المقالات
المنوعات
من حقيبة السفر
من حقيبة السفر
02-06-2016 11:21 AM

*(إن روح الإنسان من الفضاء بقدر ما في فأبدية المكان تتحقق في كلا الإتجاهين ..). - ألكسندر أليوت -
إلي شاعر سوداني عائد:
ها قد وصلتَ
أ ْطفيْء هديرَ روحكَ
فالنيلُ بانتظاركَ
ومدرجُكَ مضاءُ بالذكريات
- وحيداً خرجتَ من عشّك الصغير
وحيدا ً عدتَ!
بجناحين طويلين، وحقائبَ ملأى بالأشَعار
فراخُ ذكرياتِك ما سَتنسَرت
وما ابتلعتْها أفعى مدينتكَ
ذاتُ الأجراِس الأسمنتيه؟!
لكنَّ النيلَ - مُكْرَها ً- شاخَ يا صاحبي
ومنْ صُنْع أبنائِهِ الساذجين
ارتدى نظارةً طبية ؟!
تسكع :
أتمشى في الشوارع، أتسكع فيها بلاهدف. أنظر إلي واجهات المخازن، أتأمل وجوه الناس وكأنني أبحث عنها في هذا البحر الواسع من الأجساد والرؤوس والاذرع.
أشعر بسياط البرد تلسع جسدي فأحث الخطا قاصداً أقرب مدخل (مترو)، وتجول أصابعي شبه المتجمدة في الجيب تبحث عن قطعة النقود الصفراء، ذات الخمسة (كوبيكات) التقطها بصعوبة برؤوس أصابعي. أعبر المدخل العريض مع كتلة الأجسام المتراصة فأشعر بدفء الأجساد المحيطة بي، وتداعب آذاني مختلف الأحاديث العابرة. يزداد التصاق الأجساد بجميع أطرافي فأشعر وكأنني أتلاشى وأذوب، بل أضيع أخرج من إطار ذاتي لانصهر في بوتقة واحدة مع جميع من حولي. تندفع الكتلة البشرية محركة ببطء مئات الأرجل إلي داخل بناء (المترو) وما تلبث ان تتفكك، تتعثر كفتات صخرة سقطت من عالٍ، وما أنا إلاّ حبة من هذا الفتات. أشعر بصغري، أتضاءل ويكبر في النفس شعور الغربة والقلق والتوجس من شيء لا أفهمه ولكنني أتوقع حدوثه. أحاول أن استجمع أفكاري، أحصرها.. أعود إلي الوراء مستعيداً أحداث يومي كله فلا أجد مبرراً لما يعتمل في نفسي. أحاول الأبتعاد عن حاجز القلق. أرسم على وجهي طيف إبتسامة وأحاول أن أتذكر ملامحها فلا تسعفني الذاكرة إلا باليسير: إنها جميلة ولابد، قد تكون شقراء أو سمراء لا فرق، ولكنها صبية في ربيع العمر، ممشوقة القوام، جذابة، أما لون عينيها فلابد أن أعرفه سأنظر إلي وجهها كي تلتقي العيون. سأقول لها كل ما ادخرته من جميل الكلام وسأمسك باليد الصغيرة الناعمة وأشبعها لثما ً.
منذ أيام صادفت أجمل عينين رأيتهما في حياتي فلابد أنهما عيناك أقتربت من صاحبة العينين الواسعتين فشعرت بدقات قلبي وارتباكي. استجمعت انفاسي المتلاحقة وقررت أن أغور بنظراتي إلي الأعماق، إلي القاع، وبنيّي أن استشف اللون وأطبع الصورة في مخيلتي، كدت أنجح غير اني لمحت شعرك الذي لا أعرف لونه إلي الآن.. كان نفس ذلك الشعر الطويل المسترسل على الكتفين دونما شريطة أو جديلة، إنه شعرك ولابد.. كانت العينان في جهة والشعر في جهة أخرى، أردت أن أدرك كليهما بنظراتي ولكني ضيّعت الأثر.. وخيل إليَّ أن آلاف الأعين تترصدني مصوبة إليّ نظرات قاسية لا ترحم. أطرقت رأسي وأسرعت خطاي وأنا أحس بثقل مفزع يعم أطرافي.
هاأنذا أندس بين الجموع الخارجة من (المترو) دون أن أدري كم مضى عليَّ من الوقت تحت الأرض. لم أشعر بضوضاء القطارات التى تتعاقب كل دقيقة أو أكثر مارة عبر الأنفاق المظلمة، فاتحة أجوافها، تقذف على أرصفة المحطات أفواجا ً من الأجساد وتبتلع افواجا ً أخرى. كان الزحام قد خف قليلاً فيمكننيّ هذا من تأمل الوجود.
كثيراً ما كنت أتشاغل بتأمل العابرين محاولاً أن استشف ما يدور في نفوسهم مستوحاً شتى الصور عن حياتهم من تعابير وجوههم، وملبسهم ومن الكلمات أو العبارات التي تصل مسامعي من أحاديثهم العابرة. وكثيراً ما كنت أجد نفسي في وضع حرج عندما يضبطني الشخص الذي وجهت نظراتي إليه متلبساً بالجريمة - جريمة التأمل-. كنت أخفض نظراتي وترجف خلجات وجهي، وبشكل تلقائي اتشاغل بشيء ما، كأن أحط رأسي، أو أسوي من وضع قبعتي.. كنت أتامل وأقارن. إنني مصاب بمرض الفضول الصامت، وكثيرا ً ما شغلتني خصوبة الخيال بمشاكل لا وجود لها على الأطلاق.
الدرج المتحرك لا يزال يبتلع المسافة يقلصها، يدور صاعدا ً بي إلي الأعلى ليلفظني إلي الشارع من جديد، إلي لسعات البرد القارس والوحدة المضنية.
العربة الأخيرة في القطار:
.. قال المعلم لتلاميذه إذا تدهور قطار فإن العربة الأخيرة هي التي تتضرر، فسارع أحد التلاميذ قائلاً: إذن نلغي العربة الأخيرة! فأجابه الأستاذ قائلاً: أنت أغبى تلميذ في الصف! فعندما نلغي العربة الأخيرة تصبح العربة ما قبل الأخيرة هي الأخيرة وتحل محلها!
في أواخر العصر العباسي، وعندما بدأ الشعب يتململ ويشعر أن الأمور لاتسير سيراً صحيحاً، ظهرت معارضة تطالب بالإصلاح تمثلت في بعض رجالات المعتزلة وغيرهم من المفكرين ورجالات السياسة. كانت هذه المعارضة تطرح آراء تبدو للوهلة الأولى أنها ضد السلطة، ولكنها كانت في الواقع لمصلحتها.
بيد أن بعض المستشارين من ذوي الإمتيازات أشاروا على الخليفة بضربهم بيد من حديد، ففعل ذلك. ولكن المعارضة لم تتوقف ولن تتوقف، كانت كالعربة الأخيرة من القطار، ما إن تلغيها حتى تحل محلها العربة ما قبل الأخيرة وتأخذ دورها.
استدعى الخليفة أحد كبار مستشاريه المعروف ببعد نظره وحسن تقديره وصواب رأيه وسأله فأجاب: إنني يا مولاي أرى أن أحسن طريقة لضرب المعارضة لا تكون بقمعها، يمكنك يامولاي أن تقمع الأشخاص ولكنك لا تستطيع أن تقمع الأفكار، فهي تنتقل من رأس إلي رأس دون استئذان. إن أحسن طريقة لضرب المعارضة تكون في محاورتها وأخذ ماهو صالح من أفكارها ونبذ ما هو طالح، فليس هناك رأي صالح كله وليس هناك رأى طالح كله. وفقكم ووفقنا لما فيه خير البلاد والعباد.
الحرية:
من قيودها يعلو تكبير النار، تتأجج باسم الواحد القهار، لالتهام طغاة الشر في العالم. ها شمسها تطل من نوافذ الإيمان، ليعانق وهجها فقراء الله والمضطهدين، بروح الشوق والانعتاق من براثن التسلط والظلم والاستبداد، لنشر ربيع الأمنيات على أرض الوطن، هاهو ذا أزيز رصاصها يوقظ الصمت المسجى في تابوت القمع منذ قرون. ها يدها تمتد لتجفف دماء الحزن الطويل. الحرية الآن تغني نشيد الأحرار، ترقص رقصة هائجة، تعصر آهات العصور والأمكنة، تحطم كرسي الإنهزام، تجعلها تدور كالسمك المذعور، لتغيير وجه الواقع الكالح.
قريباً ، ستتربع على عرش الضوء، لتغفو قريرة العين على سواعد المناضلين كنجمة عاشقة.
اعتذار:
* سامحني يا (سنار)
فأنا متهم أني أنتِ
ولهذا عجزت جمجمتي
أن تهزم عشرة أحذية سوداء).
للتأمل :
قد تُؤدي محاولاتُ إلغاء الآخر إلي تأكيد حُضورِه وترسيخِ مكانته!
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2140

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور نائل اليعقوبابي
الدكتور نائل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة