المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
محمد أحمد المهدي وفك الإشتباك
محمد أحمد المهدي وفك الإشتباك
07-01-2011 10:28 AM

الطبوغرافيا الدينية والسياسية في السودان
محمد أحمد المهدي وفك الإشتباك

* مقالة كتبت في عام 2004م ومنقحة في مقدمتها فقط بشكل يسير، ولقد كتبتها ردا على دكتور غازي صلاح الدين العتباني الذي غمز بقناته المهدية مقللا من أهميتها – أنظر أخر عبارة في المقالة وفيها إشارة مستترة للدكتور غازي.
أهداني أحد المنتمين لحزب الأمة القومي كتابا بعنوان \"المقاومة الداخلية لحركة المهدية\" 1881-1898م لمؤلفه الفذ محمد محجوب مالك، ولقد خطر لي بأثر رجعي ربما رغب صاحب العطية التخلص من الكتاب بإعتقاله في السهول الألمانية الباردة. هذا الكتاب لم أمسه زهاء العشرة سنوات، ولكن قبل عدة أيام افترسته مرة واحدة وحتى الثمالة. ولقد تملكني الذهول لعظمة هذه الثورة، لا أدرى هل ألوم نفسي على التقصير في فهم أهم مرحلة في تاريخ السودان، أو ألوم حزب الأمة الذي يعكس صورة ونمطية متخلفة عن تلك الفترة الزاهية التي يجب أن يفتخر بها كل سوداني. ولقد تساءلت أيضا في نفسي كم من السودانيين يدركون في العمق أهمية هذه الثورة التي شكلت السودان الحديث.

لقد التصقت لفظة \"الطائفية\" بحزب الأمة..وهي لفظة سلبية، فمن أين أتت هذه اللفظة، ومن ألصقها بهذا الحزب؟ وهل يستحقها أم لا؟ وكيف نقيم حزب الأمة الحديث اليوم مقارنة بالحركة الأم قبل مائة عام ونيف؟ وهل تغيرت الطبوغرافيا الدينية والسياسية اليوم عما كان قبل قرن؟

لقد نجح الكتاب ومؤلفه الفذ محمد محجوب مالك أن يضع أهم مفاصل تاريخ الثورة المهدية في 300 صفحة، إذ ما تقرأه حتى تخرج برؤية دقيقة عن هذه الثورة المباركة. وأحمد الله أنني قرأت هذه الكتاب بعد محو أميتي الإسلامية، حيث يمكنني فهم الإشارات الدقيقة التي قد توحي بها بعض الكلمات التي قد لا يلتفت لها القارئ الاعتيادي أو المسلم الاعتيادي. وأهم ما في الكتاب أنه أتى ببعض نصوص المراسلات التي كتبها المهدي بنفسه إما للحكومة أو لأقرانه العلماء، ولكن معظم الرسائل التي نمتلكها من الثورة المهدية هي بعد وفاة المهدي ومنصوصة من خليفته عبد الله التعايشي في إدارة دولته وإدارة الجيوش.

ولقد لفتت رسائل الإمام محمد أحمد المهدي انتباهي بشكل أثار دهشتي، فهي من العمق والثقافة الدينية واللغوية والتاريخية متقدمة بشكل مدهش عما نقرأه في هذه الأيام من الحركيين الإسلاميين وقياداتها. ما يكتبه الإسلاميون اليوم، خاصة السلفيون ومشتقاتهم فهو متخلف وتقليدي. عموما، تقييم رسائل الإمام المهدي نقطة مهمة جدا لكي تفهم شخصية المهدي أو تحللها، خاصة أن الإمام المهدي عليه السلام الذي بشرنا به الرسول (ص) ليس هو الإمام محمد أحمد المهدي. فكيف يمكننا فك الإشتباك أو هذه المشكلة أو حل هذا التناقض؟ هذا الكتاب يساعدنا على ذلك.

أول ما يلفت نظرك في شخصية الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\" هي ورعه وتقواه وتعففه. أضف إلى ذلك يمتلك ثقافة دينية رفيعة وزهد حقيقي في الدنيا. فهو ليس من الأدعياء. فقد تشاجر مع شيخه الكبير محمد شريف نور الدائم، شيخ الطريقة السمانية، وأنكر عليه السماح بعمل الرقص والمباهاة فبمناسبة ختان أنجاله وروى البعض أنه أنكر عليه أيضا مقابلة النساء في مجلسه. ويشير الكتاب بوضوح إلى محاولة الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\" الإصلاح الدعوي التقليدي بمعية عبد الله بن محمد التعايشي ففشل أو أحبط، لم يجد لها تأثيرا، لأن العادات السودانية أقوى من الدعوة الوعظية اللفظية، وأن العامة أعطت ولائها لشيوخ الصوفية بشكل يصعب فكه. ويشير الكتاب أن هنالك فترة سرية ناقش فيها الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\" ما عزم عليه في أبي دوم مع بعض الشيوخ قبل إعلانه المهدوية منهم على سبيل المثال المنة إسماعيل، والشيخ سليمان، وموسى الأحمر، ومحمد الطيب البصير وعدد من مشايخ وعمد الحلاوين.

عموما، لم يلق المهدي تأييدا من مشايخ الطرق الصوفية عندما كانت دعوة المهدية في مراحلها السرية وإلى هؤلاء يشير المهدي بقوله..(ثم أني نبهت على بعض المشائخ وما أدركت من الأمراء فلم يساعدني على ذلك أحد حتى استعنت بالله وحده على إقامة الدين والسنن ووافقني على ذلك جمع من الفقراء الأتقياء الذين لا يعبأ بهم ولا يبالون بما لقوه في الله من المكروه وما فاتهم من المحبوب المشتهى ولا زال بحمد الله يزدادون وتحصل البيعة على ما ذكر حتى هجمت على الخلافة الكبرى من الله ورسوله وأعلمني النبي صلى الله عليه وسلم بأني المهدي المنتظر..).

إن إحجام المشائخ عن المهدية في أطوارها الأولى جعل المهدي يبتعد منهم روحيا فعمل مسجده وغارا للتعبد 1879م في جزيرة أبا وأصبح له أتباع كثيرون وأكتسب شهرة عظيمة لا بسبب انتمائه لطريقة السمانية وإنما بسبب مكانته الشخصية وشهرته في مجال الزهد والصلاح حتى غار منه الشيخ محمد شريف نور الدائم لتلك المكانة التي وصل إليها تلميذه. وبعدها هاجر للغرب...إلى جبل قدير.

فما هو الشيء الذي عزم عليه الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\"؟ في تقديرنا..أنه رأى نفسه أكثر هداية من النظام الأجنبي الحاكم في السودان ومن رؤوس المشايخ الذين تنعموا بالعطايا والمنح منذ مملكة الفونج وتواصلت تلك العطايا أيام الحكم الثنائي المصري التركي وتركيزه على طبقة العلماء ومنحه الكثير من العطايا والمزايا للشيوخ، خاصة إذا علم هؤلاء الشيوخ الأطفال والصبيان في الكتاتيب. فإذا علمت أن الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\" لا يأكل قط من الطعام الذي يقدمه الشيوخ لطلابهم لاعتقاده بأن ذلك الطعام كان يصنع من الذرة الذي تقدمه الحكومة للمشايخ مساعدة لهم في نشر التعليم وكان من رأيه أن مال الميري حرام لأنه يؤخذ عنوة من المواطنين ويوجه غير الوجه الشرعي، ستفهم أن المهدي له رؤية في الحكم وأخذ يخطط لقيام مجتمع جديد.

وفي تقديرنا أن الإمام محمد أحمد عبد الله \"المهدي\" كان يعرف أنه ليس المهدي المنتظر الذي ذكرته كتب الحديث والسير لدى السنة والشيعة الإمامية، فذلك المهدي الذي ذكره رسولنا الكريم (ص) لم يخطر في عقله قط. أقصى ما عزم عليه إمامنا السوداني أنه استخار ربه في استخدام كلمة \"مهدي\" في مدلولها اللفظي. وحقيقة، يمكن إطلاق لفظة \"مهدي\" على كل من هداه الله، خاصة إذا كان جديرا بها، فحتى كتب الحديث تشير إلى ذلك: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين\"، وهو حديث طويل.

الشيعة الإمامية تنكر هذا الحديث وتقول إن هذا الحديث موضوع وإنما حدث به في الشام، وإنما تناقله وروجه أهل الشام! وأكثر رواته من أهل حمص بالخصوص، وهم من أنصار معاوية وأشد أعداء علي أمير المؤمنين عليه السلام. فبالنظر إلى هذه الناحية أي السند، لا سيما مع ضم النظر في متن الحديث إليه (لم نكتب الحديث بكامله)، لا يبقى وثوق بصدور هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كيف يوثق بحديث يرويه حمصي عن حمصي عن حمصي!! ولا يوجد عند غيرهم من حملة الحديث والأثر علم به؟! وخاصة أن أهل الشام قاطبة غير متحرجين من الافتعال لما ينتهي إلى تشييد سلطان معاوية أو الحط ممن خالفه! النقطة الثانية، إن هذا الحديث مما أعرض عنه البخاري ومسلم، وكذلك النسائي من أصحاب السنن. وقد بنى غير واحد من العلماء الكبار من أهل السنة على عدم الاعتناء بحديث اتفق الشيخان على الإعراض عنه، وإن اتفق أرباب السنن على إخراجه والعناية به. فكيف لم يروه إلا العرباض بن سارية السلمي!؟ ولم لم يرووه إلا عن العرباض؟!

عموما، بغض النظر عن ضعف هذا الحديث أو وضعه، لكن هذا الحديث هو العبور لإمامنا المهدي أن يستخدمه لتلقيب نفسه بالمهدي، وإذا تمعنت في القضية في العمق ليس هنالك ما يمنعه من فعل ذلك للأسباب التالية: (1) أن إمامنا تحاشى بالكلية أن يصف نفسه بأكثر من هذه الصفة. فمثلا لم يقل أبدا أنه سيقتل الدجال، أو أن عيسى عليه السلام سيصلى خلفه..أو لم يقل أنه سيأتي بمعجزات..الخ. (2) ليس هنالك ما يمنعه أن يكون خليفة رسول (ص)، فحتى الخلفاء الراشدين الحقيقيين لم يستخلفهم رسول (ص). (3) إن إمامنا استخار الله والرسول (ص) فيما عزم عليه، وأعتكف كثيرا حتى رأى في منامه إشارات وألطافا نورانية شجعته على ما عزم عليه، ولكن بالتأكيد كان يدرك أنه ليس مهدي آخر الزمان.

فالتأويل بأنه مهدي آخر الزمان لم يأتي من الإمام المهدي، بل أتي من العامة ولا يحاسب عليه أمامنا المهدي، بل صمت، واستفاد من هذا التأويل الخطأ بالحسبة حتى يقلب الطاولة على البريطانيين وحلفائهم المصريين والأتراك، ولرفع الظلم عن كاهل الفقراء الذين حنت ظهورهم الضرائب..الخ. ولقد درج في ذهن العامة أن الكفر والأتراك شيء واحد، يقول محمد محجوب مالك في كتابه في ص 35 ( وفي الجانب الاجتماعي لم يكن السلوك الخاص للحكام..يرضي العامة، حيث أنهم لا يتقيدون بالتعاليم الإسلامية، يشربون الخمر جهارا ويرتادون الأماكن المشبوهة وأصبح الحكام الذين يعرفون بالترك في عداد الكفار وأصبحت كلمتا الكفر والترك مترادفتين في المعنى..الخ).

ولكي لا تكون هنالك شبهة لبدعة، ألتصق الإمام المهدي بالنواة الإسلامية، فجعل هنالك أربعة كراسي لخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، فهنالك كرسي خليفة الصديق أبو بكر، وكرسي خليفة الفاروق، وكرسي خليفة عثمان، وكرسي خليفة الكرار علي بن أبي طالب، بينما هو نفسه خليفة رسول (ص). خليفة الصديق كان من نصيب عبد الله التعايشي، بينما كرسي عثمان بقى فارغا حتى نهاية المهدية وسقوطها، وبشكل غريب، سبب هذا الكرسي العديد من الفتن والكوارث كما كان لصاحبه الحقيقي.

لقد ألتزم الإمام المهدي بنواصي العدل والشريعة والسنة المحمدية بشكل رائع حتى وفاته، ولكن لا بد أن تكون هنالك هنات مثل ذلك الصراع الذي قام ما بين الأشراف (أقرباء المهدي)، وأبناء البلد..النيليين من محس ودناقلة وجعليين، والعربان..البقارة والحمر والغرابة بالمجموع..أصحاب الراية الزرقاء..الخ. وجدير بالذكر، لقد صحح لي هذا الكتاب صورة عبد الله التعايشي في ذهني فقد كنت أحمل صورة سلبية عنه، ولكن اكتشفت خطأي، إذ لا شك أنه ورث ورثة كبيرة ثقيلة بوفاة المهدي المفاجأة رحمهم الله. حتى هذه الوفاة لا تخلو من إشارة ربانية، لقد أختاره الله إلى جواره سريعا لحكمة ربانية، تفهم لصالح المهدي الحقيقي الذي لما يظهر بعد، وعليه يمكن القول أن مهدينا خليفة المهدي الحقيقي، أو أنه مهد الطريق للمهدي الحقيقي سلام الله عليه.

ومن حسنات هذا الكتاب أنه ألقى أيضا الضوء على الشق السياسي فقد فصل موقف كل قبيلة بشكل دقيق وموضوعي من المهدية، وكانت هنالك مفاجآت لي شخصيا، خاصة ما يتعلق بالكبابيش والشكرية. ولكن بالمجموع، أثبت الإمام محمد أحمد المهدي عبقرية دينية وقيادية سياسية وطنية فذة. وما يدلل على عمق تدينه وغزارة علمه الديني أن عمد إلى إبطال العمل بالمذاهب الأربعة وترك الطرق الصوفية. هذه النقطة قد تفوت على العديد من القراء والمسلمين التقليديين، ولكن لها وجهتها التقدمية في السياق الإسلامي، خاصة أن هنالك البعض في يومنا هذا ما زال يؤمن أن الدين بنى على أربعة. فقد أخذ المهدي (على جماعة المنة إسماعيل احتجاجهم بما في الكتب القديمة مع إنها منسوخة ويقول في خطاب إلى أهالي فاسي بأنه يشترط العمل بالكتاب والسنة فقط وترك المذاهب وآراء الشيوخ وقد أكد في خطاب إلى أحمد حمدان العركي ترك الكتب القديمة والتصانيف) ص 153-154 من الكتاب.

ولا شك أن دعوة محمد أحمد المهدي بالتمسك بكتاب الله وسنته فقط وليس إتباع المذاهب ومشايخ الطرق لها دلالات عميقة خاصة إذا تطرقنا لقضية الحاكمية، فمثلا لو أخذنا رأي الإمام أحمد بن حنبل في الحكم والحاكمية ستقرأ ما لا يسرك وسترفضه، وقد يستغرب المرء شدة خوف الإمام بن حنبل من حكام زمانه، بل يستطيع المرء بسهولة استنتاج المحنة التي مر بها هي الداعي لهذه الفتوى التي ستقرأها لاحقا، رغم وجود أحاديث كثيرة للرسول (ص) مثل حديث العطية أو المناشير وإذا قرأتها ستضرب بفتوى بن حنبل عرض الحائط، خاصة أنها وضعت في صلب الشريعة الإسلامية واستفاد منها الحكام الظلمة:

في حديث عن معاذ بن جبل عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل نورد منه موضوعنا قال: (..ألا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا أنه سيولى عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أحلوكم قالوا يا رسول الله كيف نصنع قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله).

فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أبغض المسلمون علماءهم وأزهروا عمارة أسواقهم وتناحكوا على جمع الدراهم رماهم الله عز وجل بأربع خصال بالقحط من الزمان والجور من السلطان والخيانة من ولاة الأحكام والصولة من العدو.

وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(سيكون أمراء بعدي يعرفون وينكرون فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم ومن خالطهم هلك). وغير ذلك كثير..رحمك الله.

إذن قيام محمد أحمد المهدي بثورته الدينية على الأتراك والإنجليز هي مؤيدة بلسان الرسول (ص) تعارضها فتاوى بن حنبل \"والكتب القديمة\" وتصانيفها. وهذا ما يفسر ركون بعض القبائل السودانية للتعاون مع الإنجليز والمصريين الأتراك، وبعضهم حارب حربهم ضد الثورة المهدية، إما لمصلحة دنيوية وإما توهما بفتاوى بن حنبل ومثلها، وما أكثرها من تصانيف في المذهب السني. وهذا يبرر للإمام المهدي بإبطال الكتب القديمة..كما كانوا يسمونها في زمانه. والآن لنقرأ فتوى بن حنبل:

(والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين. والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهما اجزأت عنه برأ كان أو فاجرا. وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولى جائزة تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ليس له من فضل الجمعة شيء، إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين من أعادهما فهو مبتدع، وتدين بأنها تامة ولا يكن في صدرك من ذلك شك. ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه. لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق..\". وذكر نحوا من هذا وقريبا منه الإمام علي بن المديني في عقيدته...وقال الإمام أحمد- رحمه الله- أيضا: \"هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق\". وذكر أمورا من أصول الاعتقاد منها قوله: \"..والانقياد إلى من ولاه الله أمركم، لا تنزع يدا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة، وإن أمرك السلطان بأمر هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه\"..).

وبمقارنة السودان الحاضر بما أتى به محمد أحمد المهدي قبل قرن سنجده متخلفا، تجتاحه رياح السلفية الوهابية من الاتجاهات الأربعة ومن فوقه وأسفله..الخ. ولقد هاجم المهدي \"علماء\" الدين الرسميين هجوما عنيفا (يا علماء السوء تصومون وتصلون وتتصدقون وتدرسون ما لا تفعلون فما سوء ما تحكمون..الخ) وبهجومه هذا وضع إصبعه على بيت الداء. ولن نستغرب أن ترسل القاهرة العثمانية غردون باشا للخرطوم لإطفاء ذلك اللهيب الإسلامي وإرجاع المسلمين في السودان سيرتهم الأولى وهي الخنوع للأجنبي. يقول الكتاب في صفحة 156 بعد سقوط المهدية (وقد اهتمت سلطات الحكم الثنائي بأمر الطرق الصوفية وقدمت لزعمائها المساعدات وأعطتهم وضعا مميزا وفي نفس الوقت كانت تسعى لعدم تقوية الطرق الصوفية حتى لا يظهر من بينها مهدي آخر ولذلك كانت الإدارة البريطانية في السودان تسعى إلى تشجيع العلماء السنيين بسيادة التعليم الديني على تطرف المتصوفة. وسمحت للطرق الصوفية بممارسة نشاطها الديني ما عدا أنصار المهدي فقد منعوا من التجمع وحرم عليهم قراءة الراتب وحددت إقامة عدد كبير نهم).

وتعتبر دراسة خطابات المهدي مع غردون باشا قمة في الدرس التكتيكي والإستراتيجي في كيفية معاملة العدو، رغم أن غردون أتي بتمثيلية إخلاء المصريين والبريطانيين من السودان تكتيكيا، وتسليم الحكم للسودانيين، ولكن هذه الحيل لم تفت على المهدي ووزرائه المؤمنين بثوابتهم. علما أن غردون باشا كان قبلها في الصين وهو مهندس \"مطافيء\" بريطاني سبقت أمجاده وشهرته مجيئه للخرطوم في سحق الثورات، ولقد سحق في الصين وحدها ما لا يقل عن خمسة مليون صيني. عندما وصل غردون السودان لم تكن جرائمه في الصين معروفة ولكن كشفت لاحقا بعد عدة عقود.

وهكذا مع الأسف وصل إلى وعينا عبر حزب الأمة الحديث شيئا آخر لمضمون المهدية، وكثيرا ما أتهم هذا الحزب وأنصاره بالطائفية رغم أن ثورة المهدي الدينية لم تكن طائفية. فكيف نفسر هذا التناقض؟ يعود في تقديرنا إلى تقليم أظافر الأنصار تدريجيا من قبل البريطانيين، وقعود أبناء المهدي وأحفاده وأولاد البلد بالحزب لطلب المغانم السياسية والاقتصادية وطلب الراحة على البلاء والاجتهاد. وكذلك لم يستطع الأنصار لاحقا تجاوز نقطة الحرج أن محمد أحمد المهدي ليس هو المهدي الحقيقي، رغم أنه من السهولة تفسير الأساس الشرعي والديني الذي أنطلق منه المهدي كما شرحنا في هذه المقالة، والتي أرجو أن تكون مساهمة حقيقية في هذه النقطة، فمحمد أحمد المهدي لم يكذب، ولم يخرج عن الشرع السني قيد أنملة، فهو لا تنقصه الهداية بنص قول الرسول (ص) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، رغم علل الحديث، فإّذا لم يك يستحق الخلافة المهدية فمن باب أولى لا يستحقها الأتراك الذين تربعوا على سنام الخلافة الإسلامية أربعة قرون ونصف..ولقد ضجر المسلمون من فسقهم وظلمهم وجبروتهم. ولعل هذه المقالة تخرس بعض من رغب في الغمز واللمز في استحقاق المهدي والمهدية..ولا يحق إلا الحق.

شوقي إبراهيم عثمان
ميونيخ – ألمانيا
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3002

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#170285 [المسيح الدجال]
1.00/5 (1 صوت)

07-01-2011 04:34 PM
ياخي ...ضيعت وقتنا بمقالة دهنسة .., تعرف قصة كتشنر وعتاب ملكته له عندما سمعت انه في القطار في طريقه اليها استخدم جمجمةالمهدي كطفاية سجاير,تنطبق عليك,راجل كذاب ادعئ المهديةوقتل الناس باسمها ومن لم يؤمن به وانكشف امره ومازلتم تنادونه بالمهدي ...


#170225 [سوداني ]
1.00/5 (1 صوت)

07-01-2011 02:33 PM
غازي هذا من اصول مصرية ويريد تقليل اهمية المهدية التي طردت اجداده من السودان ويريد احداث فتنة بين حزب الامة والصوفية مع العلم انّ كثير من الصوفية كانوا من امراء المهدية ونصروا المهدية , وانا قرأت نص الرسالة التي ارسلها قائد الثورة المهدية الي الشيخ العبيد ود بدر مخاطبا ايّاه بحبيبه في الله .

انّ كثيرا من الذين ينحدرون من اصول مصرية ليس لديهم اي ولاء للسودان وليس لديهم اعتراض علي احتلال مصر للسودان .. و امّا الذين ينتمون لهذه الحكومة منهم فهم يعملون علي احتلال مصر للسودان مرة ثالثة , واكبر دليل علي هذا هو سلوك المدعو غازي واخيه حمدي الذي دمر الاقتصاد السوداني عموما ومشروع الجزيرة خصوصا وذلك لاضعاف السودان تمهيدا لانهياره واحتلال المصريين ما سيتبقي منه .


#170201 [واحد]
1.00/5 (1 صوت)

07-01-2011 01:45 PM
الطنطاوي شوقي لك الف سلام وانشاء الله قدله يا مولاى حافي حالق بالطريق الشاقي الترام والسلام يا المهدي الامام اما الامام الصادق لا زول ضرب ولا اعتصام يعني كيف البلد تمشي لقدام وانت وناس خليفه نوري مسالمين والامام ما بتاع مناشيرولا key board ولا تحت الارض وجماعتك الجداد كسروا عظام الشعب الفضل ودشدشوها هم وتنظيمهم العالمي


ردود على واحد
Sudan [شوقي إبراهيم عثمان] 07-04-2011 04:00 PM
لا تعليق لي على المسيح الدجال، يبدو أنه سلفي من اتباع ابن تيمية والخط السعودي الخ

أما الأخ سوداني فغازي اصوله تركية وليست مصرية - هذا للتصحيح. ولا أوافقه ان عبد الرحيم حمدي دمر الإقتصاد السوداني بل الذي دمره صابر محمد حسن وعابدة المهدي. وكلاهما مخلبان لصندوق النقد الدولي_ كيف ركب صابر محمد حسن كرسي بنك السودان فهذا لغز كبير، ولي مقالة كبيرة عن بنك السودان وفيها أن الدكتور حمدي تمت إزاحته بالرغم من أنه هو والشيخ سيد أحمد الشيخ الذين بداوا سياسة التحرير، وبإزاحتهما لعب المتآمرون بنفس لافتة التحرير بعد افرغوها من شروطها الداخلية - أنتظر ظهور مقالتيز

أما \"واحد\" أهديه السلام واقول له إظهر وبان عليك الأمان!!


شوقي إبراهيم عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة