سطوة الدولة
07-06-2010 11:06 PM

سطوة الدولة

عبد الرحمن الأمين

المواطن في بلادي مغلوب على أمره، مضيق عليه في عيشه، منغص عليه سائر عامه، لا يؤبه لرأيه، ولا يسمع لأناته وشكاته، الأوضاع عندنا مقلوبة رأساً على عقب، فبدلاً من أن تكون المؤسسات في خدمة المواطن، نجدها ترغم المواطن على الإذعان لإرادتها والخضوع لمشيئتها، والتصرف وفقاً لرغبتها، والانصياع لهواها، وليس له أن يحتكم إلى منصف ينصفه، أو إلى غالب يستعيد له حقه.

ومن أسف أن المواطن ضاعت عنده ثقافة استرداد حقوقه، وبات متآلفاً مع ظاهرة سلبه وتجريده من حقوقه الأساسية، بل لم يعد المألوف حقاً، أن ينال المواطن بغيته، دون أن يطأطئ رأساً، أو يخفض جناحاً، في هذه الحالة إذا حدث هذا فإنه يكون من رابعة المستحيلات من بعد الغول والعنقاء والخل الوفي.

وأتى على المواطن زمان صار فيه يدفع من غير أن يبدي اعتراضاً أو حتى يطلب استفساراً، بعدما ترافق مع سياسة التحرير مضاربة المضاربين وغلاء المغالين، وظن الناس وبعض الظن إثم، أن هذه ضريبة التحرير التي ينبغي دفعها، وحاشا لله أن تكون هي كذلك، ولكنه فهم أراد المنتفعون أن يرسخوه، وساعدهم المسؤولون بصمتهم أحياناً، وبعدم استنكارهم لما يحدث أحياناً أخرى، ولأجل ذلك اختلط حابل الأسعار بنابل الفوضى، وبات الكل ينهش في لحم المواطن، حتى لم تبق منه مزعة، يتكالب عليها المتكالبون.

وحتى أولئك الذين اختطوا سياسة التحرير، والذين استلفنا منهم مناهجها، وطبقناها بأقبح صورها، أولئك أنفسهم لم يغفلوا الجانب الاجتماعي، ولم يسقطوا النزعة الإنسانية، لكنا الذين طفقنا نلهج بالعدل وإشاعته بين الناس، وأعلينا رايات المشروع الحضاري، رأى الناس في عهدنا صنوفاً من الظلم وألواناً من العذاب، وتفانين في جعل حياة الناس قاسية ومرة المذاق، وكان حرياً بنا أن يلمس الناس منا رحمة الدين ورقة أهله وحنو أئمته، وأن نقتبس من الفاروق رضى الله عنه سيرته وقوله: (والله لو عثرت بغلة بأرض العراق، لخفت أن يسألني الله لِمَ لم تسو لها الطريق يا عمر).

ولأن المؤسسات كلها تحذو حذو بعضها، لم تشذ واحدة منها، في جعل حياة المواطن هينة يسيرة، لم ترد قناة الخرطوم الدولية أن تتخلف عن ركب تلك المؤسسات، ولا أن تكون محسوبة من الخائرات المستضعفات في مواجهة المواطن المسكين، فقد بادرت القناة فور حصولها على حق بث منافسات (كأس العالم) بإنذار مشتركيها, بل ومطالبتهم بدفع مبلغ 150 جنيهاً، للتمتع بالمبارايات، والذين رفضوا الإذعان والاستجابة، عاقبتهم بقطع الخدمة عنهم، مع أنه ليس في العقد المبرم بين القناة والمشتركين ما يلزمهم بدفع الاشتراك الإضافي، ولكنها سطوة المؤسسات، التي لحقتها سطوة القنوات، إما أن تدفع وأنت صاغر، وإما تحجب عنك وأنت راغم، ولا خيار لمن لا يختار.

لكن الجديد هذه المرة أن جمعية حماية المستهلك دخلت على الخط، وطالبت القناة باحترام العقود المبرمة, وأكثر من ذلك ستحرك إجراءات في مواجهتها، لتدرك المؤسسات لأول مرة أن المواطن ليس لقمة سائغة، يسهل بلعها وازدرادها، ولا غرير تستخفه سطوة المؤسسات، وإنما قوي أدرك أن الحقوق تؤخذ غلاباً.


صحيفة الحقيقة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 833

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#5512 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2010 04:39 PM
في اشد الدول الراسمالية غلوا التي تتبني منهج الاقتصاد الحر، تعمل المؤسسات الرسمية و غير الرسمية في تناغم لتحقيق بعض العدالة رغم قساوة المنهج و تقوم الدولة بضبط السياسات الاقتصادية و سن القوانين التي تمنع الاحتكار و مص دماء الناس.... الجمعيات الخيرية و الضمان الاجتماعي و التبرعات المعفية من الضرائب للاعمال الخيرية و للمؤسسات التعليمية و مراكز البحوث كلها اليات متناغمة تضبط منهج حرية السوق حتي لا تتحول الي فوضي و ما ببعيد حكم احدي المحاكم علي مايكروسوفت في قضية اتهمت فيها بالاحتكار... هذا عند الكفرة و في بلاد الشيطان الاكبر.... اما في بلاد سلطتها بيد \"اصحاب الايدي المتوضئة\" فلا عدل و لا رحمة و لا اقامة للحقوق و لا تنظيم للسوق و لا قانون يردع الاحتكار المنهي عنه في ديننا... بل السلطة تتفرج و تساهم هي نفسها بالسمسرة و الاحتكار و المنافسة غير الشريفة و دونكم السكر و البترول الحج و المقاولات الحكومية التي ترسو علي شركات تمولها الحكومة و يرضع ريعها افراد!


#5381 [ابوالتيمان]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2010 07:59 AM
فى العالم الآن نظام مبنى على مص دماء الناس،النظام الرأسمالى الذى جعل العقل حكما على الافعال،ومبنى الفكر كله على الجباية،وتتفاوت فيه اساليب الجباية من سىء الى أسوأ،على حسب العراقة ودراسة المجتمع،وذاك نابع فقط من غريزة البقاء المفطور فى الانسان،وهناك نظام الاساس فيه الرعاية وهذا النظام الذى مثلت به،النظام الذى طبقه الفاروق عمر،نظام رب العالمين،اللطيف الخبير،وهذا النظام وحده الذى يرعى شئون الناس كل الناس،بالعدل والاحسان،لانه من خالق الناس،ولايتباكى عليه،وواجب أيجاده بين البشر،وهذا الذى من المفترض ان يسعى لإيجاده كل المسلمين،وهذا لايتاتى إلا بأيجاد،ثلاث أمور كما فعل صاحب الرسالة صلى ربى عليه وسلم،1
1/رجال أكفاء يدرسون ويفهمون هذا النظام بشىء من الابداع.
2/رأى عام واعى كاسح بوجوب ايجاد هذا النظام بين الناس.
3/قوى مادية تقاتل حتى تفنى لتثبيت هذا النظام(بالمال والرجال)
ويقوم هذا النظام على اربع قواعد .
1/السيادة للشرع لاللعقل.
2/السلطان للأمة(اى للأمة وحدها حق تنصيب الحاكم)
3/نصب خليفة واحد فرض على المسلمين
4/للخليفة وحده حق تبن الاحكام(وليس لمجالس تشريعية كما الان للمجالس فقط حق محاسبة الحاكم حين خروجه عن تبنى الاحكام الشرعية)
حينها فقط يزول الظلم لان الظلم صفة فى البشر،والعدل صفة فى الخالق، ويكون أمر اللطيف هو الذى ينظم امر خلقه ويبسط العدل بين خلقه،لذا الواجب على كل كاتب ان يجعل نصب عينيه ايجاد الرأى العام الواعى الكاسح،وذلك بأنزال الاحكام على الوقائع الجارية وحض الناس للتمسك بالحكم الشرعى فقط...والله المستعان.


عبد الرحمن الأمين
عبد الرحمن الأمين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة