المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
التفكير الجماعي و خطورته
التفكير الجماعي و خطورته
07-05-2010 08:14 PM

التفكير الجماعي و خطورته

رشيد خالد إدريس موسي
[email protected]

التفكير الجماعي Group think هو ضرب من التفكير تنتهجه جماعة من الناس, و يوجه سلوكها, و تعتمد عليه في إتخاذ القرارات المصيرية,سواء علي مستوي الحزب الحاكم, أو علي مستوي إدارة الشركات و المؤسسات. و يعد علماء النفس الإجتماعي هذا النوع من التفكير, مرض إجتماعي, بسبب خطل هذا الضرب من التفكير و خطورة القرارات التي تبني عليه و تتخذها هذه الجماعة.
و من أعراض التفكير الجماعي :
1/ الإعتقاد بعدم تعرض الجماعة للخطأ.
2/ رفض الرأي الآخر.
3/ تبرير القرارات بشكل عقلاني, حتي و إن كانت خاطئة.
4/ عدم تقبل الآخرين.
5/ التمسك بالممارسات غير الصحيحة.
لقد عمل عدد من الباحثين في علم النفس الإجتماعي, علي دراسة و تحليل بعض القرارات التي إتخذتها بعض المجموعات, في مواقع مختلفة و في أزمنة مختلفة, و نتج عنها أخطاء فادحة, علي مستوي الدول و الشركات. و من ذلك :
1/ ما إتخذه مجلس الأمن القومي, في الولايات المتحدة الأمريكية, في عهد الرئيس كيندي, من قرار بدعم و تشجيع (1400) مهاجر كوبي, علي غزو كوبا, أملاً في إلتفاف الشعب الكوبي حولهم, و الإطاحة بنظام الرئيس فيدل كاسترو . لكن كانت النتيجة, مقتل هؤلاء المهاجرين و أسر بعضهم في خلال ثلاثة ايام, و فشل خطة الغزو.
2/ ما إتخذه الرئيس المصري جمال عبدالناصر, من قرار بدخول الحرب في يونيو من عام 1967م , رغم علمه بتخلف الجيش المصري عن الجيش الإسرائيلي, و رغم التقارير التي رفعها إليه القادة العسكريين, و رغم تحذير الملك حسن , ملك الأردن له , بالا يدخل في تجربة يسعي البعض إلي توريطه فيها. و لكن رغم هذه المحاذير, دخلت مصر الحرب, و كانت النتيجة, هزيمة مصر في خلال ثلاثة أيام فقط. بعد أيام , إعترف عبدالناصر بهذه الحقيقة, و أفاد أصفياءه, أن مصر لا تملك غير خمسون جندي صالح للقتال. ( محمد أحمد محجوب – الديموقراطية في الميزان).
3/ ما إتخذته القيادة العراقية من قرار بغزو الكويت, في الثاني من أغسطس عام 1990م, مدفوعة بوهم القوة , و دون إدراك لعواقب هذا القرار, الذي ترتبت عليه أحداث جسام في المنطقة العربية بأسرها, و دفع الشعب العراقي الثمن غالياً, كما نعايشه.
4/ و علي مستوي الشركات, نتج عن خطل التفكير الجماعي, خسائر هائلة, بل دمار لبعض الشركات, و خروج بعضها من السوق, و من ذلك , ما إتخذته إدارة شركة آبل الأمريكية , المصنعة لأجهزة الكمبيوتر الشخصي في منتصف الثمانينات, من قرارات إستيراتيجية خاطئة , بشأن المنافسة مع بعض الشركات الأسيوية. لقد أدت تلك القرارت الخاطئة, إلي هزة عنيفة لهذه الشركة, لم تستطع بسببها الصمود في وجه المنافسة, و كانت النتيجة خروجها من السوق.
و في بلادنا, يبدو التفكير الجماعي , واضحاً في بعض القرارات الإستراتيجية التي إتخذتها الحكومة بشأن بعض القضايا المصيرية , و من ذلك :
1/ ما إتخذته الحكومة من موقف حول الغزو العراقي للكويت, رغم الخطأ الفادح الذي وقع فيه النظام العراقي, و ما ترتب علي موقف الحكومة وقتها من نتائج عكسية تضرر منها البلد كثيراً. لم يكن موقف النظام الحاكم عقلانياً, إذ بني موقفه من هذه الأزمة في ضوء علاقته مع الحكومة الأمريكية , التي ناصرت الكويت ضد العراق.
2/ ما إتخذته الحكومة من قرار بشأن الصراع الذي كان يدور في الجنوب, و سمته الحرب الجهادية, ثم عادت الحكومة و إعترفت بخطأ السياسة التي إنتهجت بشأن هذا الجنوب, و ما أدي إليه تصعيد الحرب و الحملات الإعلامية من تزايد المرارات و الإحن, و التي يتخذها الجنوبيون ذريعة لفصل الجنوب عن الشمال.
و في الجانب الآخر من المعادلة, أي المعارضة, فقد إتسمت مواقف بعض الأحزاب المعارضة بسمة التفكير الجماعي الخاطئي. و بدأ ذلك في موقف هذه الأحزاب من الإنتخابات الأخيرة, إذ دخلت هذه الأحزاب في دوامة من التردد بين المشاركة في الإنتخابات و عدم المشاركة و إضاعة الوقت في ما لا يفيد المصلحة العامة. لقد أبان هذا السلوك ضعف قيادة هذه الأحزاب و فقرها في إدارة العملية السياسية.
و في الجانب الآخر, تقف بعض الجماعات في بلادنا موقفاً سمته الغالبة, التي ينبني , هو جماعية التفكير. من هذه الجماعات, نجد من ينادي بفصل الجنوب عن الشمال, و يتفلسف بعضهم و ينادي بفصل الشمال عن الجنوب. لم يحدث في تاريخ العالم, أن إشتكي كيان قوي من جزء ضعيف و إنفصل عنه , بل أن ما يحدث هو العكس, حين تعمل الأقلية علي الإنفصال عن الأغلبية , متذرعة بحجج منها الهوية و المظالم. إن الدعوي التي يسوقها هذا البعض, تبدو غير عقلانية Irrational , إذ لم تقدم هذه الجماعات حججها و تجيب علي ما يطرحه الآخرين من تساؤل :
1/ لماذا يفصل الجنوب عن الشمال؟
2/ ما هي أهمية الجنوب للشمال و أهمية الشمال للجنوب؟
3/ ما هي التكلفة التي ستترتب في حالة الإنفصال؟ الخ من هذه التساؤلات.
قد يقول البعض , أن هذا رأي لجماعة , و أن رأي الجماعة لا تشقي البلاد به , مثل رأي الفرد. و لكني أقول, أن رأي الجماعة و نمط تفكيرها يشقي البلاد أيما شقاء, حين لا يخضع هذا الرأي للتداول و التمحيص الحر للأفكار, أو ما يسمونه , العصف الذهني Brain storming. نتحدث عن الديموقراطية كثيراً, و لكننا لا نمارس هذه الديموقراطية في حياتنا, بسبب أننا لم ننشأ وفقاً لهذه الديموقراطية التي نتغني بها, فتأتي قراراتنا فطيرة في محتواها, بسبب أنها ناتجة عن فرد واحد أو مجموعة أفراد , يتخذون قراراتهم بناء علي معلومات غير كاملة Incomplete information و يمارسون الوصاية و من ثم يخبطون عشوائياً, فيصيبون مرة و يخطئون مرات! هذه يسمونها في نظرية الوكالة , مشكلة الأصيل و الوكيل Principal – agent problem . و الأصيل هنا, هو حكومتنا السنية و ما يواليها من أحزاب و جماعات. منشأ هذه المشكلة, هو عدم تماثل المعلومات بين الطرفين Information asymmetry. فذاك الذي ينادي بفصل الجنوب عن الشمال, سواء كان من أبناء الجنوب أو الشمال, لا يدري خطأ ما يقوله, و ما يترتب علي دعوته من نتائج كارثية . قد لا تكون معلوماته عن المسألة التي هو بصدد تناولها كاملة, كما أسلفنا, و قد يكون سقف أفكاره و إدراكه المعرفي محدود Bounded. منذ شهر و نصف كتبت مقالاً عن المسألة المطروحة حالياً, أي الوحدة أو الإنفصال. أرسل لي أحد أبناء الجنوب , رسالة يتحدث فيها عن ضرورة الإنفصال, و قدم حججاً بعضها واه و لا تصمد أمام التحليل العلمي. و عندما رددت عليه, تضايق و كتب يقول لي : كفاية Enough is enough , أي لا يريد أن يقول أكثر من الذي قاله بصدد هذه المسألة. و لكن هل ندعه يعيش مع هذه الأفكار الخاطئة التي يحملها في رأسه , عن أخيه في الشمال. هذا ما فشلنا فيه. و عليه يتعين علينا أن نعترف بفشلنا و أن نتقبل نتيجة هذا الفشل.

الرياض / السعودية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2887

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة