المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل يَمْكِن حل مُعْضِلَة الفَرْز العِرقِي بوثِيقة حُقوق مَدَنِية كما حَدَثَ في أمرِيكا1964م
هل يَمْكِن حل مُعْضِلَة الفَرْز العِرقِي بوثِيقة حُقوق مَدَنِية كما حَدَثَ في أمرِيكا1964م
06-25-2011 01:23 AM

هل يَمْكِن حل مُعْضِلَة الفَرْز العِرقِي بوثِيقة حُقوق مَدَنِية كما حَدَثَ في أمرِيكا1964م

بقلم/ عبد العزيز عثمان سام/
[email protected]

أعْتَقِدُ، أنّ الإنسان في فِطْرَتِه الأُولَي، مَجْبُولٌ علي تقدِيسِ نَفْسِه، وأصلِه، وعُنْصُرِه ومُحِيِطِه الجُغْرَافِي الضَيِّق الذي ينتَمِي إليه، هذا مِنَ البَدَاهَة، ولكن كَوْنَ الإنسان كائن عاقِل مُكَلَّف بإعمار الكَون وإستغلال موارده لبٍناء حضارة ومدنية لمصلحة الجِنْسِ البشري وجميع المخلوقات، يُحَتِّم عليه هذا الواجب، التنازُلَ عن أنانِيتهِ التي فُطِرَ عليها، وبالتالي تَبَنِي قواعد سُلوك قَوِيِم ومسئول لمصلحةِ الجماعة، وذلك بالتَخَلِّي عن مُعتقداتِه ومصالِحِه الخَاصَّة، والإلتِزام بِعَقْدٍ إجتماعي مُؤسس علي المصلحة العامة لحساب المصلحة الخاصة والشخصية أو مصلحة المجموعة العِرقِية الواحدة. علي هذا الفهم الجَمْعِي نشَأتِ الأُمم والشُعوب وبُنِيَتِ الحضارات والأمجاد بحيثُ وصلت بعض القارات إلي قِمَّة مَرَاقِي التَحَضُر والرُقِي والرُفاهية، بعد أن رَزَحَت عهوداً في غياباتِ التناحُرِ والفصل العُنصُرِي والإقتِتَال، وقد دفعتِ البشرية في القرن العشرين ثمناَ باهِظاً جرَّاءَ ذلك.
علي أن البشرية قد فَطَنَت باكِراً، لمخاطر أنانية الإنسان وذاتِيه، ففي بريطانيا العظمي مثلاً، صدَرَت أَعظم وثيقة للحُرِّيات علي الإطلاق، المُسمَّاة: ماقناكارتا(Magna Carta) أو العهد الأعظم في 15 يونيو 1215م وقد تَضَمَّنت أخطرَ تَحَدَّ مُباشِر لسلطات الملك إلي يومنا هذا!! وظَلَّ أهل بريطانيا العُظمَي يُفاخِرون بِها الأُمُم علي مدي التاريخ وإلي الأبد، وبموجب(الماقناكارتا)، تم الطلب إلي الملك (جون) ملك بريطانيا العُظمَي أن يقُومَ بإعلان(To proclaim) حُرِيَات مُعيَّنة(Certain liberties)، وأن يقبَلَ أن إرادته ليست مُطْلَقة أو تَعسُفِية(That his will was not arbitrary)، مثلاً، أن يَقْبَلَ أنَّ: لا حُرِّيةَ تُصَادَر إلَّا وفقاً لقانون بريطانيا العظمي، وهو الحَقُّ الذي ما زال سارياً إلي يومِنا هذا.
والعجيب في أمرِ وثيقةَ (الماقناكارتا) أنًّهُ تَمَّ فرضَهُ علي ملكِ بريطانيا بواسطة مجموعة من أتباعه لتحجِيم سُلطات المَلِك في مُقابِلِ الإمتيازات التي كانوا يُمارِسُونَها في حدود إختصاصاتِهِم. وتُعتَبَر (الماقناكارتا) هي الجُزء الأهَمْ في الدستور البريطاني غير المكتُوب إلي اليوم(Uncodified Constitution).. وقد وَصَفَها اللورد ديننغ(Lord Denning) بأنها:(أعْظَمَ وثِيقةٍ دستورية في كلِ الأزمَان)، وقد أسَسَت هذه الوثيقة العظيمة لمعظَم قواعدِ القانون الدستوري في العالم الذي يتحدث اللغة الإنجليزية، والسودان يُعْتَبر ضِمن تلك الدول حتي الماضِي القَرِيب. وفي زمنِ الحربِ الأهلية البريطانية ظَلَّت تلك الوَثِيقة ملاذَ للذين يوَدُون التعبِيرَ عن أنَّ سلطات الملِك يلزِمُها ويُقَيِدُها القانون. ولاحِقاً صَارَتِ وثيقة العهد الأعْظَم تِلك، مُحَفِزَاً وهَادِياً لأعَظمِ الوثائِق الدستورية بما في ذلك دستور الولايات المُتحِدة الأمرِيكِية.
إنَّ التميِيزَ العِرقي(Racial discrimination)الفصل العُنصرِي(Segregation) الذي مُورِس في أسوأ مَظَاهِرِه في الولايات المتحدة الأمريكية، من خمسِينِياتِ القرن العِشرِين المُنصَرِم حتي منتصف السِتِينيات منه، كان تَميِيزاً وفَصلاً واقِعِياً(De facto)، بمعني، أنه كان يُمارَسْ كواقِعٍ مُعَاش، بموجب قانون القُوَّة، ولكنه حتماً ليس وفقاً لقوةِ قانونٍ ساريِ يَسْنِدُه (De jure)، رُغمَ أن قوانين (جيم كراو) (Jim Crow Laws) التي صدرت في العام1870م كانت تُبِيحُ، إلي حدٍ ما، الفصل العُنصِري ضد الأمريكَان الأفارِقة (African Americans) الذين كانوا يَقْطنون جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية. وقد إنتَهَت تلك القوانين العُنصُرِية في العام 1964م بصدور قانون الحقوق المدنية(Civil Rights Act 1964)، أما مُمَارسات الفصلِ العُنصُرِي التي إستمرت ضد الأمريكان من أُصُول أفريقية بعد ذلك، من شَاكِلة إجبارِهم علي الجُلوس في المقاعد الخلفِية للحافِلَات، وفي المدارس العامَّة، أو عدم تمكُنِهِم من الحَجْز في الفنادِق إن لم تُوجَدَ غُرف كافِية، كُلَّها كانت مُمارَسات لا تَسنِدُها القانون، وتَأتِي في سِيَاقِ إعْمَال قانون القُوَّة، وليس قُوَّة القانون أو حُكْمِه.
ونماذِج الفصل العِرْقِي والعُنصُرِي كثِيرة، وفي إفريقيا، تَقِفُ دولة جنوب إفريقا شاهدةً علي أسوأ مُمارساتِ الفَصْلِ العُنصُرِي(ِThe Apartheid) من قِبَلِ حُكْمِ البِيض ضد الأغلبية الإفريقية السودَاء، والنِضَالاتِ الضَارِبَةَ في جُذُوُرِ التاريخ للوطنِيين الأفارِقة بقيادة الرجل العظيم/ نِيلسُون مانْدِيلا، الأبُ الرُوحِي لمدرَسةِ الكِفاح لأجِلِ الحُرِّية (Freedom Fighters).. وفي السودان، أجِدُ أنَّ، كُلَّ المشَاكِل التي أقْعَدَت ببِلادِنا عن مَسِيِرتِها نحوَ التقدُّمَ والرُقِي واللِحاق بِرَكْبِ الأُمَم هي ذَات صِلَة وَثِيْقَة بالفَرْزِ العُنْصُرِي ومُرْتَبِطَة بِتَكْرِيس الذَات وتَعَظِيمِها، والتَقْلِيل من شأنِ الآخر المُختَلِف عِرقِياً، وقد تَرَاكَمَ ذلِكَ ثقافِياً تحت حماية مؤسسة الدولة، فأسَسَ لِفرزٍ ثقافي وإجتِمَاعِي وإقتصادي وسياسي مُمنهج أَضَرَّ بِفرَصِ التعايُشِ والتساوي بين المواطنين ضِمْنَّ التَنوُّع الماثِل، وأدَّي بالمُحصِلة إلي فَشلِ ماحِق لإيجاد أيِّ مشروع وطني علي أساس التَسَاوِي في الحقوق والواجبات وِفقَ المُواطَنةِ المُتَساوِية لجميع شعوب السودان، والناتج النهائي لذلك هو: فشل مَجمُوع شُعُوب السودان في الإنصِهار في بَوْتَقة الوطن الواحد بإحساس المُواطنةِ المُتَساوِية، فإختلَّت تَبَعاً لذلك، كافَّة المعايِير العادِلة لإقامة مجتمعٍ ذو مشروع وطَنِي يَخْدِم البِلاد ويَحْمِي كرامة العِباد ويُحَقِقَ أمْنَهم وسلامتِهم، ويُؤَمِّن معاشهم في يُسْر. فَشلّْنا، كمجمُوع شُعُوب تَقْطُن في رُقْعَة جُغرافية واحِدة مُتَرَامِية الأطرَاف، أن نُؤَسِسَ لقواعد سَلامٍ إجتماعِي يُؤَمِّن الحقوق والواجِبات بتساوي بين الجَمِيع، فَصِرْنَا إلي ما نُحْنُ فِيه الآن، وما زَالَ العَرْضُ مُستَمِراً.
فهل بالإمكان، أن نَقِفَ في هذه المحطة، من مُشوَارِ فشِلِنَا الطَوِيل؟؟ وأن نَقُوْمَ بتنظِيم صُفُوفِنَا، وأن نُراجِعَ سلُكِونا الفَردِي والجماعي، كُلِّ مِنَّا علي حِدَة، ثم علي مستوي أُسرتِه الصغِيرة، ثم الكبيرة، ثم مجتمعه المحلي، ثم علي مستوي ولايته، ثم نأتي جميعاً لنَجْلِسَ لِكِتَابة عَقْدٍ إجتماعي جديد يَشْتَمِل علي مكوناِتِ واقعِنا الماثِل، ونَلزِم به أنفُسِنا لتغْيِير مَسِيِرِنَا الحَالِي المُؤَدِّي إلي التَهْلكَة حَتْمَاً؟؟ وأن نَفْعَل كما فَعَلَ شُعوب بريطانيا العُظمي وويلز في العام1215م، عِندما ألزَمُوا مَلِيَكهُم المُفَدَّي لإعلان العهد الأعظم(الماقاناكارتا)؟؟ نعم نَستطِيع.. هل نَستَطِيع أن نُصْدِرَ، بِوطَوْعِنا وإختيارِنا، وثيقة للحُقُوقِ المَدنِية كما فَعَلَ الأمريكان في العام1964م، فأنْهُوا بِمُوجِبِها حِقِّبَة مُظْلِمة من التَميِيزِ والفَصْلِ العُنْصُرِي، وصَارُوا بعدها أعظم شُعوب الأرض بتَحقِيقِهم دولة الرُفاهية من الدَرجِة الأُولُي؟؟ بل صاروا الآن الحُكَّام الوحيدون للدُنيا.. ونَحْنُ، رُغْمَ ما نَلْغُو به من أوهام، نَعِيشُ اليوم تحت رحمَتِهم وحِمَايَتِهم؟؟ نعم نستطيع.. ولكن، لِكَيِ نَبْدَأ، يَجِب علي كُلٍ مِنَّا، أن يَغْتَسِلَ اليوم قبل الغَدْ من أدْرَانِ نَفسِه الأمَّارَةَ بِالسُوء، وأن يَتُوبَ من كُلِ عَيبٍ ذِي صِلة بالفَرْزِ العِرقِي والتمييز العُنصُرِي، وأن نُصْدِرَ بِرغبةٍ صادقة، وثيقة للحُقُوقِ المدنية، ونلتزِمُ صادقين بمضامِينِها، ونُطَبِقها علي انفسنا، ونُعَاقِبُ بشِدَّةٍ وحَزم من يَخْرِق قواعِدها وأحكامِها، وأعِدُكم بثِقَةٍ تامَّة أننا في غضُونِ عِقِدٍ واحِدٍ من الزَمَان، سنَقُولُ لأعظمِ دولةٍ في العالم: (تعالي أقِيفِي وَرَانَا). أقولُ قولِي هذا، وأخْتِم بقولِ البطل الشهيد مُنقِذِ الإنسانية بفكره المُستَنِير في عصرِنا هذا، الأستاذ العالم الفَذّ، الراحل/ محمود محمد طه، عندما قال في بعض منشوراته التاريخية المُهِمَّة والمَعلومَة للكَافَّة: (هذا، أو الطَوَفَان).


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1347

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#166475 [مندى]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2011 03:41 PM
استاذ عبدالعزيز مقال في الصميم وننتظر من امثالك الكثير لتطبيق هذه الاشياء علي ارض الواقع واتمني ان تواصل الطرق علي هذا الموضوع


#166350 [Kunta Kinte]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2011 12:38 PM
صدقت اخ عبدالعزيز ,,,, واعتقد انه بداية يجب علينا الاعتراف بأخطاءنا التاريخيه الكريهه والتى ندفن رأسنا فى الرمال وندعى انها غير موجوده حتى تفاجئنا بإنفصال شطر الوطن وما زلنا نكذب على انفسنا بحسن نيه وربما بسوء نيه ...!! والطوفان قد بدأ فعلاً فعلينا ان نلحق ما تبقى من الوطن على امل إعادة الجزء المبتور مستقبلاً


#166347 [ezoo]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2011 12:34 PM
كما شكلت من قبل عدة مواثيق شرف يجب ان يتفق كل السودانيين علي وثيقة شرف

ويتعهدون فيها علي نبذ العنصرية والقبلية والجهوية وان لا بعد اليوم شئ اسمه

القبيلة بل هنالك شئ اسمه الوطن الام السودان الواحد الكبير الذي يسع الجميع من

تفرقة ولا عنصرية.

يجب ان نجرب هذه الوثيقة عسي ولعلها المخرج مما نحن فيه الان من محن وابتلاءات

نسأل الله السلامة


#166262 [سودانى]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2011 10:33 AM
شكرا استاز على الكلام الرائع فعلا مشكلة السودان الحقيقية فى الفرز العنصرى..يجب ان يقال هزا الكلام للطيب مصطفى ومن شابهه الزين غرسوا الكراهية والحقد فى قلوب الجنوبين حتى انفصلوا وسيواصلون بنفس النهج فى الشمال..يجب ان يصلب هزا الطيب فى ميدان عام


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة