المؤتمر الوطني و الحركه الشعبيه و لايعني الشعب السوداني الواحد جنوبا و شمالا في شئ طال الزمن ام قصر الوحده راجعه راجعه قويه منتصره راسخه انشاء الله و الي مزبلة التاريخ الفاسدين شمالا و جنوبا محدودي الفكر .


الطيب زين العابدين
الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة