المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أزمة دارفور أزمة مياه..اا
أزمة دارفور أزمة مياه..اا
06-16-2011 08:23 PM

في السياسة

أزمة دارفور أزمة مياه!!

د. هاشم حسين بابكر
[email protected]

بحكم عملي في الهيئة القومية للمياه الريفية والتي لم يتبق منها إلا ذكراها، كنت دائماً أكتب عن دور المياه في الأزمة الدارفورية وكيف أن المياه كانت العامل الأساسي في تطور القضية من مطلبية الى امنية والى سياسية حتى استعصت وفتحت الطريق أمام التدخلات الأجنبية التي لاتريد خيراً بدارفور وأهلها الطيبين الخيرين.. منذ تسعينيات القرن الماضي وأنا أكتب استناداً إلى تجربتي في كردفان لمدة عامين وفي دارفور التي زرتها في مأمورية كان من المقدر لها أن تدوم أسبوعاً ولكنها امتدت عدة شهور شعرت فيها بالحاجة الماسة للمياه وكان ذلك في العام ستة وثمانين من القرن الماضي.. حسب الإمكانات المتاحة وقتها اقترحت برنامجاً لحفر حفائر وسدود ما جملته مائتين وخمسين ألف متر مكتب لتفي باحتياجات شرب الإنسان والحيوان في دارفور الكبرى.. وقد استقرأت من الواقع الذي لمست بعض النتائج التي حدثت بالفعل بعد ذلك، حيث لم تكن للهيئة وقتها ميزانية تنمية، وقد ساءت الأحوال بعد ذلك إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.. وقعت في يدي قبل عدة أعوام خارطة لدارفور الكبرى وبالتحديد في العام 2007 هذه الخارطة تبني موقع معسكرات يوناميد والتي غطت الولايات الثلاث بمدنها وقراها جميعًا، وقد وضعت الأمم المتحدة برنامجاً لإمداد تلك المعسكرات الدائم بالمياه!! كان العطاء مطروحاً للشركات العالمية وقد استعانت إحدى الشركات بخبرتي في مجال المياه ولكن حدث أن بعض رعايا ذلك البلد قد تم اختطافهم ولهذا السبب انسحبت الشركة التي تتبع لذلك البلد.. أخذت الخرطة وقد عنت في ذهني فكرة تشاورت فيها مع اخي وزميلي بروفيسور محمد خير صالح وأخي عالم الاقتصاد البروفيسور عصام بوب، وكانت الفكرة هي إصدار كتاب عن المياه في دارفور بناءً على الخريطة التي في أيدينا. تحمس الإخوة للفكرة وبدأ العمل المضني في جمع المعلومات وتصنيفها ودراسة الأبحاث التي أُجريت في دارفور الكبرى وبعد جهد فردي خالص تم الكتاب بحمد الله.. كان الكتاب بعنوان «تقييم جدوى استخراج المياه الجوفية في دارفور الكبرى، موجهات التحقق والبحث.. وكان باللغة الإنجليزية ولم تسمح الإمكانات المادية الضعيفة لدى المؤلفين بترجمته. موارد المياه في دارفور الكبرى كانت موضوع البحث الذي تزامن مع المحنة الدافورية ودعاوى أن توافر المياه وتوزيعها ركن أساسي من أركان المحنة بل يمثل العمود الفقري لحل الأزمة.. وكان البحث مجهوداً فريداً قدم معلومات هامة عن مصادر المياه في كل دارفور وحيث لا شك في أن أحد معوِّقات التنمية البشرية والاقتصادية الأساسية في دارفور هو عدم توافر المياه للاستخدام البشري والإنتاج الزراعي والحيوانى. إن وجود المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية والمراعي هو ما يعطي السودان بحق اسم سلة الغذاء، لكن محددات المياه المتوافرة حالياً تثبط جهود التنمية، ومن هذه المحددات عدم الاهتمام بأبحاث المياه والذي بدوره أدى إلى غياب رؤية واضحة لاستغلال الموارد المائية!! وتناولت فصول الكتاب البحث مناقشة عامة لأهمية المياه واحتياجاتها للإنسان والحيوان والمحاصيل والإمدادات المستدامة لها.. ويساند هذه الحقائق الأدبيات العلمية المقدمة لدعم الخلفية العلمية المطلوبة.. والمعلومات المقدمة استندت إلى بيانات ميدانية حقيقية، منها وصف لولايات دارفور الثلاث جغرافياً وجيولوجيًا، هذابالإضافة إلى وصف لموارد المياه ومدى توافرها وصفاتها الفيزيائية، ويضاف إلى ذلك إمكانية استخراج المياه الجوفية وتحليل لمستويات استخراجها بطريقة مستدامة.. هذا إلى جانب خرائط وجداول رقمية مفيدة للباحثين وقد أشاد بها علماء أجلاء في هذا المجال!!. ومن البيانات التي يوفرها البحث تحديد دقيق لأعماق الأحواض، الجوفية في مناطق عديدة من دارفور، كما حدد البحث طرق ونوع الحفر المجدي اقتصادياً لكل منطقة.. بعد جهد مضنٍ استطعنا طباعة النسخة الأولى من الكتاب، هذا بعد أن فرغت جيوبنا من كل شيء، وفي انتظار من يتولى تمويل طبع الكتاب. وشاءت الأقدار أن أُطلع الأخ الفاضل الدكتور الصادق الفقيه وكان حينها يعمل في المركز العالمي للدراسات الإفريقية مديرًا للدراسات والبحوث وقد تشاور مع مدير المركز عبدالله زكريا الذي أبدى إعجابه الشديد بالبحث وتكفل المركز بطبعه!!. وفي حديث مع مدير المركز ذكرت له أنني بصدد إصدار بحوث مشابهة لهذا البحث في كل ولايات السودان ومن ثم يمكن عمل انسيكلوبيديا للمياه في السودان، بحيث يستطيع المستثمر والباحث الاستفادة منها، وقد استحسن الرجل الفكرة وأيدها بدون تحفظ، بل زيادة على ذلك عرض عليّ العمل كمدير للدراسات والبحوث لأن الأخ دكتور الصادق سوف يغادر البلاد إلى تركيا للعمل هناك، وقبلت العرض وعملت بالمركز.. وبعد أيام أُخطرت بأن رئاسة الجهاز الذي يتبع له المركز قد وافقت على عملي بالمركز وقد وقّعت عقداً بذلك لمدة عام قابل للتجديدة.. واقترح مدير المركز إهداء نسخة من الكتاب للسيد نائب الرئيس مع مشروعين كنت قد شاركت فيهما بعض المتخصصين في مجال المياه، وكان أحدهما بخصوص حصاد مياه فيضان نهر عطبرة، أما الثاني فكان بعنوان النيل الصناعي العظيم الذي اقترحه د. عمر التاج عمر من جامعة النيلين مع بعض الإخوة هناك. تم عرض المشروعين على النهضة الزراعية وقد أوصى عليهما العالم الجليل بروفيسور أحمد علي قنيف وأوصى بشدة بتمويل الدراسة من النهضة الزراعية والتي رفضت تمويل الدراسة.. وفي صباح ذات يوم وأنا أستعد مع الإخوة الخبراء لعرض وشرح هذه المشاريع إذا بمدير المركز يسلمني خطاباً بتوقيعه جاء فيه أن الجهاز لم يوافق على تعييني لذا عليّ أن أغادر، كان هذا في اليوم التاسع والعشرين من يناير 2007 وبعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر من توقيعي العقد الذي كان في يوم الرابع عشر من أكتوبر من ذات العام. لم يوف المركز بما وعد به الكتاب الذين قاموا بالبحث ودفع نصف ما وعد، وتركت العمل بالمركز وأخذت حوالى اربعمائة نسخة من الكتاب، وقد عرضته على وزارة الري التي رحّبت به وأمر السيد وزير الري مؤسساته بشراء خمسين نسخة لكل مؤسسة كما اشترت وزارة الطاقة كذلك وهيئة مياه الخرطوم وبعض الإخوة المهتمين بالأمر.. أحد العاملين بإحدى المنظمات لفت نظر المنظمة التي كان يعمل بها فكانت تلك البداية لمنظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال المياه في دارفور واشترت كل الكمية المتبقية من الكتاب من المركز.. اتصل بي أحد الإخوة الذين كانوا يعملون بالمركز وقال لي إن مدير المركز يطلب الاتصال به ورفضت الاتصال وذكرت له إن كان يريدني فليتصل هو، أما أنا فلا أريد الاتصال به وقد شطبت رقم تلفونه من ذاكرة هاتفي حتى لا أتذكره، بعد المعاملة السيئة التي وجدتها منه دونما أي سبب.. وقد عرفت فيما بعد أنه يريد طباعة طبعة ثانية من الكتاب نسبة للطلب الشديد عليه.. ولا أدري إن كان قد طُبع من وراء ظهري، وإن كان قد فعل فحسابه عند الله يومئذٍ. سقت هذه الواقعة لبيان أهمية أي بحث عن المياه سواء في دارفور أو غيرها ومدى اهتمام المنظمات العالمية بأبحاث المياه، والتي لا تجد اهتماماً ولا تشجيعاً من الدولة.. واليوم تعلن اليوناميس عن عطاءات لشركات أجنبية لإنشاء محطات مياه في دارفور ومرجعيتها ذلك البحث الذي قدمناه ولم يجد التقدير ولا حتى الكلمة الطيبة من الدولة التي كافأتني بالفصل من العمل رغم ما قدمت من بحث ومشاريع حصاد مياه ضخمة في خلال ثلاثة أشهر فقط وكانت مثار إعجاب المتخصصين في المجال وثنائهم ومباركتهم، طبعاً لا أنسب هذا الجهد والعمل لنفسي بل كان هناك خبراء تعاونّا جميعاً، هم بروفيسور محمد خير صالح وبروفيسور بوب والخبير الدولي الخير حاج الأمين ود. عمر التاج عمر ود. عبدالله التوم ود. خالد التوم، كما كان الإخوة في أبحاث المياه الجوفية والخيران سنداً عظيماً لنا حيث كان بنك المعلومات في خدمتنا.. بعد ذلك فجّر د. الباز بالونًا فارغًا باكتشافه بحيرة في دارفور تغطي مساحة ضخمة في وسط الصحراء الكبرى وقد كتبت عن تلك البحيرة التي جفت مياهها قبل اثني عشر ألف عام حين كانت أوربا تعيش في العصر الجليدي.. وقد أثار هذا الاكتشاف الكاذب اهتمام الدولة على أعلى مستويات حتى إن ورشة عمل أقامتها إحدى الجامعات طلبت بمد الفاشر بالمياه من بحيرة الباز.. وتأتي اليوناميس اليوم لحفر آبار في دارفور مستغلة بحثاً سودانياً خالصاً والسودان يعج بخبراء المياه الجوفية والسطحية والشركات التي تعمل في مجال الحفر الجوفي وإزالة التربة لا تجد عملاً.. وسوف تستعين تلك الشركات بالخبرة السودانية من جيوفيزيائيين وجيولوجيين وحفارين وشركات الحفر لإنجاز هذه المهمة.. ولا أدري كيف تسمح الدولة بهذا، وهي على علم بأن حكيم العرب الشيخ حمد أمير دولة قطر قد أفرد ملياري دولار لإعمار دارفور، فلماذا لا تستغل الدولة هذه المنحة المباركة من رجل كريم وحكيم كالشيخ حمد الذي يُعطي بلا من ولا تعلم شماله بما انفقت يمينه؟! متوسط تكلفة محطة مياه في دارفور يعادل مائتين وخمسين ألف دولار يعني مليون دولار لكل أربع محطات وإذا أفردنا مائتين وخمسين مليون دولار لكانت الحصيلة ألف بئر هذا بالإضافة إلى السدود والحفائر التي إن جمعناها لوفرت في عمليات حصاد المياه مليارات من الأمتار المكعبة سنوياً، والدليل على ذلك دراسات لحصاد المياه في دارفور نعرض لها في حينها. يكفي القول بأن ستين في المائة من وارد بحيرة تشاد تأتي من السودان وبالتحديد من دارفور، وتلك البحيرة تعتمد عليها دولة تشاد والسنغال والنيجير!! إن إمكانية توفير المياه في دارفور وفي كل بقعة من السودان يتوفر لها الخبراء الوطنيون من كل التخصصات فمتى تلتفت الدولة لهؤلاء وتستعين بخبرتهم ومعرفتهم، بدلاً من أن تستغلهم قوى أجنبية لها أجندتها التي تعمل في غير صالح البلاد وصولاً إلى تفتيتها والاستفادة من مواردها.. السودان لا يعاني من وجود الماء بل يعاني من سوء السياسة التي يدار بها ذلك العنصر الحياتي الهام، فالحجر الرملي النوبي الغني بالمياه الجوفية تقع أربعين في المائة من مساحته داخل السودان وتتقاسم ومصر وليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى باقي المساحة، هذا بالإضافة إلى حوض بقارة أغنى الأحواض المائية في العالم وترسيبات أم روابة Amrawba Foramation وغيرها من الأحواض الغنية بالمخزون الجوفي. وكل هذه الأحواض تم تنفيذ خرائط جيوفيزيائية وبأيدٍ سودانية لا تغيرها الدولة اهتمامًا، رغم أن البحث عن الماء نال تكريمًا إلهيًا نالته السيدة هاجر بعد سعيها بحثًا عن الماء وجعل من ذلك السعي ركنًا أساسياً من أركان الحج..!!
افسحوا المجال لخبراء المياه.. ليُبرزوا مقدراتهم يرحمكم الله!!


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1777

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#161878 [torshain]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2011 09:54 PM
د. هاشم حسين بابكر انتم علم من علماء بلادي بارك الله فيكم والعلماء كالانبياء لا تسبط همهم الجهلاء وان يسيدوا الشعوب لقد لمست مشكلة لو وعت لها كل حكوماتنا منذ الاستقلال الي هذة الحكومة ان الغرب كردفان ودارفور هو اكبر رقعة في بلادي بعد الجنوب الحبيب الذي اضعناة وانة اكبر تجمع سكاني في السودان ومصدر ثرواتة لو وعت هذة الحكومات ان الماء وتوفرة هو اول لبنة لقيام الحضارات ونما النشاط الاقتصادي وندرتة تخلق النزاعات والترحال الذي هو رديف للاستقرار لكانت سارت علي نهج النميري بتطوير البحث عن الماء ولاكانت رحمت قبائل البقارة من الترحال ولانمنت الثرة الحيوانية واثرت الغطاء النباتي في المنطقة ان حصاد المياة لااسهل الامور بيوفير الحفائر وانشاء السدود وكان ممكن ذلك من فلوس البترول التي فقدناها بتوجيها الي استيراد كل وبالة الدنيا من السيارات (سكند كوريا سكند اليابان )لكي الله يابلادي ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;( ;(


#161628 [rami]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2011 09:28 AM
ازمة مياه
او ازمة حقوق
او ازمة معيشة
او اى نوع من انواع الازمات فى الاول والاخر يرجع الى سبب واحد وهو ازمة الضمير
اذا كان هناك ضمير حى فهو حتما سيسعى لايجاد حلول منطقية عقلانية مقبولة وذات نتائج مفيدة للكل بغض النظر عن من هو المستفيد من ابناء الوطن الواحد
الضمير هو من يحكم العقل فيوجهه الوجهة الصحيحة
مشاربع المياه ومشاريع الزراعة والصناعة وكل ماله صلة بالانتاج والخدمة المدنية تدهورت بل تدمرت نتيجة لغياب الضمير الواعى النزيه
سنظل نصرخ ونصرخ الى ما لا نهاية ولن نصل الى حلول ما لم تحل ازمة الضمير فى السودان


د. هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة