المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الشماسة طرائد البؤس وأنضاء الفاقة
الشماسة طرائد البؤس وأنضاء الفاقة
06-28-2011 05:14 AM

بسم الله الرحمن الرحيم
غداة الاثنين
الشماسة طرائد البؤس وأنضاء الفاقة

الطيب عبد الرازق النقر عبد الكريم
[email protected]

وُلِدَ في أحراش مأهولة بالضواري من ذئبِ حافل النفس بالجرائر، مثقل الضمير بالكبائر، وأم أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف، كابدت من نصب العيش، وعنت البؤس، ووطأة الغرس، ما دفعها أن تلج معترك البغاء الذي يؤمه وعولٌ نحلت أبدانهم مقارعة اللذة، وشحبت أبدانهم مواتاة الرزيلة.
سرى خبر انضمام الفتاة البارعة الشكل، اللطيفة التكوين، للواء العار، وكتيبة الخزاية في كل صقع وواد، بعد أن تجرعت من غصص الحياة وآلامها ما أجبرها أن تتجرد من ثوب الحياء، وتكون من رائدات الخنا، وسدنة الانحلال.
عقد كل داعر يتسابق إلي مظان الشهوات، وخبيث يتزاحم على موارد النزوات العزم للنيل من رغائب بلغت كنانتها السهام، وتوافدت لمائدتها قوافل اللئام، حتى قبيلة البخلاء التي لا تبسط يدها بمعروف، ولا تندي يمينها بنوال، أولمت لها الولائم الفاجرة، وأقامت لؤاد شرفها الليالي الداعرة، فصارت موطناً لكل مبتغى، ومهبطاً لكل مرتجى.
وبعد أشهر عديدة قضتها تلك الفتاة في مستنقع العهر، ومعاطن الفجور، تمخض نضالها الدائب عن \"نغل\" تركه أبوه لأمه، وتركته أمه للناس، وتركه الناس للقدر حتى التقطته أيادي حفية مضت به إلي تلك الديار التي تنعي الشرف، وتندب الأخلاق،\"دار المايقوما\"...الدار التي شيدتها الأرصفة المائجة بالفتنة، والمباني التي تشهد خلوات العشاق، \"دار المايقوما\" التي تسخر هازئة من كل قصر ورئاسة، ومن كل صاحب مكانة وقداسة، \"دار المايقوما\" التي تفضح من كوروا عمائمهم، ورفعوا طيالسهم، وسرحوا لحاهم، تفضح من قادوا هذا الشعب إلي الفقر المدقع، والغلاء المرهق، والعيش الخسيس.
نشأ الطفل في مهاد الملق والفاقة، وترعرع في أكناف المرض والجوع، وقبل أن يناهز الإدراك، ويشارف الحلم، آثر أن يفرمن منزل وهت فيه نوازع الحياة، وتداعت بين جنباته أسباب الأمل..وعندما همدت الأصوات، وسكنت الحركات، أطلق الفتى البائس ساقيه للريح، وقصد عن حرد جماعة لم يزهر قط وجهها الشاحب، أو ينبسط محياها الكئيب، أو يبتسم ثغرها الحزين، جماعة لا تنشد غير الشبع، ولا تطلب سوى الهيام في أودية الكيف، جماعة تستدر الأكف بالسؤال، وتجني المال بالسرقة، شريحة الشماسة التي قنعت بحظها من الحياة رغم أنها ترى طائفة تسربلت بالحرير، ورصعت أصابعها البضة بالماس، قد شادت قصوراً تطاول السماء، ورياضاً تنافس جنة العاصي، وتركتهم طرائداً للعوز، وأنضاءاً للمخمصة.
نعم لقد تركتهم دولة المشروع الحضاري يقاسوا التعب، ويعانوا النصب، وهم الذين لم تخلو حياتهم من المخاطر، والمهالك، والحتوف، لقد وجد الغلام المنبوذ الذي يستعصم بخيوط الأحلام نفسه في ركاب نفر من ضعاف النفوس الذين لا يتحركون إلا في إطار دوافعهم الانتهازية، مروجي المخدرات الذين يتخذون منه ومن هو على شاكلته قطعاناً تسعى، ورغائب تبتغى، ولذائذ تنال، بعد أن ضاقت حيله، وتصرمت حبال أمله في دولة تشبل عليه وترعاه، أما غمار الناس فقد كانوا ساكني القلب، لا يختلج فيهم شعور، أو ترف عليهم عاطفة، حتى نالته عوامل الذوى والبلى، وأخذته نشغات الموت في مساء يوم كئيب وقد أحاطت به عصبته الذين جلسوا مطرقين لا يلوون على فعل شيء وهم يرمقونه بطرف دامي، وفؤاد منفطر حتى علقته أوهاق المنية، فأتى في جنح الليل البهيم من يبقر بطنه ويستأصل كُلاه..حتى يحصل على قراريط من المال يقيم بها أوده، ويسد بها رمقه..
ليت شعري متى ترحم الانقاذ الحانية حفنة من البشر تُنهر كما يُنهر الكلاب، وتُذبُ كما يُذبُ الذُباب.

الطيب عبد الرازق النقر عبد الكريم
ولاية النيل الأزرق-الدمازين



حاشية:
كلمة الشماسة في اللهجة السودانية تعني: من تركتهم أسرهم أشتات من غير جامع، وهمل من غير رابط.

دار المايقوما: دار تعني برعاية اللقطاء ومدخولي النسب


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1029

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#168980 [مستاء]
0.00/5 (0 صوت)

06-29-2011 09:44 AM
كلما وقعت عينى على احدهم شعرت بالم حاد وقرف من هذه الحياة التى ليست بها من رحمة وخلت من بقلوبهم رحمة

هل مشكلة هؤلاء عصية على الدولة المجتمع ام ان اصحاب المشروع الحضارى يتاففون من مثل هؤلاء

انهم نتيجة سياسات خاطئة ودولة التوزيع اللاعادل للثروة

يتزوج الشيخ منهم مثنى وثلاث ورباع ولايجدالشباب واحدة

وان وجد لا يجد المسكن والعمل الشريف فتحدث المشاكل العائلية


#168514 [abubakr]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2011 01:10 PM
كلام أديب ولبيب. أحسنت وأبليت


#168494 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2011 12:43 PM
الشماسه نتاج الحروب وفشل الحكم ، اما قصة الام -- اسفلها كثيب واعلاها عسيب زى دي تبع مثنى وثلاث وكمان حسب احدي التفاسير


#168293 [مهران]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2011 08:25 AM
لا فضِِ فوك


الطيب عبد الرازق النقر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة