المركب .... 2
06-21-2011 11:10 PM

المركب .... 2

شوقى بدرى
[email protected]

المركب

كما عرفنا من التاريخ , فإن اول وسيلة للنقل كانت هي المركب. لان تهجين الحيوانات للركوب لم يحدث قبل اقل من عشرة الف سنة. وقديما كان الانسان يصطاد الحصين لطعامه . والمركب كان يمكن ان يكون جذع شجرة او بضع اجذاع مربوطة سويا. مثل مركب الدوم المستعمل فى شمال السودان . ويقال ان هذه هي طريقة عبور الانسان من افريقيا الى بقية العالم عن طريق باب المندب.

المراكب ساعدت كثيرا في تطوير المجتمعات في السوداني خاصة في شمال السودان. وبما اننا كنا نسكن في جنوب السودان فلقد ارتبطت حياتنا كثيرا بالسفر عن طريق البواخر. وكنا نشاهد المراكب الشراعية الضخمة وهي تجوب النيل الابيض. واول مرة اشاهد صناعة بناء المراكب كانت في سنجا عبدالله وانا طفل صغير فلقد كان منزل والدي المفتش على ضفة النيل الازرق مباشرة . وكانت هنالك ورش لصناعة المراكب. وفي احدى الايام غرق مركب امام منزلنا وكان هذا في ديسمبر او يناير . وخرج البحارة من المركب الذي كان محملا بالسمسم وصنع لهم الناس نارا كي يتدفوا بها من بقايا ورشة صناعة المراكب. وصنعوا لهم شاي. وكان البعض منهم يلوم الريس . وكانت بينهم سيدة وهذه تعرف بأم العول. وهي سيدة متقدمة في السن كانت عادة تصنع الطعام والشاي في المراكب الكبيرة.

كل هذا حاولت ان اصوره في رواية الحنق. وصرت مغرما بالنيل والمراكب وصرت لفترة منتسبا الى قبيلة النواتة.

وكما ذكرت في كتاب حكاوي امدرمان . ان اكبر شرف تحصلت عليه في حياتي واكثر مرة شعرت بالفخر, هي عندما دفع لي الريس ميرغني بالدفة وانا في الثامنة عشر من عمري. وصرت ادير معدية توتي امدرمان لوحدي وان كنت اتألم عندما كان الناس يقولون, عندما لا يضطروا للإنتتظار طويلا في المشرع (هي المركب ما جات سريع عشان ما فيها ريس) والريس عادة ينتظر طويلا حتى يمتليء المركب بالناس والحمير وبعض البضائع . وانا لم اكن انتظر .

بناء المراكب كان ولا يزال فنا, وصنعة استمرت لآلاف السنين والذي حد من نشاط المراكب هو الكباري والقناطر والسدود ,التي شيدت بطريقة لا تراعي مرور المراكب الكبيرة.

على النيل الابيض لم يكن هنلك سوى جسرين وهما جسر النيل الابيض الحديدي الذي يربط امدرمان بالخرطوم. وهذا الجسر قد اشتري مستعملا من الهند في 1924 و اكتمل سنة 1927 وكان من المفروض ان يعمر لثلاثين سنة. ولا يزال واقفا. والجسر الآخر هو جسر كوستي ربك الذي صمم خصيصا لمرور القطار وهذا بعد كبري بحري الحديدي.

كباري النيل الابيض كانت تفتح بصنادل في الماء حتى تمر البواخر والمراكب . ولكن جهاز الفتح في النيل الابيض توقف في الستينات ولم يتم إصلاحه وهذا اجبرالمراكب لإنزال القرية وضراع الشراع الذي كان ينتصب لعشرات الامتار وهذه عملية معقدة وطويلة.

اكبرمنافس للمراكب كان السكة حديد واللواري. ولكن قديما كانت المراكب الكبيرة تنقل كل شيء . وربطت جنوب السودان بشماله ..

في سنة 1963 حضرت في الصباح وانا في طريقي الى توتي عندما كنت ملازما لاكثر من سنتين لأخي الاكبر مبارك بسطاوي رحمة الله عليه الذي كان مزارعا في توتي. وكان والده العم بسطاوي متعهد المشرع. وكذلك متعهد المشرع بين توتي وبحري, حيث يذهب الناس الى العمل في النقل الميكانيكي والمخازن والمهمات وبعض المصالح الاخرى. ولان المجرى ضحل فلقد كان هنالك مركبين صغيرين والعمل يجري عن طريق المدرة وهي طبعا قناية . وهذا العمل يبدو سهلا الى ان جربته لعدة ايام مع مبارك واكتشفت انه اصعب من القماش او الشراع.

اسوأ ايام بالنسبة للمراكب هي ايام رياح النو. التي تنازع الريس الشراع وتجعل المركب يتأرجح. واجمعل الايام هي برمهات وهذا شهر فبراير ومارس او ايام الربيع حسب الشهور القبطية. والنو يحد ث في فترة امشير وهي بداية الشتاء. بما ان النيل يجري من الجنوب للشمال فإن الريح المصري هو الريح الملائم للمعدية. ولهذا كانت المعدية تبحر فى خط مستقيم بين الموردة وتوتي. او بين الحجرة والساري والحجرة هي منطقة الموردة والساري هي المنطقة المنبسطة الرملية في توتي. وهذه احسن الشواطيء لرسؤ المعدية . والساري له شكلين , الطرح وهي الارض الرملية المنبسطة و الكونية وجمعها كونيات وهذه حفر عميقة تصنعها الشيمة او الدوامات وتتغير مناطقها وهي متعبة للركاب . فقد يجد الراكب نفسه فجأة ينظر الى راكب آخر على بعد مترين منه وهو يسير والماء لا يتعدى وسط ساقه . ويجد نفسه فجأة في الماء الى صدره.

احدى هذه الكونيات غدرت بأحمد الذي كان يساعد الريس ميرغني في نهاية الموسم عندما كثر العمل وحتى مواد البناء والرمل كانت تأتى من امدرمان فالرمل فى توتى ليس صالح للبناء . و صارت كثير من البضائع تنقل عن طريق المركب وسقط احمد وهو يحمل جولال من السكر. وشاهدت التاجر صاحب جوال السكر وهو يهتز من الصدمة. ودفع بحماره غاضبا بدون ان يلتفت الى السكر. وكان تعليق البعض انه رجل غني لا يحمد الله ويجزع للمصيبة.

المركب اما كاسحة وهذا عندما يكون الشراع ممتلئا بالهواء والحال عال العال . او منجرة عندما يطوى الشراع لأن الريح غير ملائمة ويستعيض الناس بالمجاذيف او اللبان. واللبان حبل طويل على نهايته حلقة او حلقتين ويقوم الرجال بجر المركب. وكنت استغرب لكلمة لبان الى ان وجدتها في القاموس العربي وتعني مقدمة الصدر. وهذه كلمة فصيحة. وفي هولندا وكثير من الدول الاوروبية يجروون مراكب الشحن في القنوات عن طريق الخيول .

عندما يكون الريح (عباديا) او انه يهب من الجنوب فلا يمكن إستعمال الشراع فالعرق في نفس اتجاه الريح ومعنى هذا ان المعدية سوف تطلع في الكدرو . ولهذا كنت اجر المركب باللبان الى بر ابو البتول . و ابو البتول فكي في امدرمان كان له بيان كبير جنوب كلية الشرطة في المنطقة التي احتلاها المجلس الوطني. ثم اقفز للمركب و بسرعة وندفرالقيف بالمدرة ونلقم النهر مجاذيفنا بسرعة حتى لا يجرفنا العرق بعيدا عن المشرع . نفس الشيء يحدث من توتي. فالجزيرة التي تفصل امدرمان وتوتي لها راس طيني عالي. وهذه المنطقة تعرف بأمكيعان لأنه كان هنالك ساقية قديمة تعرف بأم كيعان. ونعيد عملية اللبان ونطلع في الموردة في المنطقة بين البوسته وحديقة الموردة. في ذلك اليوم الامدرماني كان العم الخضر ينتظر في المشرع ومخلايته مليئة بالمعدات وعلى كتفه منشار الحبل. وما ان رآني حتى قال لي . الريس قال ليك استناه عشان نطلع المركب فوق القرم. القرمة هي الكتلة الخشبية. وجذع الشجرة الذي يكسر الجزار عليه اللحم يعرف كذلك بالقرمة . وهذه احدى ابداعات صانعي المراكب. فللقرمة ثلاثة ارجل مثبتة بمسامير المراكب. وتبدو بسيطة في شكلها ولكن صناعتها تحتاج لاكثر من الدقة.

ميرغني الذي كان ريس المركب ويحمل شلوخ الشايقية كان من ود راوة. إنسان لطيف دمث المعشر يتمتع ب طولة البال وهذه اول متطلبات المهنة. خاصة في المراكب الكبيرة لأن الرحلات قد تأخذ شهرا والطعام لا يتغير كثيرا والعمل روتيني وشاق ولسؤ الحظ يتجه نواتية الصعيد للبنقو. يقال انه يساعد كسر الرتابة ويساعد الانسان لنسيان الوقت. وكنت اشاهد حتى بحارة البواخر النيلية يدخنون بإستمرار . الريس الذي كان قبل ميرغني كان عمر العملاق وكان عملاقا بمعنى الكلمة . ويبدوا وكأنه على استعداد لكي يحمل المركب على ظهره.

عندما حضر المركب كان محملا بكمية كبيرة من الطلاب والموظفين في طريقهم للمدارس والعمل في امدرمان وكان هذا ما نسميه بالدور الثاني لان الدور الاول كان يحدث قبل السابعة ويمتليء بناس الخضار امثال الاخوان ابو دبورة وشرف حريقه رحمه الله على الجميع . ورجلان والحاج خوجلي ومبارك بسطاوي وآخرين. وهؤلاء يتجهون لسوق امدرمان لبيع الخضار.

بعد جهد تمكنا من رفع المركب على القرم. والغريبة ان العم خضر بالرغم من قصر قامته وسيقانه الغير مستقيمة كان يمتلك قوة كبيرة في رفع ودحرجة القرم. والمشكلة كانت ان بطن المركب كانت قد انهتكت وبالرغم من صلابة خشب السنط الصلب والذي لا تأكله حتى الارضا ( النمل الابيض ) , ينهتك بسبب حوافر الحمير فعندما لاحظت تخلخل بطن المركب قال العم خضر ... الحجر بـتآكل من كدر الحمار...انا شفت محلات في الجبال اكلها كدر الحمار ..

وبعد ساعات من العمل والاجتهاد والاسراع حتى تنتهي العملية قبل الساعة 2 مواعيد رجوع الموظفين والطلاب كان العمل قد انتهى وبمساعدة سراق الضهر والقدوم والبريمة . قام العم خضر بتغيير اربعة الواح وتمت عملية (القلفطه) وهي حشو الفتحات بين الالواح بخرق خاص من الدمور عن طريق الازميل والسندبيقة. والسندبيقة هي المطرقة الخشبية.

اذكر في تلك المدة كان ود الزين الذي يتواجد في تلك المنطقة طيلة الوقت وهو يحمل ضفائر طويلة على رأسه وكان يراقب عملنا وعندما كنا نرفع المركب طلبت منه المساعدة. لأن البعض قد تطوع بالمساعدة فنظر ود الزين الي بتعجب وقال (ها المجنون ده انا كان بدور الخدمة كان بقيت اشحد. وانت يا العوير شغال بدون قروش..كدي ادوني قرشين امش اشوف لي فطور). البعض كان يعتبر ود الزين مجنونا ولكنه كان من عقلاء المجانين . وكان يتواجد دائما فى المشرع ..

اذكر ان العم خضر كان يقول لي وشخص آخر انتو امسكو الدرقة والباقين يجرو ..ووهطوا عامود البدن في القرمةعشان صدر المركب يكون برة المويه. والدرقة هي مؤخرة المركب وهذه اهم جزء في المركب وهي عادة من الخشب السميك . وصنعها يحتاج لمهارة عالية و في هذا الجزء تركب الدفة . وتذود بخرسين ( حلقه حديديه ) او ثلاثة حسب الطلب وحجم المركب لكي تعمل الدفة وتسيطر على تحرك المركب. والدفة يجب ان تكون اعمق من المركب وإلا لن تسيطر على تحرك المركب. وإذا تعرضت الدفة لصخرة او جنحت السفينة فيجب ان تكون معلقة على الدرقة حتى تتحرك الى الاعلي بدون ان تنكفيء او تنكسر الدرقة او الدفه . وفي المراكب الكبيرة قد يكون إرتفاع الدفة لوحدها اكثر من ثلاثة امتار وانزالها وتركيبها يحتاج لبكرات ضخمة وتربط بسلاسل حديديه يصنعها الحداد . .

عود او عامود البدن هو السلسلة الفقرية للمركب ويمتد من الدرقة الى مقدمة المركب وهو من الخشب السميك. ومن هنالك تبدأ الالواح في الاتجاه الى اعلى وهنالك انواع كثيرة للمراكب ونوع الحمولة التي تحملها. فمركب المشرع عادة تكون واطية بحيث يكفي ان يدوس الريس على الدير حتى ينخفض المركب وتستطيع الحمير المدربة ان تدخل المركب بقفزة بسيطة. فمن اصعب الاشياءحمل الحمير التي لم تتعود على ركوب المركب ويقوم اثنين من الرجال برفع اقدام الحمار الامامية وإدخالها المركب ثم رفع الاقدام الخلفية. وبعض الحمير يحاول ان يعض صاحبه لانها تكون خائفة..
عندما يكون الانسان خائفاً او رافضاَ يقولون له مالك ذى الجمل الدايرين يدخلوهو المركب . وادخال الجمل فى المركب عمليه شاقه . ويقولون سيفو المركب . ويكون رأس المركب مواجهاً الشاطئ . والبعض يجذب الحبل من جهه والبعض يدفع الجمل من الجهه الاخرى . والجمل يحاول ان يرفس ويرغى .وقد ياخذ الامر اكثر من ساعه . وقد يحتاج الانسان لتقييد الجمل داخل المركب . ولكن بعد ان يتعود الجمل يصير اطوع من الحمير لطول سيقانه . وبعض الجمال تدخل المركب وكأنها راقص باليه.

دير المركب هو حافة المركب التي تغطى بألواح افقية مثبته بمسامير على جدار المركب الذي يكون في شكل رأسي. وهذا بعد تثبيت اعواد الكونية . وهذه هي الالواح السميكة التي تربط جانبي المركب وتقسم المركب الى كونيات او عنابر. وفي منطقة استراتيجية وبمقاييس معينة توضع كتلة خشبية تثبت الى عمود البدن بمسامير طويلة ومن المفروض ان تعمر طيلة عمر المركب الذي قد يمتد الى مئة سنة , وهذه الكتلة مجوفة حتى تثبت فيها القرية او الصاري وهذه الكتلة تعرف بالشمعة وهي اقرب الى الشمعدان الذي توضع فيه الشمعة. وفي حالة تغيير القرية لأي سبب فيمكن تضييق الفتحة بأخشاب إضافية والقرية تشد بحبال غليظة او اسلاك من الصلب, عندما ظهرت حبال الصلب المجدولة وهذا للمراكب الضخمة . وهذه الحبال تشد القرية الى عيدان الكونية وتعرف بالعيايير. وهذه لا تحل عادة وفي المراكب اكبيرة لها شعبيتين ضخمتين في مقدمة وفي مؤخرة المركب توضع عليهم القرية في حالة عبور الجسور. الشراع له حامل ضخم طويل يرتكز وسطه على القرية, ويكون بميلان خمسه واربعين درجه . والشراع يتحرك يمينا وشمالا حسب الاتجاه. مؤخرته الاقرب الى المركب تعرف بالمقدمة وهذه تكون ثابتة ومربوطة الى الكونية بحبل المقدمه .ومن اعلى حامل الشراع يمتد حبل طويل بالغ الاهميه يعرف بالمرسيم.... الشراع له شكل مثلث . هنالك حبل يغير شمالا ويمينا وهذا الحبل يعرف بالراجع..يربط بطريقة خاصة يمكن حله بجذبة واحدة . .

الشراع او القماش كما يقول النواته هو مصنوع عادة من الدمور القوي ومن المفروض ان يعمر اقل شيء 10 سنوات ويمكن رقعه. والنواته يعرفون المراكب من بعد عن طريق القماش. في شمال السودان شاهدت الشراع مزود بلوح خشبي في حافته , وهذا اللوح يبرم حتى يصغر او يوسع مساحة القماش. ولم يتح لي الوقت لكي ادرس هذه الظاهرة ولكنها غير موجودة في الصعيد. هنالك شراع يسمونه العبادي وهذا يستعمل فقط في المراكب الصغيرة (السرتق) كمراكب الحراز. والحراز خشب خفيف ليس مثل السنط. والقماش العبادي مستطيل او مربع الشكل مزود بقناية افقية في اعلاه وحبل فى شكل ثمانيه , وراجعين بدل راجع واحد. وهذا يجعل السرتق يندفع بسرعة خيالية. ولكن هذا القماش لا يمكن استعماله في المراكب الكبيرة وعملية لف القماش عندما تقترب المراكب الكبيرة من وجهتها عملية صعبة وخطرة . واغلب عمل النوتية يتصل بالخطورة . في المراكب الضخمة تكون عملية إدارة المركب خطرة جدا فعندما ترتفع الشحنة لا يستطيع الريس ان يرى ما امامه . والاروتي في الساقية والذي يسوق الثيران يجلس على شعبة والمقعد يعرف بالتكم بضم التاء. وهذه الشعبة مغروزة في التورييق وهو العمود الضخم الذي يلف ويحرك التروس التي تحرك القوادير التي تمتليء بالماء . وفي المراكب الكبيرة يجلس الريس على نفس الشيء الذي يمتد بضع امتار خارج المركب. حتى يستطيع ان يشاهد ما امامه وقد يحتاج الريس لأن يذهب للأكل او لقضاء الحاجة. ويجب ان يغيره شخص وعملية التغيير عملية تشابه نمر السيرك.

اما عملية قضاء الحاجة في المراكب الكبيرة التي ليس من المفروض ان تتوقف فيمكن ان اتركها لخيال القاريء.

في احدى رحلات المركب لأعالي النيل اسمع الكلام الكثير عن مركب دنقلا الذي وصفوه وكأنه سفينة نوح . وفي كل مكان كانوا يتحدثون عن هذا المركب وكان هنالك مركبا قد جنح وشرد عنه الماء . وكان على حافة الشاطئ فى المورده و قال البعض انه مكث هنالك من سنة 46 ولا مجال لرجوعه لأن الفيضان لن يبلغ تلك المرحلة. واكتفى اهله بتمليصه وهي اخذ كل المعدات وتركه. وعندما كان العم خضر يتحدث عن مركب دنقلا كنت اسأله اذا كان ذلك المركب بضخامة مركب دنقلا الاسطوري . وكان يضحك ويشير الى دكاكين المورده وبرندات الموردة التي على الواجهة وكان يقول لي ...يا زول مركب دنقلا كان يشيل الدكاكين دي كلها في بطنو..ذلك المركب كان ينطلق في الدميرة حاملا كل منتجات الشمالية في رحلة ضخمة الى مصر ويعود محملا بكل ما تحتاجه المنطقة من سكر وشاي ومعدات ومنسوجات.
سمعت عن هذا المركب من الاخ ارسط حمد الملك رحمه الله عليه . وهو من اهل حمد الملك ووالدته من المحس كان زميل درساه لنقد ودكتور ابو سليم فى مدرسه حلفا الوسطى . وسعدت وافتخرت فيما بعد عندما عرفت بأن صاحب ذلك المركب وريسه هو والد ابن الخال عزالدين السيد رئيس البرلمان السوداني. فوالدته هي عشمانة صالح ابتر وآل ابتر من جزيرة مشو التي تواجه جزيرة بدين المشهورة.ومشو تعرف بالحفير كذلك, لان جيش كتشتر قد حفر في حفيرا كبيرا. وعز الدين السيد متزوج من علوية اسماعيل محمد ابتر ووالدتي هي امينة خليل ابتر . وهذه المعلومات اكدها لى الخال حسن محمد صالح ابتر . والدتى رحمه الله عليها كانت تقول لنا اهل امكم مراكبيه واهل ابوكم طوافه .فالرباطاب تخصصو فى الطوف . والطوف قد يكون طوله عشرات الامتار من الخشب والعروق والرصاص والشكاب . ويديره دستتين من الرجال يندر ان يصل جميعهم الى وجهتهم . وتبدأ الرحله عادة من اعالى النيل الازرق , وسنعود للطوف ..

ولكم حلمت بأن اشاهد ذلك المركب الاسطوري لكن اظن انه قد اختفى من الوجود. والمركب الضخم الذي كان على الشاطيء قام انسان سخيف في الستينات بإشعال النار فيه ...ولكن تبقى للمراكب ذكرياتها ودورها في تطوير المجتمع السوداني ..

صناعة المراكب التي كان اساطينها الدناقلة كانت اول صناعة متطورة في السودان.فلقد احتاج الناس للسلاسل والهلب وخاصة المسامير التي تثبت الالواح .وبجانب النجار كان هنالك ما عرف بتبيدي وهو الحداد باللغة النوبية , كلمة بيومي كلمة قديمة من ايام الفراعنة تعني البحار. وعندما كنا في اعالي النيل وكان النواته يتحدثون عن مركب دنقلا الاسطورية.. والبعض كان يتساءل وكان البعض بعض يشطح ويقول ...يا زول اقول ليك اقل شيء الف مسمار ولا اقول ليك الفين. ويحتج البحارة الكبار ويقولون . الأسطة الشاطر ما بكتر المسامير بينجر الالواح ويخليها تخدم. والله اللوح ينزل في المشقبية قنفطة ما يحتاج ليها..
يقولون الدنقلاوى حلاب التيس والآن يفهم الناس ان الدنقلاوى بليد . ولكن القصد من المثل ان الدنقلاوى يستطيع ان يعمل اى شئ . لانهم من صنعوا تلك المراكب الضخمه . وصنعوا الساقيه وهى عمليه هندسيه معقده . وصنعوا العصارات لعصر الزيت . وشكلوا الحديد . وابحروا بالسفن . وكانوا هم والمحس اطيب الناس طعاماً .
قديما كان هنالك ما عرف بالحجا القصار عباره عن الغاذ . ويقولون مثلا اولادى جو من الفزع رابطين راسهم من الوجع وهذه هى القطيه . او عمى تيه مصارينو ميه . وهذا هو العنقريب . وخيره العناقريب هو عنقريب الساج وهو سرير العرس وكان يصنعه اهلنا الدناقله . ويقولون حبوبتى من شدتها ولضتها شالت جدى فى صفحتها وهذه هى الشعبه التى تحمل المرق . ويقولون حبوبتى جات من السفر جلدها كلو ملان دبر . وهذه هى المركب المليئه بالمسامير . والتى ربطت البلاد من الاسكندريه الى الرجاف .
ونواصل

التحية....

ع.س./ شوقي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2260

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#164612 [شاهد العصر]
0.00/5 (0 صوت)

06-22-2011 12:23 PM
الدنقلاوي حلاب التيس
==================
الاخ / شوقي بدري لك التحايا
كما ذكرت ان الدناقلة هم من برعوا في صناعة السفن وكانوا من اساطينها ولتخصصهم في هذه المهنة اعتقد الناس ان المهن الاخري ليست مجال ابداعهم لذلك اعتبر البعض ان لاعلاقة لهم بسعاية وتربية البهائم لذا قيل انهم يحلبون التيس وهذا ليس عيب او تقصير او عدم معرفة لكن ما قيل في هذا كان من باب الدعابة حيث كانت الدعابة وقتها رابط قوي بين القبائل السودانية والامثلة كثيرة مثلا اهل العوض , ادروب , وغيرها وليت الزمان يعود قليلا وتعود معه الاهتمامات السامية للشخصية السودانية 0


شوقى بدرى
شوقى بدرى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة