المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مشروع الجزيرة.. القيم الاجتماعية والاقتصادية التقليدية في مواجهة الشره الرأسمالي
مشروع الجزيرة.. القيم الاجتماعية والاقتصادية التقليدية في مواجهة الشره الرأسمالي
07-08-2010 04:17 PM

مشروع الجزيرة.. القيم الاجتماعية والاقتصادية التقليدية في مواجهة الشره الرأسمالي

أسامة بابكر حسن
[email protected]

إن التغيير الاجتماعي والتغيير القيمي بالإضافة للاكتفاء الاقتصادي لألوف القرى في منطقة الجزيرة، والمركز الاقتصادي والسياسي الواعي الذي تشكل في مدينة ودمدني حاضرة ومركز المشروع هي من أهم منجزات مشروع الجزيرة ناهيك عن الدور الاقتصادي الكبير الذي كان يرفد به الاقتصاد السوداني التقليدي منذ نشأته في عام 1924م أهم المكتسبات الاجتماعية لمشروع الجزيرة هي البوتقة الاجتماعية المتصالحة التي تكونت من شتى قبائل السودان والأمن الاجتماعي الناتج من الاكتفاء الذاتي للقرى التي يبلغ عددها آلاف القرى والتي ما زالت تتشكل في المشروع من مختلف أقاليم السودان خصوصاً من أهلنا من قرى غرب السودان وجبال النوبة الذين استوطنوا ويستوطنون في مدن وقرى المشروع لما رأوا فيه من استقرار يوفر لأبنائهم على الأقل الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية التي لا تتوفر في مناطقهم.

في زيارة لمشروع الشيخ زايد رحمه الله الممتد شرق النيل الأزرق وقفت عند الترعة (أنبوب حديد ضخم ممتد من النيل الأزرق إلى بداية المشروع) سألت أحد كبار المزارعين ويبلغ من العمر حوالي 70 عاماً ماذا أفاد المشروع أبناءكم، فرد قائلاً ( والله يا ولدي حتى بهائمنا ما قادرة تشرب من الترعة لأنها معمولة من أنابيب الحديد، زمان الترع على وش الأرض نشرب نحن وتشرب بهايمنا)، ولعل مشروع الشيخ زايد رحمه الله يرتكز على أسلوب المزارع المتقدمة في دولة الإمارات خصوصاً منطقة العين حيث أن هذه المشاريع مزودة بمعدات للري والزراعة متقدمة وتدعم الدولة هذه المشاريع تشجيعاً للزراعة ومنعاً للزحف الصحراوي وهي مؤسسة وفق البنية التحتية المتقدمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي إحدى السياسات الحكيمة للشيخ زايد رحمة الله عليه، ولكن في حالة مشروع الجزيرة فان الأمر جلل فتولي الشركات الضخمة للمشاريع الكبيرة نجح في دول تمتلك بنية تحتية ريفية متقدمة من طرق وشبكات كهرباء وماء، ففي هذه الدول يتفوق مستوى الخدمات في المنزل الريفي على أفخر المنازل في حي المنشية في العاصمة الخرطوم هذا الحي الذي خرجت منه سياسات الخصخصة التي لم ترجع بالمشاريع لقواعدها سالمة، فخصخصة مشروع الجزيرة ستكون عبئاً على العاصمة الخرطوم وحاضرة المشروع مدينة ودمدني فجيوش الخريجين من أبناء المزارعين الذين كانوا يعتمدون على إنتاج أراضيهم الزراعية ويتحملون بها فترة العطالة بعد التخرج ولو لبضعة سنوات فبعد امتلاك المشروع من قبل الشركة حالما يتخرج هؤلاء سيتجهون لهذه المدن للبحث عن وظائف.

والمثال الذي ضربته عن مشروع الشيخ زايد رحمه الله سينطبق على الإقليم كافة فالشركة التي ستتولى المشروع بالطبع لن تنظر للقيمة الاجتماعية ولا للقيمة الاقتصادية التقليدية التي كانت تعتمد عليها مئات الألوف من الأسر في ريف وقرى المشروع، وبالتالي ستتحول طبائعهم الاستهلاكية التي كانت ترتكز على منتجات المشروع من عيش وقمح يدخرون منه بعد بيع الإنتاج بضعة شوالات لعامهم بالإضافة لعدة قطعان من الماعز أو البقر يقتاتون من منتجاتها التي تشكل جزء كبير من طعامهم، فتخصيص المشروع وتحويله لشركة سيؤثر على طبائع الاستهلاك الغذائي لأهل هذه القرى حيث سيفقدون ربما العديد من مواشيهم وشوالات القمح والعيوش التي يدخرونها من عام إلى آخر وستتحول طبائعهم الغذائية إلى طبائع أهل المدن عندما يقتقدوا مقومات الاكتفاء الذاتي الريفي الذي ذكرته، وقد يكون أهل سنتر الخرطوم غير واعين بقيمة الاعتماد الاقتصادي الذاتي لهذه القرى في الوقت الراهن بل ربما لا يعرفون العديد من أسماءها ومستوى توفر أو عدم توفر أدنى المقومات الانسانية لحياة الناس فيها وأهمها الوصول للعلاج والتعليم بمواصفات مرضية. فطوال عمر المشروع الذي قارب المائة عام تمكن الإقليم من خلال الاقتصاد الزراعي التقليدي وامتلاك أهل قرى المشروع للمواشي من رفع العبء على الحكومات المتعددة على الأقل من ناحية الاقتصار على طبائع الطعام التقليدي رافعين بذلك عن كاهل الدولة المطالبة بالعديد من الخدمات المتوفرة في المدن الكبيرة. بالتالي يقتضي تخصيص المشروع في البداية إحداث نقلة مدنية لهذه القرى وذلك أنهم سيفقدون تسهيلات الاقتصاد الريفي من تربية ورعي بهائم وزراعة جروف في أرض المشروع التي كانت منفتحة والتي سيتم السيطرة عليها بطريقة أو بأخرى من قبل الشركة المشترية والتي بالطبع ستقيد على الاقل التسهيلات الطبيعية التي كان يوفرها المشروع.

ان نسبة الإعسار والفقر وسط المزارعين ستدفعهم لرهن حواشاتهم لا بغضاً للأرض التي ألفوا ترابها ودرس بمدخولها مجاناً الكثيرون من متخذي القرار الحالي في السودان، فتجاهل المشروع وانهيار بنياته الأساسية وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي يدفع 95 % من المزارعين أصحاب الملك الحر أو الحكر من بيع حواشاتهم لتؤل لفئة محددة عبر البنوك مع العلم بأن عدد المزارعين في المشروع حسب آخر الإحصائيات غير الدقيقة هو مليون وألفين وأربعمائة مزارع ومزارعة سيذهبون في مهب ريح حفنة من الرأسمالية المحتكرة للثروة والسلطة.

الشائعات التي تدور حول بيع المشروع لإحدى الشركات تقول بأن السبب هو تغيير أسلوب الري الانسيابي المكشوف إلى أسلوب جديد يوفر الماء، ومعلوم أنه قد تم نزع ري المشروع من وزارة الري وهي الجهة التي كانت مسئولة عن ري المشروع، لذلك منذ منتصف التسعينات شهد المشروع إعسارا في انسياب المياه مما أدى إلى استخدام كثير من المزارعين للطلمبات لري حواشاتهم فزادت تكاليف الإنتاج الزراعي، في حين أن وزارة الري كانت توسع الترع الرئيسية وتنظفها من الحشائش لذلك لطالما اهتم بهذه الوزارة الرئيس السابق المرحوم جعفر نميري لما كان يراه من المحافظة على هذا المشروع. هذا العدد الضخم من المزارعين بالإضافة لأسرهم وأغلبهم من إقليم غرب السودان هل يعني تفريغ المشروع من هذه الأسر، أم أن بيع المشروع ليبقى تحت نظام شركة بدلاً من بقاءه شراكة بين الملاك والدولة جزء من الإضعاف الاقتصادي لإقليم الجزيرة على حساب إقليم الشمال الشمالي. فمن المفارقة التفريط لشركة في أضخم مشروع قائم يمكن تطويره في الوقت الذي يتم فيه إنشاء مشاريع زراعية شبيهة في أقصى الشمال ولو كلف ذلك سفك دم البعض، وفي وقت يتم فيه إنشاء مشروع كمشروع سندس الزراعي المكلف والذي ظل يتقلب في رحم الغيب سنين عدداً. ماذا سيحدث لو أن متخذي قرار بيع مشروع الجزيرة فعلوا نفس الشيء مع أهالي الشمالية وطلبوا منهم بيع أطيان النخيل وجروف الحبوب والخضروات لشركة. إن تخطيط المشاريع الكبرى يتم بالنظر للقيمتين الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع، ولكن في بيئة الشركات عابرة القارات وبيئة الرأسمالية الكالحة لن يتم النظر لأي قيمة اجتماعية أو اكتفاء ذاتي لأهل المناطق المقامة عليها المشاريع اللهم إلا بحسابات الفائدة والربح للشركة، ويعتبر تغيير أنماط المجتمعات لصالح منتجات وخدمات الشركة هو أهم سياساتها التسويقية سواء كانت هذه الشركة اسلامية أو رأسمالية أمريكية فلا عبرة بالاسماء فكم مؤسسة أو شركة حملت اسم الاسلام لمجرد الربح، وكم شركة لم تحمل اسم الاسلام ولكنها طبقت بعض مبادئه ودونكم في الحكم شركة مايكروسوفت العملاقة وتجربة بنك فيصل الاسلاموي السوداني وكثير من المؤسسات التي تعيش على اسم الاسلام الذي لو نطق لنطق فيهم عجباً.

يجب النظر لمشكلة مشروع الجزيرة من البعد الاجتماعي والاكتفاء الريفي الذاتي بعيداً عن تفريغ الإحن السياسية أو القبلية والنظر في تطوير المشروع بأيدي كل السودانيين حتى لا يصبح الإقليم ضمن هلال التهميش السوداني فتنفتح جبهة مواجهة جديدة .... فقديماً قيل قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق. سيبيع الكثيرون من المزارعين حواشاتهم ويقبضون بضعة ملايين ينفقونها في بضعة شهور في محرقة الغلاء الجارية حالياً، ولكنهم سيفتقدون الاكتفاء الذاتي التقليدي الذي كان يشكل أغلب طعامهم وبالتالي سيقعون في فك سياسات الشركة المشترية ..ما يجري لمشروع الجزيرة شبيه بأحداث رواية (The Company) للقاص الامريكي روبرت ليتل.
العرض المناسب للشاشة. إظهار الرسالة الكاملة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1907

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#5815 [سيف الدين]
0.00/5 (0 صوت)

07-09-2010 12:24 AM
ماذا فعل هولاء بمشرع الجزيرة .
ذلك المشروع العملاق الذي كان محافظه ورئيس مجلس ادارته اهم من وزيره ( وزير الزراعة ) وحاكمه اي حاكم الاقليم الاوسط بمحافظاته الثلاث ( النيل الازق والابيض والجزيرة ) .
و المشروع الذي كان اقوي من المؤسسات العسكرية في الانضباط و اكثر مرونة في اتخاذ القرارات من الشركات الحديثة .
اين ادارات المشروع و مدراؤها المؤهلين اين تلك المصالح و الاقسام ورؤوسها العلماء . الذين تم تدريبهم منذ تخرجهم والتحاقهم بالمشروع و الي ان تم ابتعاثهم الي جميع دول العالم المتقدمة للنيل من العلم و الخبرات ، والذين تم فصل الكثير منهم للصالح العام و لم يتم التواصل بينهم وبين الجيل الجديد الذي لم يجد من يرث منه علما وخبرة .اين اليات المشروع وسكة حديد الجزيرة وقاطراتها ومقطوراتها اين الجرارات العملاقة من D7 و D8 وخلافها من الجرارات الخفيفة و القريدرات هل تم تذويبها في محلول الاسيد ، اين الورش الهندسة الميكانيكية العملاقة ، بل اين واين واين اللهم لا نسألك رد القضاء . ولكن نسالك اللطف .
انتهت كل تلك الاصول بل انتهت الارض و استهلكت بسياسات التكثيف الزراعي بدون مقوامات فليس هناك امكانية لري الارض مع زراعة كامل الاراضي فكل الهم ان يدفع المزراع ضريبة المياه و الارض مما افقد الارض خصوبتها فانخفض الانتاج الي الربع او اقل وزادة التكاليف و لاول مرة في حياتي اري طلمبات تسحب المياه من الترع لري الزراعة بمشروع الجزيرة . بالله يا اهل الجزيرة هل رايتم سابقا هذه الطلمبات اللهم الا طلمبات المحليات في الخريف لسحب مياه الامطار من القري الي الترع اي العكس .

و الله انا لم افهم لماذا هذا التدهور و لمصلحة من و ما هي فلسفته ، بل هو بالتأكيد متعمد ومقصود لانو لو كان اهمال لما كان التدهور بهذه السرعة و ان كان لعدم الدعم او التمويل فالمشروع قادر ان يمشي نفسه .
نرجو من اهل العلم افادتنا ما هو المقصود .
بخصوص التمويل لقد كان القطن يمول فكانت كل مصروفات الانتاج من حرث ثقيل وخفيف و قنوات وتقاوي ومبيدات وعدد ( 3 ) سلفيات زراعية و ( 2 ) سلفية لقيط وسلفية قليع القطن . كل هذه كانت تسمي مصروفات الانتاج و كانت تمول بارباح 10% . وبعدها كان المزارع ، يقوم بسداد كل هذه المصروفات مع فوائدها ، وتعود عليه ارباح من انتاجه بعد كل هذه المصروفات وكانت هذه الارباح تحسب له مع اخر قنطار يصل من محصوله للمحالج .
بل كان تحضير اراضي الذرة و الفول مجانا وكانت تكاليف تاسيس محصول القمح بدون فوائد و بدون ضرائب .
وكانت كل تلك الاعمال تتم عن طريق موريدين ومتعهدين و مقاولين سودانين - وبشفافية كبيرة طبقا للمنافسة الشريفة بين المتعهدين و لمصلحة المزراع .
بل كان الجميع بالمشروع من تجار وعمال ، يعمل و يستفيد فالمتعهد الصغير صاحب اللوري او صاحب الجرار الخفيف او التاجر المقتدر المورد صاحب الامكانيات الضخمة كل واحد يجد فرصته و يستفيد وليس هناك احد فوق القانون .
اللهم رد لمشروع الجزيرة عافيته حتي يستفيد جميع القاطنيين علي ارض الجزيرة والسودان اجمع .

سيف الدين - مزارع وموظف سابق بالمشروع .
.


#5778 [فتح الرحمن]
0.00/5 (0 صوت)

07-08-2010 07:18 PM
شكرا اخي اسامه وفعلا تصد يقا لكلامكك بدا بعض المزارعيين يبوعون حواشاتهم ومن ثم الرحيل صلا من الجزيره نحو العاصمه لانو ما في سبب اخليهم يقعدوا في الجزيره . ففي اجازتي الماضيه وجدت الوالد مصر على بيع الحواشه وعندما سائلته عن الاسباب كان الجواب \" ان الحوشه ياولدي اصبحت ما جايبه همها\" حتى الوميه اصبحت باطرمبات الفدان ب 30 جنيه يعني اغلى من الحراته يعني الخمسه فدان بنسقيها ب150 جنيه . والماعندو قروش زرعرو يموت قداموا من العطش ؟؟؟
طبعا عندما رفعت وزارة الري يدها عند المشروع الت ادارته الي ما يسمي بالروابط كل نمره من لحواشات لديها رابطه من المزارعين ليس لهم حيله في تزليل صعاب كانت تقوى وزاره على حلها وزارة ناهيك عن مزارعيين معظمهم لا يعرف يقراءه او يكتب؟؟؟؟ وفي السنه الماضيه اتو بشركة الهدف التابعه لمولانا ؟؟؟؟ لتكون مسوؤل عن الترع لتغرم وتسجن اي مزارع تنكسر المويه عندوا زايد جمع الضرايب وهي اهم عندهم من المشروع نفسه.
الشي المخجل انو ما يزال البعض منهم يتكلم عن النهضه الزراعيه والصادرات غير البترولية!!!!!!
وابكر ضربه كانت للمشروع كانت في تعيين رئيسه الحالي \"ود بدر\" ولكنا يعرف ودبدر لم يدهب الي مؤسسه إلا ودمرها وخرها \"سودانير \" ولو كان فيه خيرا لنفع الجزيره هو والي ؟؟؟؟
الكلام الاهم الان ليس المشروع المشروع الان اتعرف مصيرو الهم ارحموا السوال الان هو اين دهب ارث الشروع من شركة اقطان الجزيرة التي لايعرف عنها المزارع غير اسمها شركة بورت الجزيرة ومؤسسة الحرفريات اين دهب الجرارات الضخمه ال D7 وووووووووووووو؟؟؟؟؟
الجزيره ماعندها وجيع ومن يهن يسهل الهوان علية؟؟؟ المحاسبه المحاسبه هي الحل....


أسامة بابكر حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة