المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رباح الصادق المهدي
إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني،،، علاقة حزب الأمة بمصر.. حقب وحقائق
إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني،،، علاقة حزب الأمة بمصر.. حقب وحقائق
06-22-2011 12:59 PM

إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني.. (3-5)

علاقة حزب الأمة بمصر.. حقب وحقائق

رباح الصادق

ما زالنا نداخل ما جاء في مقال الفلسطيني د. محمود محارب المنشور بصحيفة (السوداني) في 11 يونيو والأيام التالية. قال محارب المستند إلى الوثائق الإسرائيلية وحدها إن محمد أحمد عمر الذي وصفه بأنه نائب الأمين العام لحزب الأمّة، شرح قلق السودان من \"محاولات مصر زيادة نفوذها في السودان على الرغم من اعتراف مصر أمام الخارج باستقلال السودان\". وأنّ \"مصالح السودانيين الذين يتمسّكون باستقلال السودان تتماهى مع مصالح إسرائيل ضدّ الخطر المشترك المتمثّل في مصر\". سنثبت لاحقا أن السيد عمر لم يكن نائبا لسكرتير الحزب في يوم من الأيام فهذا ضمن جهل محارب بشأن حزب الأمة، ولكن يهمنا هنا الحديث عن مضمون الكلام.
ونحن نجرؤ على القول إن تماسك الحزز بين حزب الأمة ومصر كان الموقف الوطني الوحيد الممكن لأي مؤمن بكينونة السودان وذاتيته، وهذا الإيمان الذي صار الآن سائدا بين غالبية الشعب السوداني ومثقفيه لم يكن كذلك أيام تماسك الحزز. وحتى بعد أن روجعت الوطنية السودانية عشية الاستقلال وتشبث الجميع بالشعار الذي رفعه الحزب (السودان للسودانيين) فعلا وإن لم يرض به البعض اسماً، ظلت الإدانة للموقف الذي بُنى عليه السودان الحديث! هذه حقيقة أولى.
الحقيقة الثانية هي أن موقف حزب الأمة من مصر لم يكن واحداً متصلاً في جميع الأوقات، لأن العداء لم يكن سجية نفس في حزب الأمة بل كان استجابة لمواقف تتخذ في مصر، ومصر عاشت ظروفا وحقبا مختلفة إبان معركة الاستقلال الثاني في السودان. في العام 1882م وقعت تحت الاحتلال البريطاني الذي أبقى على أسرة محمد علي ووضع حداً لتبعية مصر للحكم العثماني. وبعد انتفاضة 1919م المصرية عُزل الحاكم البريطاني وفُك أسر البطل سعد زغلول ورفاقه وتواصلت الانتفاضة حتى ذهب الاحتلال في 1922م، ثم صدر دستور 1923 الذي أعطى الملك صلاحيات أقل وجرت انتخابات تشريعية فاز فيها سعدٌ ولكن بقي الملك، والتف الملك على الدستور فظل اللاعب الأول يتلاعب بالحكومات حسب مزاجه ونصائح البريطانيين الذين ظلت قواتهم في السويس وظل لسياسييهم اليد الطولى. وفي يوليو 1952م قامت ثورة الضباط الأحرار التي جاءت بمحمد نجيب رئيساً حتى عزله جمال عبد الناصر. ووضعه في الاقامة الجبرية عام 54. هذه تقلبات كثيرة. في كل واحدة منها كانت هنالك تبعات على السودان.
بعض السودانيين كانوا يقيسون تلك التقلبات بما يثبت حقيقة واحدة هي أن مصر والسودان شعب واحد للمصريين فيه يد عليا منادين بوحدة تحت تاج مصر أو تحت سيادتها هؤلاء هم الاتحاديون بمختلف فصائلهم. وبعضهم الآخر كانوا يتعاملون مع تلك التقلبات في المقابل بما يؤكد حقيقة واحدة هي أن للسودان ذاتية وكينونة خاصة، هؤلاء هم الاستقلاليون بمختلف فصائلهم ومنهم حزب الأمة، يستنكرون التبعية للتاج المصري، وبكلمات عكير الدامر:
مسكين يا وطن للبنصفوك محتــــاج
أبناك نفسهم عادوك ناس التـــــــــاج
بدل ما يتوجوك يا طيب الإنتــــــــاج
عقدوا الراي على حكمك تحت لي تاج!
تأثرت نخبة سودانية بانتفاضة 1919م المصرية، بعضهم تأسياً بالأحرار وآخرون لفظاً للقومية السودانية في تجلياتها القبلية كالقائد علي عبد اللطيف. هؤلاء الثوار خاب فألهم من منبعين: من الجانب المصري الذي ظنوه سوف يساندهم فأحجم، ومن جانب سواد الشعب السوداني العريض الذي لم يستجب إلا في نطاق حضري محدود. موقف الإمام عبد الرحمن المهدي من الثورة موثق في مذكراته، اعتبرها صدىً للحركة الوطنية المصرية غير مهتم بالذاتية السودانية، حيا بطولة الثوار ولكن عارض الانجراف فيها عبر مؤتمر العباسية الذي عقده بمنزله في العام 1923م. كان يخشى جداً إلتحاق السودان بمصر تحت التاج المصري الذي كان آية في الفساد وعدم السداد. علاوة على انمحاء الذاتية السودانية والاستخفاف بالسودانيين. ولكن ذلك لم يمنعه من مساندة مجهودات اللواء الأبيض ماليا في دعم الطلاب السودانيين بمصر.
يذكر الإمام لقاءه بالسفير المصري لفرنسا محمود فخري باشا صهر الملك في العام 1937م، ومقولاته الجارحة للذاتية السودانية: السودان \"نحن فتحناه بالسلاح\" والسودانيون كانوا سعداء بوضعهم كتابعين مطيعين لمصر لولا تدخل الإنجليز، وقال إن الرجل شعر بتلك الجروح فحاول تطبيبها متحدثاً عن علاقات الاخوة بين السودان ومصر (فقلت له إن الاخوة تقوم على الإنصاف والمساواة وليس فيها سيد ومولى ومالك ومملوك)!!
لنعد لثورة 1924م. مؤسسو حزب الأمة (الذي تأسس لاحقاً في العام 1945م) وقفوا منها مواقف متباينة، بعضهم مثل الأمير آلاي عبد الله خليل كان جزءاً لا يتجزأ منها عبر جمعية اللواء الأبيض. ولكن المواقف المصرية المخزية تجاه الثوار جعلته يتحوّل لعداء شديد لمصر وللمصريين ويبتعد عنهم بُعد المشرقين. هذه التجربة المرة للسيد خليل مع مصر التي أحبها وتجاوب مع ثورتها ولكنها خذلته كان لها أثر كبير جداً في الأحداث اللاحقة، وربما كانت هي أساس التصرف الذي قام به فندم عليه وهو تسليم السلطة للعسكر في العام 1958م.
والسيد خليل ليس العائد الوحيد من قافلة العشق المصرية بعد ذلك الخذلان المبين. منهم كذلك حادي الوطنية الأول خليل فرح وكان يتغنى في أيام الثورة بـ(نحن ونحن الشرف الباذخ دابي الكر.. شباب النيل) و(مافيش تاني مصري سوداني نحن الكل ولاد النيل). لكنه آب وصار يغني للذاتية السودانية لـ(يمين النيل حيث سابق كنا فوق أعراف السوابق)، و(اذكر بقعة أم درمان) ودفن بين أولئك النفر في مقابر (أحمد شرفي). وليسوا أهله بالدم، إذن هم أهله في الوطنية!
وبرغم رفض التاج والسيادة تجد أن راعي حزب الأمة، كان يحاول إيجاد أية ثغرة أو منفذ ليتقرب لمصر والمصريين ويؤكد أنهم يرفضون \"حق الفتح\"، ولكنهم لا يرفضون مصر وعلاقة الإخاء بها. فلدى زيارة البعثة الزراعية المصرية في 1935م ردم (الجاسر)- وهو خور ضخم يمنع الوصول للجزيرة ابا في الخريف حيث تكون جزيرة كاملة- لتصل عرباتهم إليها واحتفى بهم حفاوة هزت قلب الأمير عمر طوسون، ودفع الثمن غالياً حيث (عبرت الحكومة عن استيائها بأن أغلقت مشروع قندال الذي كان يدر عليّ سنويا نحو ثلاثة آلاف جنيه) بكلماته.
التحول الكبير حدث بعد ثورة 1952م المصرية التي أظهرت مرونة، فوقع معها اتفاقية القاهرة في 1953م التي كانت هادي مصر للتنازل عن السيادة مما قاد لاتفاقية الحكم الذاتي (بين مصر وبريطانيا) أهم لبنة في استقلال السودان، وعقد معها كذلك اتفاقية الجنتلمان التي تفرض على مصر عدم التدخل بالدعاية والأموال في الانتخابات السودانية وقد خرقتها كما سنفصل لاحقاً. وأثنى الإمام عبد الرحمن على مواقف مصريين كثر منهم موقف الشيخ المراغي إمام الجامع الأزهر الذي كان يؤيد حق السودانيين في الحرية.
بل لقد بلغت درجة التآخي مع مصر بعد تحقيق الاستقلال سعي بعض قادة حزب الأمة أولهم الإمام عبد الرحمن لإبرام اتفاقية مع مصر عبد الناصر في 1958م، ما وثقه السيد عبد الفتاح المغربي في مقاله بعنوان (الإمام عبد الرحمن المهدي يسعى لعقد معاهدة عسكرية بين السودان ومصر قبيل الانقلاب) نشر بالأيام (7 أبريل 1967م) وأورده دكتور فيصل عبد الرحمن علي طه في ملاحق كتابه في العام 1999م. قال المغربي الذي كان آنذاك عضوا مستقلا بمجلس السيادة، إن السيد عبد الرحمن المهدي اتصل به ليخبره أنه سيرسل لداره اثنين من أقطاب حزب الأمة (السيدان عبد الرحمن علي طه وعلي بدري) وعرضا عليه تبني مباحثات سرية مع الرئيس عبد الناصر عبر السفير المصري بالخرطوم للوصول لاتفاقية بين السودان ومصر، وروى إكمال المباحثات حولها. ثم دعا السيد عبد الله خليل رئيس الحكومة حينها لمنزله وعرض عليه الأمر فكان شديد الصمت كعادته، وطلب إعطاءه نسخة مسودة الاتفاقية، وبعد ذلك مباشرة حدث الانقلاب. في الحقيقة هذه الرواية محيرة جداً لأن إخفاء الإمام عبد الرحمن المهدي للمسألة من رئيس الحكومة وأقرب الناس إليه غير مفهوم، هل ذلك بسبب الخلاف الذي أشار إليه المغربي في مطلع مقاله داخل حزب الأمة؟ هل هو بسبب معرفة حساسية السيد خليل البالغة إزاء مصر وأي اقتراب منها فأخفى عنه المباحثات حتى تنضج وتأتي بعرض لا يرد ولكن المغربي استعجل وتدخل (بين البصلة وقشرتها)؟ الله أعلم. ولكن الأكيد هو أن حزب الأمة لم يكن كومة صماء تجاه مصر، ورأس حربة العداء لم يكن منطلقاً من عداء تاريخي بل من تجربة مرة.
قيّم الإمام عبد الرحمن في مذكراته حزب الأمة فذكر أخطاءه ومنها أنه ذهب في بعض الظروف أكثر مما يجب في مهادنة الحكومة وقال إن شباب الحزب تبرموا من ذلك وإن مهمته كانت أن يحافظ على التوازن بين الشباب والقادة. أعتقد يجب أن يضاف لتلك الأخطاء الطريقة التي تم التعامل بها مع خلاف الرؤى داخله عشية انقلاب نوفمبر، وكان بعضه متعلقا بالعلاقة بمصر، وعدم التعامل الحكيم أدى لأن يقوم السيد خليل بخطوة كان هو أول ضحاياها وأول النادمين. لقد كتبنا عن هذه الحادثة كثيراً وفي كل مرة كنا نواجه نقداً وغضباً. السيد عبد الله خليل من أحب الناس إلينا باستقامته الأسطورية وعزمه وحزمه ووطنيته الباذخة. لكن قادة الحزب أنفسهم اعترفوا ببعض الأخطاء لحزبهم ولأفراده، فما بالنا نحن نخاف أن نذكرها ونتحسب الحسابات؟ هل من بشر لا يخطيء؟ اللهم لا، وخير الخطائين الأوابون، وقد استمعنا لمجريات أوبتهم ووثقناها فلا يضيرنا الحديث عن خطأ.
ومهما أخطأ بعض قادة حزب الأمة فيما يتعلق بالموقف إزاء مصر، إلا أنه لا يمكن وصفه بأنه عداء متصل، ولا مربوط بغرض ذاتي أو غير موضوعي، كانوا صفحات مفتوحة لمن يقرأ، وكان السودان نصب أعينهم. ألا رحمهم الله أجمعين، ورحمنا إنه أرحم الراحمين.
نواصل بإذن الله
وليبق ما بيننا


الرأي العام


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1233

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#165730 [سودانى طافش ]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2011 11:16 PM
وماهو المخزى والمعيب فى أن ننصاب مصر العداء ! صدقينى لاهم بيحبونا ونحن أيضاً نبادلهم نفس المشاعر ! كانت لهم اليد الطولى فى إنفصال الجنوب بكل خبث ودون أن يشعر أحد , يكرهون السودان القوى فهو خطر عليهم وعلى وجودهم ! أفتخر بأنى أكره مصر والمصريين حتى النخاع !


رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة