المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
حسن أحمد الحسن
د ناهد بين فتاوى المغارة وفكر الاستنارة
د ناهد بين فتاوى المغارة وفكر الاستنارة
06-29-2011 02:36 PM

رأي

د ناهد بين فتاوى المغارة وفكر الاستنارة

حسن أحمد الحسن

شهدت منطقة واشنطن الكبرى ندوة ذات طابع فكري قدمتها الدكتورة الناشطة ناهد محمد الحسن حول المرأة في الخطاب الفكري الإسلامي من خلال قراءة خاصة في فكر كل من الصادق المهدي وحسن الترابي ومحمود محمد طه.
بينت ناهد إسهامات المفكرين الثلاثة إزاء قضية المرأة وهي إسهامات قالت إنها تفاوتت في معالجاتها لدور المرأة وحقها الخاص والعام فصلتها في ورقتها إلتي تمثل مدخلا حيويا لمناقشة تلك القضية في فضاء الفكر الإسلامي بين رؤى وفتاوى السلفيين، التي تكبل الحراك الإنساني للمرأة المسلمة وبين فكر الاستنارة الذي يعيد قراءة النصوص بعقل وعين المجتهد المفتوحين في بيئة سودانية متنوعة ذات إيقاعات صوفية وأفريقية متسامحة .
ورغم أن الورقة لم تلمس جوانب تفصيلية في اجتهادات المفكرين الثلاثة وبغض النظر عن الاختلاف بينهم أو الاختلاف معهم من قبل الآخر الملي أو الفكري أو السياسي إلا أنها أي الورقة تمثل مؤشرا إيجابيا يسلط الضوء على فكر الاستنارة السوداني الإسلامي في مواجهة رؤى الظلاميين إزاء قضية المرأة وحقوقها في الإسلام في وقت تتنامى فيه بؤر التطرف الديني في البلاد وتتوالد فيه الفتاوى البائسة باسم الإسلام باسم « العلماء « لإجهاض دوره في الحياة العامة دون وعي أو إدراك .
وكثيرا ما نبه دعاة الوسطية ومنابر الاستنارة من خطر الفكر الإسلامي المنكفئ وعلماء البلاط السلطاني كالذين يحفل بهم المشهد السوداني ،على الإسلام ومستقبله ودوره في الحياة العامة وهو خطر يتساوى من حيث الحجم والمقدار مع الفكر العلماني المتطرف الذي يسعى لإقصاء القيم الإسلامية والدينية من الحياة العامة وتحديد إقامتها وتحويلها إلى طقوس داخل دور العبادة .
ولعل ما تمثله الورقة من أهمية أنها تحرض على استخدام سلاح الفكر الإسلامي المستنير في مواجهة التطرف الديني المنغلق ليس تجاه حق المرأة والطفل فحسب بل تجاه قضايا العصر والتحديات التي تواجه المسلم المعاصر في عالم تلاشت بينه الحدود والسدود وتلاقحت فيه الحضارات والتجارب الإنسانية.
ولم تجد الدكتورة ناهد محمد الحسن حرجا في مواجهة من يلبسون أقمصة العلمانية من الشباب المتحمسين للحرية العلمانية الغربية الذين استنكروا عليها الاستشهاد على استنارة الفكر الإسلامي السوداني برؤى وأفكار طرحها المفكرّان الإسلاميان المهدي والترابي في مواجهة الفكر الانغلاقي إزاء قضية المرأة وحقوقها في الإسلام لأسباب خلافية أو نفسية .
ولعل من أهم ما أنتجته تلك المناقشات هو أنها تعزز ما نعتقده في أن لا سبيل لإحداث ثورة تشريعية إسلامية تتجاوب وتتسق مع موجبات الدولة المدنية الحديثة إلا بالانطلاق من منصات الفكر الإسلامي المستنير .
وهي اجتهادات تخاطب احتياجات المسلم المعاصر في عالم متسارع الإيقاع والتطور والتلاقح وتقصي في نفس الوقت دعاة الانغلاق والظلامية باسم الإسلام بأكثر مما يمكن أن يسهم به دعاة العلمانية باختلاف تخيلهم لها .
أن الفكر الاجتهادي الإسلامي السوداني الذي تعبر عنه رؤى المفكرين السودانيين محل البحث متطور ومتقدم بدرجات كبيرة يتفوق على ما بالمنطقة الإسلامية من مدارس فكرية ،وهو تطور اكتسب ألقه من الخصوصية السودانية في معالجتها لقضية الإسلام كخيار حضاري في بلد متنوع ومتعدد أسهم فيه الإسلام الشعبي بشقيه الثوري كما في المهدية والمحافظ كما في الصوفية .
إن منهج الوسطية الإسلامية في مواجهة ظلامية الانغلاقيين إزاء قضايا الحياة العامة هو المنهج الأمثل الذي يقود في نهاية المطاف إلى أسلمة العلمانية واحتضان موجباتها في دولة مدنية تقوم على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين ، واستنهاض مبادئ الإسلام لرفد الحضارة العالمية بقيم العدل والإحسان ونفى الظلم والانتصار للمستضعفين كما كانت من قبل أساسا لبناء النهضة و الحضارة الإنسانية .
ولعل من حق الدكتورة ناهد علينا أن نقول إنها جسدت مثالا ناهضا للمرأة السودانية المدافعة في خروجها على ثقافة سلاملك الحريم وطرقها لقضايا المرأة والطفل من منظور إسلامي غير هياب مشدود لبيئته السودانية المتسامحة ومناهضا للتعدي الأحمق على حقوق النساء وفاضحا للتناقض بين الخطاب والسلوك لدى البعض ممن يتجاهلون عقل المرأة وحقها في الحياة كإنسان كرمه الله وأوصى عليه النبي الكريم ويحتفون فقط بأنوثتها وزينتها .
لعلها بداية مشرقة تعزز من أهمية النظر بعيون سودانية وعقول ثاقبة وقلوب منفعلة بخيارها الإيماني لترسم طريقاً وسطاً يجعلنا امة وسطا في دروب متشعبة . بعيدا عن التطرف والغلو والظلامية المستقوية بالجهل والمكابرة وسابقة متألقة لتكريم رواد الفكر السوداني مع الاحتفاظ بحق الاختلاف معهم .

٭واشنطون

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2534

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حسن أحمد الحسن
حسن أحمد الحسن

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة