المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رباح الصادق المهدي
إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني (5-6) ..حزب الأمة والتمويل الإسرائيلي
إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني (5-6) ..حزب الأمة والتمويل الإسرائيلي
06-29-2011 01:56 PM

بيننا
إضاءات حول مقال محارب المنشور بالسوداني (5-6) ..حزب الأمة والتمويل الإسرائيلي

رباح الصادق

لا بد أن أبدأ بالاعتذار على البقاء في هذه المحطة! أعرف أن الأمر لا يهم كثيرين، وأن البلاد تغرق، ولكن المقال المنشور أثار تساؤلات لدى قلة وغضباً لدى كثيرين ولا يمكن أن نتجاهله، اصبر علىَّ أيها القارئ الكريم صبرا جميلا، اعتبرها فسيلة نغرسها يوم القيامة!
أثبتنا أن الدكتور محمود محارب جاهل بحزب الأمة. بطله الأول، السيد محمد أحمد عمر، لم يكن قياديا بالحزب، كان عضوا بحزب الأحرار الاتحادي، ثم جاء لحزب الأمة، واستقال 1949م، (فيصل، 514) وكون حزب السودان 1952م، وبعد فشل حزبه عاد عضوا، يحضر اللقاءات مع الأجانب كمترجم.
نتحدث اليوم عن مسألة التمويل أكبر الإفك في أطروحته، لنر الجهل والتلفيق والتناقض.
يقول محارب إن محمد أحمد عمر، نائب الأمين العام لحزب الأمة، طالب إسرائيل بإقراض الحزب، وأن تستثمر أموالا في مشاريع المهدي و\"المشاريع التي تدر أرباحا مالية على حزب الأمة\". وأن تشتري قطن المهدي لثّلاث سنوات تالية، وأن قيمة الإنتاج السنوي هي (1.5) ملايين جنيه إسترليني.
تعليقنا:
أولا، محمد أحمد عمر ليس نائب الأمين العام لحزب الأمة. لقد انتحل تلك الصفة لتحقيق مآربه.
ثانيا، قادة الحزب ما كانوا يتفاوضون في أمور دائرة المهدي.
ثالثا، لم يكن الحزب يدير مشاريع خاصته.
رابعا، قيمة القطن السنوية المذكورة مليون ونصف المليون والمطلوب قرض لثلاث سنوات - أي - (4,5) ملايين ولكن كل الحسابات تتحدث عن قيمة سنة واحدة. ضعف التحقيق المحاربي سمة لازمة.
خامسا، تقديرات قيمة محصول القطن سنويا خاطئة. ذكر الإمام عبدالرحمن المهدي للمفوض التجاري البريطاني ريتشيز في مايو 1953م أن لديه (900,000) قنطار وسعر القنطار في السوق (11) جنيها (فيصل، ص654)، - أي - قيمة المحصول تساوي (9,900,000) مليون (بالعملة المصرية المتداولة آنذاك لأن العملة السودانية لم تطبع إلا في 1956م. الجنيه المصري في 1953م يساوي تقريبا الجنيه الإسترليني).
سادسا، وبرغم ذلك جاء أن المبلغ (1.5مليون استرليني - أي - حوالى (15%) من إنتاج الدائرة) كان \"كبيراً جداً لإسرائيل\" آنذاك؟!
الغلوطية المحاربية
قال محارب إن المبلغ كان كبيرا جدا لإسرائيل فتوجهت لرجل أعمال صهيوني بريطاني (مدير شركة: لويس آند بيت) لفحص إمكان شرائه القطن لثلاث سنوات مقدماً، فأرسل موظفا كبيرا بشركته (وردن)، فبراير 1956م، للسودان. فقدّم تقريراً أوصى بتقديم قرض ائتمان دوار بـ(1.5) مليون جنيه إسترليني، \"لقاء إمّا نسبة من الأرباح أو عمولة على بيع القطن\".. و\"إنّ الجانب السوداني اقترح عليه تطوير أراضٍ جديدة لزراعة القطن في السودان والتي ستلحق مستقبلاً بأراضي المهدي. ولأنّ هذه المبالغ كانت كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل في تلك الفترة، اتّصل محافظ بنك إسرائيل بالعديد من المصارف السويسرية للحصول منها على قروض لتمويل هذه المشاريع. وأنّ المشكلة لم تكن في الحصول على القروض وإنما في ارتفاع قيمة الكفالة على المخاطر المرتبطة باستثمار هذه المبالغ المرتفعة في السودان، لعلاقة هذه المشاريع بإسرائيل\"!!
تعليق:
أولا، قال بداية بكبر المبلغ على إسرائيل، فتوجهت لشركة بريطانية مديرها صهيوني أرسلت مندوبا أوصى بإقراض المهدي مليونا ونصف المليون وتمويل مشاريع. يفهم أن الشركة هي التي ستقوم بالإقراض والتمويل، فلماذا نعود للقول (إن المبالغ كبيرة على إسرائيل؟) هذه غلوطية محاربية من الدرجة الأولى.
ثانيا، حزب الأمة كان مهموما جدا بتمويل انتخابات 1953م، والدعاية للاستقلال بعدها حتى أواخر 1955م، دحضا للدعاية المصرية. في فبراير 1956م انتفت تلك الحاجة، ولم تكن الانتخابات على الأبواب بل أجريت بعد عامين من ذلك التاريخ! ولم تكن مسألة حياة أو موت بالنسبة لاستقلال السودان (اقرأ: بالنسبة لحزب الأمة)!
ثالثا، تنطبق على كل المفاوضات العمرية أن صفته منتحلة، وأن التسويق للدائرة ليس من مهام مسئولي حزب الأمة!
رابعا، قال لنا الوالد الحبيب السيد إسماعيل المهدي وكان في الخمسينيات مديرا لمحلج الدويم ولمؤسسة السيد عبد الله الفاضل المهدي، إن الشركات العاملة بتسويق القطن آنذاك (بريطانية وفرنسية وإيطالية وسويسرية) كان حوالى (80-85% ) من مساهميها وملاكها يهوداً فمقابلتهم أو زيارة بعضهم السودان لشراء أو تمويل مشاريع القطن كانت مسألة عادية. وذكر منها (رالي بروذرز) و(راي ايفانز) البريطانيتين و(فرانكو بنتو) الإيطالية، وقال إنه بعد مواجهة عبد الناصر للغرب في النصف الثاني للخمسينات جاءت شركات للسودان منها (خوري أخوان) و(اولاد دباس) لتمويل مشاريع القطن مؤكدا أن (أولاد دباس) كانوا يهودا.
خامسا، الحديث عن أراض تلحق بمشاريع المهدي (كلام ساكت).
سادسا، أية مبالغ مرتفعة؟ إذا كانت الإشارة للـ (1.5) مليون فهو سعر شراء المحصول، أما تمويل المشاريع فلم تذكر قيمته حتى يتسنى القول (هذه المبالغ). محارب كلامه مخلوط وملفّق وضعيف المنطق.
سابعا، لماذا لم يفكر محاربٌ كذلك بالمخاطر على حزب سمى نفسه الأمة (يجر خلفه إرثاً أنصارياً بإقامة الدين، وتوحيد المسلمين) من تمويل إسرائيل؟
المسئول الزائر و(الدقسة) الإسرائيلية
قال الدكتور محارب \"استدعت حاجة المهدي للقرض، علاوة على سعْي حزب الأمّة لتطوير علاقاته بإسرائيل ضدّ مصر، أن يزور مسؤول سوداني رفيع المستوى إسرائيل سراً\" وعقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعا لمسئوليها تحضيرا له في أغسطس 1956م.
تعليق: شكرا للدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك الذي أثبت في مقاله المحقق (هل زار السيِّد عبد الرحمن المهدي إسرائيل؟) أن ذلك الزائر لم يكن سوى السيد محمد أحمد عمر نفسه.!! ألقى بصنارته على إسرائيل فغمزت وصارت إسرائيل (تقوم بُخَسْ وتقع كرويات) كناية عمن يقوم ويقعد في أمورٍ فارغة. لم يكن السيد عمر زعيما في حزب الأمة، ولا يحزنون!
الأموال المدفوعة
بحسب محارب فإن المبالغ الكبيرة المذكورة لم تتمخض عن شيء، وصار الحديث يدور حول عشرها أو عشر العشر:(150) الف جنيه استرليني، أو(300) الف دولار يُدفع منها فورا (50) الف دولار (حوالى 18 ألف جنيه مصري آنذاك). وحتى هذه المبالغ الضئيلة بالنسبة لما كان بيد المهدي من أموال البالات المجمدة، لم يتأكد دفعها، ولو دفعت فقطع شك لم تدخل خزينة حزب الأمة!
ليس فقط لشهادة الإمام عبد الرحمن الصادق الذي بعد تعرضه لأخطاء حزب الأمة ذكر أفضاله وأنه تحصّن (من تسرب الأموال في الشرق فلم يدخل خزينة هذا الحزب ولا خزينة دائرة المهدي التي تسهم في نفقات الحزب قرش واحد من مصدر سياسي. إننا نتعامل مع الأجانب ولكن على أسس تجارية محضة ولكننا لم ولن نقبل معونة من مصدر أجنبي)..(وإني لأذكر بعض أعضاء الحزب داعبتهم أفكار مثل هذه عندما انهالت الأموال المصرية على السودان، ورأى هذا البعض أن يأخذ قرضا ماليا من بريطانيا وكلمة \"قرض\" في هذه الحالة هي تغليف لكلمة \"رشوة سياسية\" وبالطبع رفض الاقتراح وفي نظري أن الدرع الواقي لحزب الأمة هم شيوخ الأنصار وشبابه).
ولكن كذلك لأن المبالغ ذكرت كقروض مقابل كمبيالات كما جاء، ولم ترصد بين ديون الدائرة. وكان من ضمن ديونها دين بنك (باركليز) وكان إطاره تجاريا محضا، ذكره الإمام عبد الرحمن المهدي في حديثه للمفوض التجاري في 1953م (فيصل،ص645). لكن محارب أورده بإشارة غير مفهومة السياق تلقي عليه غبارا إسرائيليا مع أنه جرى قبل 1954م بادئة تاريخه. وليس لإسرائيل به علاقة. فهو ضمن تلفيقاته التي لا تعد.
إتفاقية الجنتلمان
كان حزب الأمة متخوفا جدا من الأموال الأجنبية في الانتخابات. فسعى للوصول لاتفاق شرف حول الموضوع. ومع بوادر انفراج القضية السودانية بقيام ثورة يوليو 2591، أبرم الحزب مع الحكومة المصرية في 29/10/1952م اتفاقية القاهرة، واتفاقية الجنتلمان، بضبط الأموال المصرية في السودان فلا تذهب لمساندة حزب أو الدعاية للاتحاد. ولكن مخاوف حزب الأمة تحققت، وفي 1953م أعلن خرق مصر لاتفاقية الجنتلمان. أورد الأستاذ بشير محمد سعيد في كتابه (الزعيم الأزهري وعصره) أن جمال عبد الناصر قال في 25/8/1955م (إن مصر أنفقت في السودان أربعة ملايين جنيه في سنة) (ص282).
وأورد الدكتور فيصل إنه ولمواجهة هذا الموقف المصري طلب السيد عبد الرحمن من بريطانيا شراء قطن الدائرة بسعر تفضيلي. وسافر السيد الصديق لبريطانيا لتسويق القطن وبحث المقترح أو إمكانية قرض بضمان ممتلكات الإمام لكن الحكومة البريطانية لم تستجب. هذا يثير التساؤل حول ما سقناه من رفض فكرة القرض أعلاه، ومن ناحية يؤكد أن فكرة السعي طرحت قبل نيل الاستقلال. والنتيجة النهائية: لم يدخل الخزينة فلس أجنبي واحد.
لقد أورد الدكتور أبو شوك تخوف رئيس الحزب من أية صلة بإسرائيل، فقد ذكر أن الإسرائيليين في لقائهم اللندني كانوا متحمسين جدا للتعاون، وانطباع المسئول البريطاني الذي حادثه هو (أن السيد الصديق متخوف جدا من الفكرة حيث قال إنه لا يتوقع إتمام أي شيء مما سبق ذكره إلا إذا أصبحت الأمور ميئوسا منها في السودان).
وغني عن القول إن الأمور سلكت، منذ أعلن الحزب الوطني الاتحادي في مايو 1955م مساندته للاستقلال، فانقشعت غيمة الاتحاد تحت جناح مصر، وظهر للغاشي والماشي أن الاستقلال يبحث فقط عن طريقة مناسبة للإخراج أسفرت عن نفسها في أواخر العام. في 1956م كانت دموع الإمام عبد الرحمن الجياشة قد رافقت إنزال العلمين، وتنفس حزب الأمة الصعداء، وبكلمات قائده الفذ إبراهيم أحمد: (يسعدنا أن آمن من لم يؤمن من قبل وأن الجمر الذي ظللنا نقبض عليه قد صار بردا وسلاما على السودانيين!)
هل تعرفون لماذا عزا الإمام عبد الرحمن هزيمتهم في الانتخابات الأولى؟ قال: (ولا أعزو سبب تلك الهزيمة إلا لأننا لا نعرف الخداع السياسي والعمل في الظلام فنحن قوم نؤمن بما نقول، ولا نجد سببا يدعونا لنبطن غير ما نظهر، وأظن كلما تطلب العمل السياسي مزيدا من المكر والخداع كلما كان فشلنا فيه أكثر) (ص 47).
إشكالية محارب الأولى برأينا أنه تجرّع في الوثائق الإسرائيلية سرابا سوف نفضح بقيته الباقية، فأنبته أشجارا من (الأسرلة) لبني السودان؟ لماذا؟ هذا ما سنناقشه ولكن بعد مناقشة أحاديثه حول العدوان الثلاثي على مصر.
نواصل بإذن الله،
وليبق ما بيننا


الرأي العام


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1374

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#169420 [ياحليل العاجبة النظر]
0.00/5 (0 صوت)

06-30-2011 12:23 AM
بارك الله فيك على هذا الجهد التاريخي العظيم واراه مهم رغم مقولة الناس في شنو والحسانية في شنو (مجرد مثل!!!) فالسبيل للخروج من البئر التي نلوص فيها هو إعادة وتعزيز الثقة في بعضنا البعض. هذا الكيان وقادته هم جزء من مكونات الشعب السوداني يرجى منه الكثير لرفل الحراك الوطني وتخليص الوطن من الوحل الذي علق فيه وإعادة البريق والالق لإنسانه فبذل الجهد لتبرئته ولو لمجرد غبار شك طاف حوله هو بلا شك الفعل الصحيح في الوقت الصحيح! أرجو أن تسيري في دربك الذي أراه صحيحا وأعلمي أن طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل
الجاهل يتعلم وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل ... ( الألباني ) .. ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح بإذن الله والموضوعيه دائماً تظهر الحقائق لمن يريد رؤيتها
\"إبدأ/ي يومك بالسير خطوة تجاة الوطن الذي تريد/ي\"


رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة