غابة الابنوس تحترق
06-12-2011 03:25 PM

غابة الابنوس تحترق

فيصل عباس
tangasho@yahoo.com

إذا فقد حدث طلاق الغابة والصحراء , غادرت إنجيلا الجميلة شاطئ النهر الخالد واتجهت نحو المصب بحثاً عن الأصل والجذور , بحثاً عن مكان فيه كل الأشياء بلون الأبنوس , بحثاً عن مكان لا يأتي إليه (لوري الكشة) أو حملات النظام العام, تركت خلفها أطفال كانوا هم الأمل قبل أن تأتي عفاريت الظلام لتحدث صراعاً بين العاشق والحبيبة بين الأخ والأخ بين أبناء الوطن الواحد , حزم الجميع أمتعة الخوف والسفر ليغادروا من الوطن إلى الوطن , من وسط النهر إلى حيث المصب , جلس الأطفال يستمعون إلى لغات غريبة من الشرق ومن الغرب وفرقعات أعادت أشجان قدامى المحاربين إلى شبابهم في أزمان سحيقة لينفضوا غبار الحرب ويتهيئوا للمعارك التالية . وعاد زمان سماع الفرقعات التي لا تليق بمن قطنوا النهر الخالد , و قَرعت الطبول المشئومة التي صنعت من جلود البشر, و كثر الخطباء والمتملقين والمشرعين وأصحاب الفتاوى البلاطية ( البلطجية ) ممن يجيدون لغات الحرب وتجارة الحرب وبيع عظام البشر بعد أن باعوا الذمم , وانتشرت هنا وهناك صيحات لا يكاد الصغار المشردين أن يميزوا ما بينها وصوت الرعد في الأزمان التي سبقت غياب المطر وانتحار الغيث . كما رحل الخريف , الدلوكة, النقارة, السماح والفرح بعيداً عن دار ود العباس والسنجك أب شنب و أبكر وتيه ومجوك , وانتشرت صيحات الصغار والمشردين في المستشفيات وفي الملاجئ ودور اليتامى والأطفال اللقطاء, انتشر الخوف الجوع المرض الفساد الأخلاقي , و انطلقت السيارات الفارهة في طرقات وأزقة المدينة الفقيرة التي باتت تلفظ آخر الأنفاس وتشهق بآخر ما تبقى من دماء الحياة لكي يستمتع العفاريت ( بأكل مرارة الفقراء) وهتك أعراضهم بحمل حسناوات النهر الجائعات العاريات على ظهور تماسيح المدينة وعلى ظهور آخر ما صنعت كوريا واليابان من سيارات . و لكي تنعم عفاريت الظلام بالعشاء في القصور الرئاسية , انتشر الظلام الدامس وتوزعت في الأرجاء مواكب الجهل والأمية على النقيض مما ينبغي أن يكون عليه من هم على ضفاف النهر في عصر الفضائيات والتكنولوجيا الرقمية , تلك المواكب التي شكلها البسطاء من قاطني النهر الخالد لكي يتم التواصل الجيد ما بين العفاريت و سادتهم من الجن والأباليس , انتشر الظلام لكي تؤدي العفاريت فروض الطاعة والولاء لكبار الأباليس الذي انحدر من أصله كبار العفاريت ومصاصي الدماء ( الدراكولا ) من امثال ابو العفين وراقص القرية ودرداق العفن والبعاتي والطيب مصطفى ( لم أجد للأخير اسماً يليق بعد ) . يدقون طبول الحرب ويطلقون بالشتائم في كافة الأرجاء ناسين ومتناسين بأن الأرض باتت إحدى القرى الصغيرة في هذا الكون وان هناك محاكم دولية تطارد مطلوبيها في كافة الأرجاء حتى ولو كانوا عفاريتاً . وما زالوا يطلقون ألفاظ وعبارات لا تليق بمن عاشوا في بلاد أنشئت فيها وزارة للتربية والتعليم أي التربية قبل التعليم, بلاد أنجبت محمد احمد المهدي وود حبوبه ودقنة والأزهري والمحجوب ( من أين أتى هؤلاء ؟ ) وكل هذا من اجل أن يوقظوا غفوة النفوس المريضة المتعطشة للرقص على ركام القرية الهامدة التي رحلت إنجيلا الجميلة عن أطرافها . رحلت إنجيلا حاملة في طياتها كل الأحلام التي كانت في ذلك الحين عن الوطن الواحد , عن التنوع والسحنات و اللوحة الرائعة ذات الألوان المتعددة عن اللحن الجديد.. الأغنية الجديدة .. الوطن الجديد ... رحلت إنجيلا إلى مصب النهر تاركة للعفاريت خور أبو عنجه ومن دفنوا فيه , رحلت إنجيلا تاركة خلفها أبناءها ممن ادعوا العروبة الزائفة و قالوا نحن مع العفاريت, و تبنوا على اثر ذلك ثقافات الآخرين من الأرمن والأتراك وبقايا الرومان والارناؤوط , وربطوا ذلك بخير الديانات السماوية . رحلت إنجيلا تاركة خلفها دار شبتاكا وتهراقا والبجراوية وحكايات بطولات الأسود الضارية في كرري وشيكان وأم دبيكرات . رحلت إنجيلا تاركة رفاة عبد الفضيل وعلى عبد اللطيف لتلقي بها العفاريت في النهر الخالد, حتى لا يفكر البسطاء في القيام بما فعل هؤلاء . وعادت العفاريت لتعلن الحرب مرة أخرى , ولا ندري لماذا ؟ فربما تكون هذه العفاريت قد تلقت الأوامر و التعليمات من إبليس , الصديق العزيز للبعاتي بأنه لا بد من حرب جديدة تدور رحاها على ضفاف النهر الخالد لينعم فيها إبليس بمشروع حضاري جديد , يقوم فيه العفاريت بإطلاق الوعود التي سوف يتلقفها فلذات أكباد الفقراء من المراهقين . وعوداً تؤكد لهم بأن الدنيا ليست داراً لهم وان هناك من هن في انتظارهم على أحر من الجمر , وذلك حتى يندفع هؤلاء الشباب ويقدموا اغلي ما يملكون ومن ثم تلقى بأجسادهم في النهر الخالد وتكون في طي النسيان, في وقت ينعم فيه العفاريت بأحواض السباحة في الفلل الرئاسية الجديدة . لا ندري كيف ستكون الحرب هذه المرة ولكن من المرجح أن إبليس سوف يوحي للبعاتي بخيالات أعمق وشعارات جديدة يستخدمها في صياغة برنامج تلفزيوني جديد يكون خير وقود لهذه الحرب التي بدأت تدور رحاها الآن في ارض المصارع المشهور حقار أب جاكومه (فارس الجبال) الذي قد يكون الآن في عداد المفقودين . إذا فقد رحلت إنجيلا الجميلة فهل ترحل عنا أيضا في مقبل الأيام رجبية الحلوة وأم جمعة الحنونة ؟ أم ما زال هناك في غابة الأبنوس بقية لم تحترق بعد ؟


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1669

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#159612 [ابو هاشم ]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2011 03:06 AM
انت انسان رائع وكلماتك جميلة واختيارك اولا الى اسم الموضوع اسم جميل داخل كل انسان له وطنية صادقة وصح لسانك بهذه الكلمات الرائعة فنسال الله العزيز ان يقدمك وتداوم لنافى كتابتة مثل هذه الكلمات الرائعه اطال الله لنا فى عمرك وكلله بالنجلح يا ابو فارس


#158977 [وحدوي]
0.00/5 (0 صوت)

06-12-2011 11:28 PM
يسلم قلمك وتسلم الام الجابتك أُستاذ فيصل لم اكن اعتقد بأن هناك أقلام تندي بالوطنية ... أرجوك واصل في هذه الرمزية أنجيلا أم جمعة الحنونة سأحتفظ بهذا المقال ما حييت .... يمكن تكون صدفة منك حتي تثبت بأنك رأئع علي الدوام يافيصل عباس


ردود على وحدوي
Saudi Arabia [Sidqi Basha] 06-13-2011 01:48 AM
منذ سنوات خلت كنت أمنى النفس بزيارة جنوب الوادي العظيم..وكأن هنالك منادي يقول لي ستفقد هذا الجزء الغالي من أرض الوطن ..حيث الطبيعة الصامته وغابات الأبنوس الباسقة..هنالك ترقد جوبا وملكال على شاطئ النيل الخالد..وعلى شواطئ بحر العرب وبحر الزراف ترعى قبائل المسيرية مواشيها في محبة وسلام مع أخوتهم من قبائل الدينكا..كانت تلك الخواطر تمر بخلدي منذ أيام الدراسة..تلك الأيام التي تعلمت فيهاجغرافية السودان أرض المليون ميل..السودان أطول نهر في العالم..السودان قبائل الدينكا..والنوير ..والشلك.. السودان قبائل البجا..والمحس ..والشايقية ..وأولاد جعل ..السودان الفور والزقاوة..والمساليت ..السودان النوبة والحوازمة..السودان سلة غذاء العالم..لقد كنت أصف جنوب الوادي للإخوة العرب حتى ظن بعضهم أنني من جنوب السودان..وعندما يسألني أحدهم قائلاً أنت من الجنوب أم من الشمال..كنت أرد على الفور ودون أي تردد أنا من الجنوب..لأن الجنوب الأفريقي هو أصل البشرية..ولقد أثبتت خريطة الجينات البشرية التي إكتشفها العلماء في الآونة الأخيرة أن أفريقيا السمراء هي أصل الحضارة البشرية..وهي الأرض التي عاش فيها أجدادنناالقدماء..شيئنا أم أبينا..وهذا إكتشاف علمي غير مسبوق..ولكن قد لا يتحمس له الكثير من الجهلاء..فالعودةإلى غابات الأبنوس تعني العودة إلى الجزور..فكلكم لآدم وآدم من تراب..ومن آياته إختلاف ألوانكم وألسنتكم..وهذاالتمازج في الالوان والثقافات على امتداد القارة السمراءلا يعنى إطلاقاً أن هنالك عنصر بشرى متفوق على الآخر من حيث العرق أو اللون أو الذكاء كما يدعى الساميون..وأنا من هذا المنبر الحر أتحدى جميع الساميين في العالم أن يذكروا لنا صفة واحدة فقط تثبت تفوقهم على أبناءحام..وإلى أن أسمع الإجابة أترككم في رعاية الله وحفظه..مع تحياتي للأخ فيصل على هذه الرمزية الرائعة..


فيصل عباس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة