المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
شوقي بدري
رساله الى شقيقى فقوق نقور .. فى غير عالمنا .
رساله الى شقيقى فقوق نقور .. فى غير عالمنا .
06-10-2011 06:32 AM

رساله الى شقيقى فقوق نقور .. فى غير عالمنا .

شوقى بدرى
[email protected]

هذا الموضوع كتبته قبل سنه بعد ان فازت الانقاذ بالانتخابات المزوره ، عرفنا بأن المصائب ستتوالى . وبالرغم من اقتناعنا بان كثير من اهل الانقاذ هم مرضى نفسيين ، لم نكن نتخيل ما حدث الآن فى ابيي.
حتى اذا قام بعض جنود الحركه الشعبيه بهجوم خاطئ على الجيش السودانى فما ذنب الشيوخ والاطفال والنساء من اهلنا النوك . لماذا تحرق البيوت ؟ . ولماذا يطرد الاهالى والمدنيين من وطنهم ؟. ولماذا يحطم الجسر الوحيد على نهر كيير ؟. ان هذا اسواء مما قام به الصهاينه فى مذبحة دير يسن فى نكبه 1948 .
الغالى شقيقى فقوق نقور فى غير عالمنا . هذه المره لن يجدى البكاء .

رسالة الى شقيقي فقوق نقور ....في غير عالمنا..(1)
الحبيب فقوق نقور, في يوم 16/4 جلست وحيدا في الدار . وهذا بعد ان سمعت بأن الانقاذ فازت في الانتخابات. وتأكدت من ان الجنوب سينفصل. وكنت قبلها قد قرأت لبعض السخفاء الذين طالبوا بإخراج الجنوبيين من الشمال.
وجدت نفسي ابكي وكنت اسمع بأن الانسان يحس بالإرتياح بعد البكاء. ولكن هذا لم يحدث لي. فبكيت من جديد. و حمدت الله ان الدار كانت خالية . واحسست بخواء وشعور يشبه اليأس. وانا الذي لا اعرف اليأس. تمشيت الى المصرف القريب لكي اسحب بعض المال. ومرة اخرى استغربت الموظفة لعدم امتلاكي لبطاقة إئتمان. التي تتيح لي إستعمال الصراف الآلي . و انا يا عزيزي لا ازال اتمتع بعنادي الذي كنت تحذرني منه. وكل هذه العقود في اوروبا , كنت ارفض بطاقة الإئتمان. لأنها تعطي الآخرين فرصة لأن يعرفوا كل تحركاتك واين انت وماذا اشتريت. واعتبرها تدخل في خصوصياتي. ولكن هذه المرة كنت افكر , ماذا يهم بعد ان خسرنا السودان. فوافقت.
انا الآن يا عزيزي امتلك بطاقة إئتمان. وطلبوا مني ان افعل البطاقة, واسجل اربعة ارقام لن انساها في المستقبل. وجدت نفسي يا اخي الحبيب اسجل تاريخ مغادرتك لهذ العالم قبل ثلاثة و ثلاثين سنة في مدينة الناصر على نهر السوباط الذي عشقناه.
من سيخرجون من الشمال؟. اغلب المباني التي شيدت في الشمال قام ببنائها الجوبيون. لم يشيد منزلا, الا والجنوبيون خاصة النوير يحملون الطوب و الخرصانة والحجارة. لقد كانوا ياتون الى ملكال بعد ان وفروا 219 قرشا وهي رسوم الدرجة الثالثة في الباخرة و القطار. ويكدحون ويكدون ويشقون ويبنون الشمال . وابنائهم الآن شماليون بالإنتماء واللغة والثقافة. او على اقل تقدير سودانيون..
لقد قضوا عزيزي على بلد اسمه السودان. اتذكر عندما طلبت مني عندما قضينا الليلة عند اخي كمال ابراهيم بدري في بركة العجب خارج القيقر, ونحن في طريقنا الى جلهاك (فلتبقى مع اخيك قليلا وسأعود لك بعد اسبوع لنذهب سويا الى جلهاك, هذا بعد ان اكملنا الدراسة الثانوية.
ورجعت يا عزيزي بعد اسبوع وكان معك الشيخ من ابناء القيقر الذي يسكن معنا في العباسية. وذهبنا لمقابلة بعض زملاء الدراسة في القيقر. القيقر هي بلد زملاء دراستنا , بخاري محمد علي, السفير علي حمد ابراهيم, احمد سلمان و آخرين. وشاركنا السكن في امدرمان من اولاد القيقر صديقي الحبيب رحمة الله عليه كريل (محمد فضل تيه) وهو من غادر عالمنا في 1964 .
وذهبنا الى مقره لزيارة الاخ اسماعيل رجب و الاخ الجعلي . والد الجعلي هو مدير مزرعة وجنينة مقره لصاحبها محمد عبدالله عبدالسلام.
كان من المفروض ان نذهب الى جلهاك بكومر الحكومة. عربات الشحن الكومر التي تخص الحكومة, كانت توصل المهمات و البريد, وتنقل المواطنين في كل السودان بدون اجر. وبينما نحن في إنتظار الكومر كان الاخ اسماعيل رجب و الذي صار له مجهودا مشكورا محمودا في التعليم في اعالي النيل, يمازحنا كعادته اللطيفة. لقد كانت له في مدرسة ملكال إسهامات في ليالي السمر. وكان يلقي منلوجات احدها
منلوج (يا منادي للمراسة) وهومنلوج فكاهي يصف شاربي المريسة. وكنت انت يا غالي تقود فرقة رقصة الفنجاك التي يرقصها القبائل الشمالية السليم, صبحه, نزي و آخرين. وهؤلاء استقروا في شمال اعالي النيل.
اردت ان اذهب الى المرحاض الذي كان خارج المكتب الحكومي, إلا انني رجعت بسرعة. وبعد فترة اتى الكومر فسخر مني الاخ إسماعيل رجب قائلا انت انسان متخلف. والآن تخطط للذهاب الى اوروبا. هل ستمارس هذا التخلف في اوروبا؟..انت لم تقبل ان تدخل المرحاض لأن بعض النساء يجلسن قريبا من المرحاض. والآن ستقضي كل المساء والى آخر الليل (محصورا)..هذا تخلف يأ اخي.
عزيزي فقوق نقور. لقد قلت بحسم للأخ اسماعيل, دي عاداتنا السودانية و انحنا ما بنتخلى منها وحا نحافظ عليها. لقد انتهى يا عزيزي السودان. لقد ذبحوه ومزقوه ولم يعد هناك سودان. وحتى هذه الاخلاق السودانية التي كنا نفخر بها, انتهت يا عزيزي. بل لقد صار السودان شيئا كريها. يحكم شماله مجموعة اشباه النازيين و الموتورين. لقد انتهت الفكرة. لقد ضاع الامل في السودان الموحد. فلقد كنت انت تحمل اسمين إسم مصطفى و اسم فقوق. لقد كنا نريد ان نبني وطنا ولكنهم ذبحوا هذه الفكرة.
قبل سنتين تزوج الابن عمر بوسف نقور ، وتاسنة الماضية عندمت حضر لأخذ زوجته الى أمريكت تحدثت معه ، وعندما سألته عن عدد البقر الذى دفعه كعادة الدينكا قال لى ضاحكا ( ان أهل أعالى النيل يطالبون بالبقر ثم الشيلة والذهب والحنة أو قطع الرهض ........ الخ الا أن العادات قد تداخلت الآن .
لأول مرة تذهب الى امدرمان كان بسبب احتياجك لنظارة طبية وكنا وقتها صبية في السنة الثالثة وسطى. ورجعت يا عزيزي فخورا بالخرطوم عاصمة وطننا, ومنتشيا. وتحدثت عن المباني الرائعة والشوارع والقصور و الترام والنظافة والنظام. كنت يا عزيزي تحس بالإنتماء. وكان هذا شعورنا جميعا.
وكان هذا شعور والدك الذي احتضن اسم عبدالعاطي بجانب إسم الدينكا. وافتخر صديقه ابراهيم بدري بإسم ماريال وكان يحمله كوسام على صدره. وكان صديقهم محمد عبدالله عبدالسلام من اسرة العمدة في امدرمان لا يعرف الا بإسمه الدينكاوي أيوب ياو. وعاش ايوب ياو في اعالي النيل اكثر من عيشه في امدرمان.
وكان محمد عبدالله عبدالسلام مرجعا في لغة الدينكا وكان يعرف كل اللهجات. و عندما يختلف الدينكا في تفسير او معنى كلمة كانوا يسألونه. وتعلم ابراهيم بدري لغة الدينكا ووضع لها حروف وقوانين ومضابط. وصار يدرسها للإداريين. ويمتحن طلابها في كلية غردون. لقد كان آباؤنا يحلمون ببناء وطن.
وكما ذكر الكاتب الطيب رحمة قريمان في سودانيز اون لاين ان والدته قد طلبت منه ان يكتب عن ود بدري. قال لها من هو ود بدري ، قالت له كان المامور وكان متواضعا (زي الواطه).
وعندما حل مرض الكوليرا بالمنطقة, ساعد في ترحيل الناس وكان يحمل على كتفه ويساعد المرضى ويبني المساكنز وشاركه الوالد نقور جوك والآخرون . لأن الرحيل كان العلاج الوحيد للقضاء على المرض..
المثل السودانى يقول ( راجى الله فى الكريبة) فعندما خرج كل الناس بسبب مرض الكوليرا رفض شيخ الكريبة الرحيل وفضل الموت فى داره . وعندما قيل له انت راجى شنو يا شيخنا ، قال لهم ( راجى الله فى الكريبة) .
ولقد اخبرنا محمد عبدالله عبدالسلام الذي هو عديل براهيم بدري في سنة 63 بأن ابراهيم بدري مزق تصريحا اتى به اهله الرباطاب لنقل الاشجار الميته. فقال له ابراهيم بدري, انتم تأخذون تصريح بالأشجار الميته ولكنكم تقطعون الاشجار الواقفة. وعندما قال الرباطابي ان من اهلك, قال له ابراهيم بدري الدينكا ديل برضو اهلي. و تزوج ابراهيم منقلا بنت السلطان والدة عمر ابراهيم بدري.
هذه الروح انتهت يا عزيزي لقد عادت القبلية في ابشع صورها.
للذين كانوا قد استغربوا حوجتك للذهاب الى الخرطوم لكي تتحصل على نظارة نظر, كنت يا عزيزي تقول نحن قد تحصلنا على استقلالنا الآن. وسنبني جامعات في الجنوب. وستكون هنالك كباري مثل التي تربط امدرمان بالخرطوم والخرطوم بحري. وسيأتي يوما يكون فيه متاجر لبيع النظارات الطبية في جلهاك وفي كل مكان في الجنوب. هل تصدق يا عزيزي انه بعد نصف قرن من كلامك لم تشيد قنطرة واحدة في الجنوب. ولقد قضت الحرب الجهادية على ما كان موجودا من قبل.
وفي الخمسينات لم تكن هنالك سوى ثلاث مدارس وسطى , مدرسة لوكا في الاستوائية و ملكال ، واتار عشرين كيلومتر من ملكال.. ولم يكن في كل الجنوب . متجرا واحدا للنظارات الطبية..
ولقد كنا اكثر ترابطا وحبا لبعضنا البعض قبل نصف قرن مما نحن عليه الآن..
فصلنا يا عزيزي كما تذكر كان مكونا من 25 طالبا . كان مجذوب يوسف وهو من الدامر ، وكان هو ثالث طالب فى المدرسة يبلس نظارات ، والرابع عوض ( الشاعر) . ومن المؤكد أنه كان هنالك من يحتاج الى النظارة من الطلبة وفى المدينة ، ولكنها لم تكن متوفرة فى عاصمة المديرية مساحتها أكبر من غانا .ويجلس خلفي بخاري محمد علي وهو من القيقر وخلفه يجلس فاروق دينق من ابناء الشلك حي الملكية..وخلف فاروق كنت تجلس انت وعلى يسارك كان يجلس ابراهيم الحاج ابراهيم واهله من ود الزاكي في النيل الابيض. هو كذلك احتاج لنظارة نظر , اضطر للذهاب للخرطوم..ووالده تاجرفي مركز فنقاك, الزراف غرب النوير. وكان يتحدث النويراوية مثل العربية. وبينه رباط وثيق مع الاخ رياك قاي ترت. ويتحدثون دائما بلغة النوير. ويشاركهم في الحديث بإستمرار محمد نور بابكرنميري. الذي زاملنا في الاحفاد في امدرمان..وكان حديثكم بلغة النوير في أمدرمان يثير تعجب الطلاب..وكان ربيع مكي ابن خالتي يتحدث النويراوية بطلاقة . فوالده العم مكي كان تاجرا في بانتيو.
وكان الحديث بلغة النوير او الدينكا او لشلك يعتبر شيئا يدعو للفخر. وكانت لغة التخاطب في ملكال هي الشلكاوية والعربية... وكان لهم انتماء وحب وفخر بلغة النوير وبإنتمائهم للنوير.
هذه الروح يا عزيزي قد انتهت واختفت..لقد خلق اناس اعتبروا ان قتل الجنوبيين وتحطيم ثقافتهم و القضاء على لغتهم هو نوع من الجهاد. هل تصدق يا عزيزي انه قد اتى قوم كانوا يطالبون المجاهدين ان يتقربوا من الله بأن يتزوجوا الجنوبيات. بل لقد حاول بعض السفهاء ان يسوق لفكرة استيراد مصريين و عرب لتحسين النسل الجنوبي.
قديما يا عزيزي انحصرت الحرب الاولى لفترة قصيرة في الاستوائية. ولكن الحرب الاخيرة شملت كل جنوب السودان. ولقد طالت الحرب كل القبائل السودانية خاصة الدينكا. وعندما بدأت اذاعة الحركة الشعبية بعد سنة 1983 كان صوت المذيع مصطفى عبدالعاطي يأتي واضحا وكان الناس يقولون لي هذا اخوك مصطفى عبدالعاطي. وكنت اقول لهم ان هذا مصطفى عبدالعاطي الصغير . فأنت يا عزيزي كنت قد غادرتنا قبلها بست سنوات.
انا اذكر الشهيد مصطفى عبدالعاطي لقد كان صغيرا عندما كنت في جلهاك . وكان مليئا بالحياة. فليرحمه الله. فلقد مات شهيد دفاعا عن وطنه. ولقد طالت الحرب حتى شمال اعالي النيل..وقد اختطف والد زوجتك يوسف عبدالنبي وبعض كبار ملوط من الدينكا ..وفقد هؤلاء الرجال الرائعون حياتهم في معارك الحقد والتعصب الديني.
اذكر ان ام ابنائك الاخت ربيعة تقول لي قبل 10 سنوات في التلفون انها قد ذهبت لزيارة العم ايوب ياو (محمد عبدالله) في منزله في امدرمان و انه بالرغم من تقدمه في السن وقبل موته بقليل كان حاضر الذاكرة. وتحدث كثيرا عن والدها. وشقيقها طونجن زميل دراستنا في ملكال. وكان يتحسر على الجنوب و اعالي النيل التي كانت رمزا للحب و المودة. لقد انتهي يا عزيزي ذلك التدين الجميل والتسامح الديني الذي كنت يا عزيزي انت خير مثال له.
اذكر انه يا عزيزي انه بعد انقلاب 17 نوفمبر 1958 , اذكر انه قد رددت فكرة انشاء مدرسة ثانوية في ملكال. و اننا سنكون النواة الاولى لها ولن يذهب الناجحون الى مدرسة خور طقت كالعادة. وكنا نجلس على البرش في الظل في الجزء الشمالي الشرقي من الداخلية. وهذا البرش كان ينتقل في العصر الى وسط الداخليات للصلاة. وكنت انت يا عزيزي المؤذن والإمام .
ردك على فكرة المدرسة، كان بأن هذا ممكن لأن حكومة العساكر حكومة فورية. ولمن لم يفهم كلمة فورية. استدليت انت يا عزيزي بفرائض وسنن الوضوء التي كانت تدعو الى الفور و الدلك. وكنت انا اردد هاتين الكلمتين طيلة حياتي في حصص الدين. ولم اكن افهم ما هو المقصود بالفور وقتها. الى ان شرحت انت لنا بأن الفور يعني ان لانسان في الوضوء يجب ان لا يغسل يده ثم يتوقف و بعد مدة يغسل يده الاخرى.
لقد كنت دائما رائعا. من اين اتت كل تلك الروعة و السماحة..لماذا لم اراك ابدا مهاترا شاتما او غاضبا. لماذا لم تكن تشتط؟. لماذا كنت تقف باسما بعد ان تسقط في لعبة الكرة وتهش في وجه من تعمد اسقاطك؟.لماذاكنت دائما باسما؟.وتبدو نظيفا وكأنما خرجت لتوك من الحمام..لماذا كان جلبابك دائما نظيفا و عمامتك منظمة ونحن في الوسطى؟. لماذا لم يكن يا عزيزي هنالك زرا ناقصا في قميصك؟. لماذ لم اشاهد قميصك متسخا كل سنين الثانوية؟. لماذ كنت تعطي شعورا بالثقة فأنت لم تكذب وكنت عفيفا لا تطمع ولا تحسد الآخرين. لماذا كنت تحوذ على ثقة الآخرين, وتجبر الآخرين على احترامك وحبك..حتى في مدرسة الاحفاد عندما يحسب كل طالب انه شخصية كبيرة خاصة في فصلنا الذي ضم طلابا تركوا بصماتهم على مجتمعاتم فيما بعد..وكيف اختلفوا . ولكن عندما اقترح بعضهم تمثيلك وافق الجميع بدون اي اعتراض. لقد حالت ان اكتب قصيدة بعد ذهابك . و اذكر ان آخر جزء منها
ما شبهك بجي الدنيا عشان يصغرنا
ويا ليتني لو كتبت
ما شبهك بجي الدني عشان ينورنا.
لقد اتى بعدك احد الدينكا وهو في عمرنا ودفعتنا كذلك. كان اسمه يا عزيزي جون قرنق. وهو من دينكا بور. كان رائعا فرحنا به وقلنا اخيرا تحصلنا على القائد. كان يشبهك في كثير من الاشياء..و لأننا شعب منحوس فلقد ذهب كذلك في الوقت الذي احتجناه اكثر..
اتذكر يا عزيزي زميلنا شيك بيج ابن خال مولانا ابيل الير وتذكر كذلك صديقنا الرائع جعفر عبدالرحمن من ابناء بور لقد تقطعت به الطرق مثلي في الغربة. وهو الآن في اليابان. لقد اردنا ان نبني السودان و الآن نبني بلاد الآخرين. لا اظنك قد قابلت منوأ بيج شقيق شيك. لقد زاملته في براغ. لقد كان حلوا عذبا مثل اغلب الدينكا. لم يكن يحمل شلوخ دينكا بور مثل شقيقة منوأ. كان مثلك حلوا جميلا. لقد مات بعدك بسنوات. فلقد عانى من مرض وسمعت انه انفجار قرحة. لقد ذهب منوأ الى المستشفى في الخرطوم...لقد اهملوه وقالوا معتذرين, لم نكن نعرف انه مهندس ...لقد كنا نحسبه خدام. الغريبة يا عزيزي ان شيك ارتبط بهذه الحكومة. وسمعت انه كان في الطائرة مع الزبير محمد صالح و البقية..وانه خرج سابحا من الطائرة بعد ان غرقت في السوباط.
يا عزيزي ولا بد انك تذكر العم برونو (احمد المصطفى) في ملكال. لقد كان متزوجا من السيدة اوجلو من الانجواك ثم تزوج بعدها الاخت خميسة من الشلك. التي كانت معروفة في ملكال لأنها ترتدي البنطلون و تركب عجلة. ثم تزوج اخيرا الاخت عشة حفيدة الرث داقي. وأصغر أبنائى.
هكذا الاقدار تربطنا بأعالي النيل . انا الآن متزوج من ابنة العم برونو الصغرى. ابننا الاكبر هو فقوق نقور جوك. ولقد اخذ كثيرا من ملامح الشلك. و اذكر ان الاخ فيلب دينق من اولاد الدينكا الاقر في رمبيك, قد اشار الى عيون فقوق نقور عندما كان صغيرا وقال لي ان له ملامح الدينكا. فجفونه تعلو على الحاجب. فقوق الآن شاب له كل صفات القائد. و ان كانت تنقصه كياستك و عذوبتك. ولكنه قد يكسب هذا بالوقت. اما شقيقه الاصغر فقد اسميته كمال ولا اناديه الا بمنوا بيج. لقد ورث شعر الشلك المجعد وهو فخور به . ورث طول اجداده الشلك بطريقة ظاهرة جدا. واذكر انه عندما كان في الرابعة عشر من عمره كان طوله 186 سنتمتر والسبب هو عظمة الساق عند النيليين التي هي اطول من الآخرين. وكان المدرسون يشكون من ان زملائه يخافون منه بسبب طوله فهو لطيف وله هدؤ الدينكا و الشلك. الا انه يصير مخيفا عندما يستفز. وهذه صفات اخوتنا النوير و المورلي..
احدثهم كثيرا عن اسلافهم في اعالي النيل. و اقول لهم بأننا سنذهب الى اعالي النيل و اقول لفقوق نقور اننا سنأتي لنزور قبرك. وسنمر على الاخ الناظر يوسف نقور لألثم يديه. واعرف فقوق بالمناطق التي كنا نذهب اليها للصيد بالكلاب و بالبنادق في بعض الاحيان. و اذكر غزالا في شمال ملوط انطلق جاريا على ثلاثة ارجل. وعندما اقتربت منه جاريا التفت نحوي وغرز قرنه في فخذي الايمن. الغزال المسكين كان يدافع عن حياته. ولكن يا عزيزي يبدو اننا سنكون هنالك من الاجانب. وسنحتاج لتأشيرة دخول..
هل كان يخطر ببالك في يوم من الايام انك ستحتاج الى تاشيرة دخول لكي تأتي لتقابل اهلك في امدرمان. وهل سيصير ابناء العم عبدالرحمن عثمان عمر و احمد الطيب و نور الدائم و موسى و الآخرين الذين سكنت معهم اثناء الدراسة الثانوية اجانب بالنسبة لك حسب التقسيم الجديد للسودان.. وهل اذا اتت ابنتك مشاعر او ابنك لزيارتهم في ميدان الربيع. سيحتاجون لتأشيرة دخول ؟...
لقد كنا نحلم بان يكون السودان اسرة واحدة نتداخل ونتزاوج ونختلط ببعضنا البعض. ونكون امة سودنية. ليس بيننا تفرقة او عنجهية لا يفصلنا دين او ثقافة..فأنت يا عزيزي بالرغم من تدينك لم تكن تشتط ولم تكن تطالب الآخرين بالصلاة كنت تجعل من نفسك غدوة للمسلم الجيد ولم يكن دينك الاسلامي يحول بينك وبين الآخرين. ولكننا فشلنا لسؤ الحظ. ذهبت انت مبكرا و استشهد قرنق..وكدنا ان نصل الى مرحلة اليأس..
و نحن في السنة النهائية في المدرسة الثانوية..بدات في كتابة رواية الحنق لألفت النظر الى الشوفينية, التفرقة التي يعاني منها الجنوبيون..وكنت اقرا ما اكتب لتوأم الروح وقريبك جاك في العباسية او بلة..كما تناديه والدته ، وقريبتك العمة زينب أخت العم عبدالرحمن عثمان علىهم الرحمة. وعندما رجعت من اعالي النيل اكملت الرواية ولقد قمت بنشرها قبل اربعة عقود...كنت اريد ان اساهم في القضاء على الشوفينية..
لقد كتبت كذلك كتابا بإسم حكاوي امدرمان. مشيدا بالروح الامدرمانية والتآخي..ولقد قمت يا غالي بإهداء الكتاب الى روحك والى ابني فقوق نقور..والذي عندما اناديه بالإسم المثلث فقوق نقور جوك يأتي فرحا . ويقول لي انني عندما اناديه بالإسم المثلث اكون في حالة جيدة اما بسبب اعطائه مصروفا. او اخذه لشراء شيء يخصه...
عزيزي فقوق نقور انت تعرف انني كنت صلبا قوي الرأس . ومعاركي الدموية في اعالي النيل وفي امدرمان كانت تغضبك واذكر انك في احدى المرات قد قمت بضربي على غير عادتك بصفتك اخي الاكبر. وكنت تتجنب ان تصفعني, مما يعتبر إهانة.. وكان شقيقي الشنقيطيي كذلك يضربني حتى بعد ان كبرت كالعادة السودانية القديمة واحترام الاخ الاكبر. وكنت لا ابكي ابدا بالرغم من الجلد الشديد في المدرسة..س و اذكر انك كنت تشيد بعدم بكائي عندما مات ابي في يوم 3/12/1961 وكنت تقول لي في منزلنا ان البكاء لا يجدي....
اسمح لي هذه المرة ان ابكي....
التحية ...
شوقي بدري....
ع. س.....


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 3206

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#157786 [محمد احمد فضل]
1.00/5 (1 صوت)

06-10-2011 05:11 PM
عمنا شوقي ماأروعك ، ماقلت ليك رسل لي زيارة ولو أسبوع ، ايها الكنز المدفون في بلاد تموت من البرد حيتانها ، كيف فارقت كل هذا الجمال والتاريخ والذكريات والعبق الجميل ورائحة الجنوب وامدرمان ، عمنا مذيدا من التوثيق والامتاع وتحياتي لفقوق نقور جوك


#157717 [Al Farouq]
1.00/5 (1 صوت)

06-10-2011 02:40 PM
ما اروعك يا استاذ شوقى ,,, وندعو بالرحمة للوالد الذى كان سودانيا حقيقيا قدم الكثير من اجل السودان والسودانيين

;) ;) ;)


شوقى بدرى
شوقى بدرى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة