المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية

06-23-2011 01:44 PM

فتاوى مطاطية..!!

أم سلمة الصادق المهدي

لا شك أن كثيراً من الناس شاركني الدهشة مما يناقشه هذه الأيام ممثلو الشعب «المفترضون» في البرلمان، بشأن القروض الربوية. ولفت انتباهي تناول كثير من الصحف للخبر عرضا وتحليلا إضافة لكم مقدر من مقالات الرأي ومداخلات رواد المنتديات السودانية الكترونية في ذات الموضوع، والدهشة تزيد حال قراءة القضية موضوع النقاش مقرونة بفتوى علماء مجمع الفقه الإسلامي الذين ذكرت صحيفة الوطن في يوم 16/6/2011م أنهم فاجأوا بها البرلمان، إذ أبدوا موافقتهم للحكومة بالتعامل بقروض ربوية لتمويل إقامة سدين جديدين بأعالي نهر عطبرة وإنشاء مطار الخرطوم الجديد، وجاءت فتواهم إعمالاً لمبدأ فقه الضرورة الذي يبيح المحظورات. ورأى بروفيسور أحمد علي عبد الله رئيس اللجنة الاقتصادية بمجمع الفقه الإسلامي، أن هذه القروض تعتمد على تقديرات وزارة المالية بأهميتها، لكنه لم يخف تحفظه أثناء تحدثه في ندوة التمويل بالقروض والواجبات الشرعية الواجب اتباعها «التي نظمها البرلمان في 14/6» عن تعامل الدولة بالقروض الربوية، حيث قال: لا يجوز التعامل بالربا لا مع المسلم أو غيره، بيد أنه مباح عند الضرورة التي يلجأ إليها في تمويل المشاريع المرتبطة بحياة الإنسان. «الوطن 15/6».
والناس يدهشهم أن هؤلاء النواب، من أجل البكاء على لبن المشروع الحضاري المسكوب، أجلّوا جلسة كان ينبغي أن تكون لها الأولوية: وهي الجلسة التي كانت مخصصة لمساءلة مسؤولين عما يدور في جنوب كردفان التي يعاني أهلها الأمرين: القتل والتشريد نتيجة سياسات خاطئة للحزب الأوحد الذي تنضوي تحته غالبيتهم، خاصة إن علمنا أن السدود والمطارات التي من أجلها ستؤخذ تلك القروض والندوات التي تعقد بشأنها، ليست من مسائل الحياة أو الموت، بينما يموت مواطنون ويشردون فعلا في جنوب كردفان في ذات تلك اللحظات التي عجز فيها البرلمانيون، ممثلو الشعب، عن مجرد إبداء الاهتمام بما أصابهم، مما يدل على أن هؤلاء النواب مثل أهل العراق الذين استفتوا ابن عمر عن حرمة قتل البعوض في الحرم، فأجابهم الصحابي الجليل ابن الخليفة العادل عمر بن الخطاب، بذات الدهشة التي تنعقد لها حواجبنا الآن: أتقتلون ابن بنت رسول الله ثم تسألون عن حرمة دم البعوض؟
إضافة لما أحصاه متداخل حصيف في صحيفة «حريات» الالكترونية في معرض مناقشة أمر هذه القروض، وقد أحصى عشرة أسباب تبدو حقيقية يرى بها أن تلك السدود لم تنفذ من أجل السودان، إذ أن ضررها للسودان أقرب من نفعها، بل هي سدود من أجل المحروسة: «البحيرات التي ينشئها السد ستغرق عدة مناطق حتى عطبرة، تهجير السكان من مناطقهم التي اعتادوها، ترك التنمية في منطقة سيهجرها البشر، إغراق الآثار الفرعونية المتبقية في تلك المناطق، لا يوجد سبب أصلاً لتخزين المياه والسودان لم يستنفد حصته من مياه النيل بعد، الطمي في بحيرة السد العالي يحول المياه للبحر فلا بد من سدود حتى لا يتشرد المصريون، استفادة مصر من هذه السدود على حساب المواطن السوداني وبتمويله، الأرض في الشمالية غير صالحة للزراعة لكي تحتاج لمياه هذه السدود، كما لا يمكن الاستفادة من مياه السدود جنوبا لطبيعة انحدار المياه لأسفل، كان من الأوفق إقامة هذه السدود لو كان الغرض فائدة المواطن السوداني على حدود الحبشة».
ومن عناصر الإدهاش حقا هذا الاستسهال للخداع باسم الدين: فمثلما يحدث في كل مرة حينما يراد إجازة مثل تلك الصفقات ــ ليس مهماً محتوى الإناء أو مشروعيته من حيث المطابقة لمبادئ الإسلام وأسسه، يكفي لفه بثوب مكتوب عليه بدم كذب: دولة الشريعة الإسلامية لكسب قلوب الغوغاء. لذلك ترتكب «السبعة وذمتها» ثم يجمع البرلمانيون على عجل تحت قبة البرلمان ــ أو في مكان آخر، ليس لممارسة العمل المنوط بهم فعله والذي من أجله هم افتراضا، برلمانيون يمثلون الشعب وينطقون بأوجاعه، بل من أجل مسرحية عبثية ترتفع فيها الأصوات التي تظهر الغضب خوفاً من انتهاك حرمات الله فتعترضها أصوات أخرى تبرر: ماذا نفعل وقد ردينا بزمان ردئ وعالم متجبر لا يعطي المال إلا بشروطه «لا نحب الربا لكن نأخذه وبطوننا طامة» أو كما قال أحد هؤلاء النواب.
وتشكل فتوى مجمع الفقه الإسلامي العنصر الثالث لدهشتنا المتنامية: إذ يتقدم علماء السلطان الجاهزون دوما رهن الإشارة لأداء دورهم المرسوم الموسوم من أجل إقناع النواب «المتمنعين» بأن أكل الميتة محظورات تبيحها الضرورات. فيمرر ما يراد إجازته بضمير مرتاح اتكاءً على فقه الضرورة. وهذا هو الخطر الأعظم ارتكاب الموبقات تحت حماية الدين.
وما ذكرناه في الفقرة السابقة تم بصورة حرفية في الواقع بما نقلته الصحف عن إحداثيات الندوة المذكورة: حيث شدد متحدثون في الندوة التي عقدت لمناقشة الأمر وأجلت بسببها جلسة جنوب كردفان - على ضرورة مراعاة الفقه الاقتصادي في باب فقه الضرورة وطرح البدائل والسعي لإدخال الصيغ الإسلامية له، وأمنوا على التعامل بالقروض ذات الفوائد الربوية، إلا أن هناك آخرين رفضوا الأمر لجهة أن الشرع حرم الربا، وعبر عضو البرلمان دفع الله حسب الرسول عن اعتراضه لتلك القروض، وقال ليست هناك حاجة ضرورية لأخذ القروض الربوية، بينما ألمح أحمد إبراهيم الطاهررئيس المجلس الوطني إلى أنه في ظل الحصار الاقتصادي الذي تعانيه البلاد يجب أخذ أسهل الضررين في إشارة منه إلى ضرر الحصار والقروض الربوية، وأوضح بالقول من يظن أننا في استقرار فهو واهم، ولازلنا نعاني الحصار والحرب الاقتصادية، والشيطان الأكبر يصول ويجول لسد المنافذ علينا، وبفقه الأصول مطالبين بأخذ أخف الضررين. ودعا إلى أن تكون قاعدة للفهم العام وليس للإباحة- «الوطن 15/6».
والغريب حقا أن هؤلاء العلماء الأجلاء لا يلتمسون لفتواهم ربطا بعوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية كما أوضحها د. يوسف القرضاوي، ولا يعملون فكرهم من أجل استنباط أحكام جديدة في عالم متغير فيجدون لفتواهم نسبا في مثل ما يقول به كتاب صحويون أمثال د. محمد عمارة الذي يفرق في كتابه «الإسلام وقضايا العصر، ص:95» بين الدين وهو الشريعة الإسلامية أو الثوابت التي لا علاقة لها بالرأي والاجتهاد «العبادات» وبين الفقه الإسلامي «المعاملات» وهي قوانين سنها الفقهاء لتحكم علاقات الناس في مجتمعات معينة وظروف مادية وفكرية محددة، ويستشهد بقول الجرجاني «الفقه هو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد ويحتاج إلى النظر والتأمل» انتهى. هم لا يفعلون أيا مما ذكرنا وينطلقون من منصة فهم متشدد للدين لا تهتم بأهم مقاصده في الحرية والعدالة، وجل اهتمامها منصبا على مظاهر التدين القشرية مثل طول اللحى ونحوه. وبينما يتشددون في منع الرعية وزجرها عن ممارسة الحقوق إزاء انتهاكات السلطان، يوفرون للسلطان كل ملجأ ومغارات من فتاوى المخارجة حماية له من غضب الرعية.
الفتوى المذكورة المستندة لفقه الضرورة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبق أن أصدر بمثلها بيان، مستشار التأصيل د. احمد علي الإمام منذ عام 2002م حول قرض سد مروي وقرار اللجنة التي كونها لتحديد عناصر الضرورة المبيحة للاقتراض بفائدة. «د. حيدر إبراهيم علي، سقوط المشروع الحضاري»..
بعيدا عن مثل هذه الفتاوى المعيبة مفضوحة الغرض ندرك مع غيرنا أن ديننا الحنيف أتى في مجال المعاملات ومنها المسائل الاقتصادية بخطوط عريضة تشترط العدالة والإنصاف دون تفاصيل منعا للحرج ــ فنحن أعلم بشؤون دنيانا - واستجابة لظروف الزمان والمكان المتغيرة .. وبتلك البطاقة كان الإسلام وسيظل مناسباً لكل زمان ومكان.
ونجد في ما ذكره الإمام الصادق المهدي في كتابه «نحو مرجعية إسلامية» مثلا لما نبتغيه من علماء هذه الأمة نورد بعضا منه هنا ــ بتصرف:
يقول الإمام الصادق «الربا محرم شرعا لأنه يقوم على استغلال الغني للفقير «صاحب الحاجة» وبهذا يكون قد عاكس مقاصد الشريعة، وتقتضي معاملات الربا: انتقال المال من غني لفقير، استغلال حاجة الفقير، زيادة حجم المال مقابل الإمهال في مساومة غير متكافئة، افتراض ثبات قيمة المال بحيث لا يؤثر الإمهال سلبا عليها «التضخم واختلاف سعر الصرف».
حرم البعض سعر الفائدة على أساس أنه ربا مع الاختلاف في: كونها مرتبطة بمؤسسات ائتمان قانونية محددة الشروط وغير قابلة للمساومة بين مقرض ومقترض- أموال المصارف مكونة من أسهم الأغنياء والفقراء- وسعر الفائدة اليوم إن كان حده معقولا يقوم بوظائف نقدية لا غنى عنها إلا في حال وجود بديل مناسب:
- يشكل حافزا للادخار.
- ينظم حجم المال المتداول مداً وانكماشا.
- يعطي مقياساً للمفاضلة بين الاختيارات الاستثمارية المختلفة.
- يعوض عن تدهور قيمة العملة مع الزمن.
ويخلص الإمام الصادق إلى أن: المطلوب الكف عن الفتاوى العاطفية التي يصدرها فقهاء حسنو النية، ولكنهم غير مدركين لحقيقة الاقتصاد الحديث وتوضيح الفرق بين الربا وسعر الفائدة، ووضع ضوابط لسعر الفائدة ليؤدي دوره المطلوب وفق مقاصد الشريعة.
ونحن من وراء أن تطرح مثل تلك الآراء النيرة في مجال واسع ليتم تداولها وتصب في ماعون يسع ظروف تغير الزمان والمكان، لتأتي بفتاوى مجمع عليها، تنفع الناس ولا يتسرب الشك إلى النفوس المؤمنة في غرضها أو مرضها.
في مقارنة تساعد على إيضاح ما أوردنا بخصوص سعر الفائدة، يفيدنا عضو البرلمان السيد علي أبرسي وهو أحد حداة الركب الإنقاذي بقوله «إن البنوك الإسلامية في السودان تتقاضى فوائد ربحية ما بين 10ــ 12% على القروض. ويمضي في قول: «بل الربا الأعظم هو المضاعف الذي يرهق كاهل المواطنين». وأشار للأرباح التي تضعها المصارف بالدولة على القروض، بينما لهذه القروض فوائد لا تتعدى الـ 2%.
يجدر بنا التنويه إلى أن هناك آخرين يرفضون تلك القروض وهم خارج السيناريوهات الموضوعة التي أشرنا إليها سابقا. ويقول المعترضون على قبول مثل تلك القروض وقد تم تصنيفها ربوية، إن السدود والمطارات ليست من ضمن الضرورات التي تبيح المحظورات بحسب قول الفقهاء، إذ أن الضرورة التي تبيح ارتكاب الإثم هي ضرورة الحياة مثل العطشان الذي انقطعت به السبل أبيح له شرب الدم بما يمنع الموت وليس حد الرواء، كذلك للجائع في تلك الظروف أن يأكل الميتة أو لحم الحنزير ...الخ المحرمات بما يمنع الموت وليس حد الشبع وهكذا.
جدير بالذكر أن الفتوى بشأن سد مروي أشارت لفروق بين الضرورات المبيحة للمحظورات بين الأفراد «الإشراف على الهلاك» والأمة، حيث ترتبط هنا بمقومات الحياة.
وقبل المغادرة لا بد من التساؤل عن أغراض إثارة مثل هذه القضايا الآن، ونعلم أن إمضاءها في غفلة عن الرأي العام ممكن ومتاح لحكم تغيب فيه أركان الحكم الراشد من مساءلة وشفافية ومحاسبة وسيادة حكم القانون، مما يلجئنا للتكهن بأنه ربما أتت مثل هذه النقاشات عن القروض وربويتها على خلفية التصريحات الرئاسية والفهم العام لدى قادة الإنقاذ وكوادرها، ونحن على بعد «فركة كعب» من الانفصال، بأن الرعية ربما احتاجت عصفا ذهنيا يهيئها لما نحن عليه مقبلون، حيث ستكون الشريعة مرجعا للأفعال في دولة «الجمهورية الثانية» بتأويل المؤتمر الوطني، وقد انتفت موجبات «الدغمسة» في الدستور بحسب فهم الرئيس لواقع السودان من بعد الانفصال، خاصة وقد كان الادعاء أن الإنقاذ ما قامت إلا لتحكيم شرع الله وإنفاذه بواسطة المشروع الحضاري.
ونريد أن نحبر على حقيقة نكررها مراراً لتثبت في الأذهان وتقر في الصدور: إن علة المشروع الحضاري الذي باسمه يجأر البرلمانيون اليوم ويبكون، علته أنه مشروع غاب عنه الصدق وغاب عنه الإخلاص وغاب عنه الوفاء، ومنذ المفاصلة الشهيرة بين شعبي ووطني غاب عنه الدليل والبوصلة، وهو مشروع بما يشهد به أهله أنفسهم بدأ تطبيقه بالكذب والخداع، وقد انتهى حيث بدأ كذبة: كَذب ماءها الغطاس.
لذلك لا يعترينا أدنى شك في أن الحديث عن الشريعة من قبل الإنقاذيين يأتي باعتباره كرتا رابحا يستخدم عند الضرورة التي تقتضيها أحوال السياسة والمعاش والبحث عن الشرعية.
وهذا هو عين ما فعله ضياء الحق في باكستان في عام 1977م وجعفر نميري في السودان في عام 1983م، ومصيرهما هو المصير الذي سينتهي إليه كل متلاعب بشرع الله.
وسلمتم.



الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1245

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#165664 [الزول الكان سمح]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2011 07:39 PM

أستاذة أم سلمة......سلمها الله

طال الحديث عن القروض الربوية وإستباحتها ..فى فقه الضرورة...وكان آخرها فى الأسبوع الماضى لبناء سد نهر سيتيت ومطار الخرطوم الجديد حيث أعلن البرلمان بأن مجمع الفقه قد أجاز ذينك القرضين ..غير أنه اليوم صدر البيان الرفق من أحد شيوخ ذاك الجمع ليدحض ...ما أعلنه البرلمان وإليكم ألخوة القراء جميعاً ميثبت كذب وإفك هذه الزمرة الفاسدة:

أيها المسؤولون: إياكم والربا

أتيح الفرصة للشيخ العلامة الدكتور عبد الحي يوسف ليدلي بدلوه حول الخلاف المحتدم هذه الأيام بشأن إباحة بعض القروض الربوية بحجة الضرورة

أيها المسؤولون: إياكم والربا

جرت كلمة «الضرورة» على ألسنة كثير من الناس من الوزراء وأصحاب المناصب خلال الأيام الماضية، وذلك حين الحديث عن قرض ربوي يراد إقرارُه لتنفيذ بعض المشروعات التي يرونها مهمة وتعود بالنفع على جمهور الناس، وها هنا لا بد من توضيح أمور أسوقها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم:
أولها: ما ينبغي لك أيها المسلم ـ رسمياً كنت أو شعبياً ـ أن تتجشم عناء الفتوى وقد عافاك الله منها؛ فإن أجرأكم على الفتيا أجرؤكم على النار، وما زال أهل الكياسة والفطنة يتحاشون الفتوى ويتدافعونها لعلمهم بخطورتها وما يترتب على التساهل فيها، وقد سُئل القاسم بن محمد عن شيء فقال: إني لا أحسنه، فقال السائل: إني جئتك لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي! والله لا أحسنه. فقال له شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم.. فقال له القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به. قال ابن القيم رحمه الله: من أفتى الناس بغير علم فهو آثم عاص ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً.. وقال ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الراكب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من يطبب الناس ولا علم له بالطب، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لا يحسن التطبب، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟
فالواجب أن يُحال الأمر إلى أهله من ذوي الاختصاص؛ نصيحةً للناس واحتراماً للنفس؛ خاصة مع وجود مؤسسات رسمية قد أُوكلت إليها مهمة إصدار الفتوى في أمور الدولة والرعية، وإياكم والتساهل بدعوى أن باب الاجتهاد مفتوح وأنه لا حجر على العقول، أو مجاراة للواقع والاستجابة لضغوطه، أو اعتقاداً أن الخلاف بذاته حجة!!
ثانيها: قد قال بعض إخواننا في تبرير إجازة ذلك القرض «لسنا في دولة مكة ولا المدينة» نقول: نعم وما زعم أحد ـ مجيزاً كان أو مانعًا ـ أننا في دولة المدينة، لكنني أقول: بأن هذه هي ذات الحجة التي يسوقها العلمانيون ودعاة إسقاط الشريعة؛ حين يتذرعون بأننا دولة متعددة الأعراق مختلفة الأديان متباينة المشارب فلا تحملوا الناس على ما لا يريدون، هكذا يقولون وما كان المسلمون ـ فضلاً عن الإسلاميين ـ يرون في هذا الكلام سوى حجة داحضة ساقطة؛ لأن دولة المدينة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها المؤمنون واليهود والمشركون والمنافقون، وقد تعامل عليه الصلاة والسلام مع كلٍ بما يناسبه، ثم إن دولة المدينة ما كان أهلها بأرغد عيشاً ولا أهنأ مطعماً منا، بل كانوا يعانون مسغبة وضيقاً حال سلمهم وحربهم حتى إنهم لتمر عليهم الأيام ولا يجدون طعاماً؛ ويقول قائلهم: «وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة» فما لجئوا إلى الربا ولا فكَّروا فيه حلاً لمشكلاتهم.
ثالثها: أكثر بعضهم من القول بأن الفقهاء قد أجازوا هذا الأمر، ومن باب الأمانة أقول بأنني لا أعلم فقيهاً معتبراً في هذه البلاد ـ حتى الساعة ـ قد رفع صوته بأن هذا الأمر جائز، ومجمع الفقه ـ وكاتب هذه السطور واحد من أعضائه ـ لم يُعرض عليه هذا الأمر أصلاً، والندوة التي أقيمت في عرصة المجلس الوطني رفع فيها أهل العلم أصواتهم بالنكير الشديد في هذا الأمر، ومن أجاز القرض الربوي لسد مروي ما ينبغي أن يُنسب إليه القول بإجازة كل قرض بعده؛ لأنه لا يُنسب لساكت قول، ولأن لكل نازلة حكماً، ولا يُنكَر تغيُّر الفتوى باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحداث والأشخاص.
رابعها: تطوع بعضهم ـ من المسؤولين ـ مقرراً بأن هذا الأمر يأتي من باب الضرورة، وها هنا أقول: كون هذه النازلة ضرورة لا يستقل بتقريرها وزير المالية ولا أركان وزارته؛ بل لا بد من أن يتعاون أهل القرآن وأهل السلطان على تكييف الواقعة أولاً، ثم تنزيل النصوص عليها ثانياً، مع مراعاة الضوابط الشرعية والقيود الفقهية ليروا بعدها أهو ضرورة أم لا؟ لأن كثيراً من الناس يتساهل في ارتكاب محظورات شرعية بحجة أن ذلك من قبيل الضرورة الشرعية، مرددين: «الضرورات تبيح المحظورات».. ثم إن بعض الناس يخطئ حين يستسلم لداعي الضرورة ويجعلها أصلاً يتخلص به من الأحكام الشرعية القطعية.
خامسها: الضرورة كما يعرفها أهل العلم هي خوف الهلاك أو الضرر الشديد على أحد الضروريات للنفس أو الغير يقيناً أو ظناً إن لم يفعل ما يدفع به الهلاك أو الضرر الشديد.. و ذلك كمن يتلفظ بكلمة الكفر خلاصاً من تعذيب المشركين له أو تعريض نفسه للهلكة، وثمة فرق بين الضرورة والحاجة؛ فإن الضرورة حالة تستدعي إنقاذاً، أما الحاجة فهي حالة تستدعي تيسيراً وتسهيلاً، فهي مرتبة دون الضرورة؛ إذ يترتب على الضرورة ضرر عظيم في إحدى الكليات الخمس، ويترتب على الحاجة مشقة وحرج، لكنه دون الضرر المترتب على الضرورة، وقد تنزل الحاجة منزلة الضرورة: فيما إذا ورد نص بذلك أو تعامل أو كان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وقد تكون الضرورة عامة كوقوع الأُمّة في قحط عام يؤدي بهم إلى الترخص في أكل الميتة مثلاً، وقد تكون خاصة كوقوع رجل في مخمصة.
سادسها: بناء على ما مضى يُطرح سؤال أو أكثر: هل بناء مطار الخرطوم الجديد ضرورة تبيح الاقتراض بالربا؟ بصيغة أخرى: لو لم يبن مطار جديد هل يتعرض الناس للهلاك أو الخطر الشديد في دينهم أو نفوسهم أو أعراضهم أو عقولهم أو أموالهم؟ وهل بناء سد ستيت ضرورة تبيح المحرم القطعي الذي توعد الله متعاطيه بحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل سدت الأبواب أمام الدولة سوى هذا الباب القميء المؤذن بخراب الدنيا والآخرة؟ ما هي الجهود المبذولة لتوفير المال العام والقضاء على الاختلاسات التي تنوء بها تقارير المراجع العام في كل عام؟ أين جهودكم في محاربة الإنفاق البذخي على المراكب والمساكن والحفلات والأعياد؟ أليس ممكناً توفير كثير من المال عن طريق ترشيد الإنفاق وترتيب الأولويات.
أخيراً أيها المسئولون: إياكم والربا؛ ففي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه» فأيكم يرجو لنفسه أن يبوء بهذا الإثم العظيم؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
د. عبدالحي يوسف


#165524 [SaifAlhag]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2011 02:58 PM
الاستاذة الفاضلة ام سلمة

لك التحية-مقال جيد وممتاز- كانت لدى مداخلة عن ان مشكلتنا هو ان كل انسان يتكلم فى الدين يحسب صحيحا وهو من عند الله-- كل كلام يقوله شيخ دين يجب ان لايحسب على الدين لانه هو بشر وكلامه يحتمل الصواب والخطا ه ويمكن هناك راى اخر مخلف باسناد وايضا صحيح ودين الله منزه عن هذا---
وفى النهاية من المستفيد من هذه القروض!!! رابط مداخلتى http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-9300.htm


#165469 [mart]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2011 01:59 PM
Bravo Ms Rabah
you really gave it your best shot.so, regarding the prohibiting of Riba); is no need even to be argued about between to goats but there is no wander cos, those are Kizan.


أم سلمة الصادق
أم سلمة الصادق

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة