المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
التشرد وصمة عار في جبين الإنسانية
التشرد وصمة عار في جبين الإنسانية
07-01-2011 11:16 PM

التشرد وصمة عار في جبين الإنسانية

رشيد خالد إدريس موسي
[email protected]

ما أقسي أن يفقد الإنسان الكرامة. هذه الكرامة التي تميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات. قال تعالي في محكم تنزيله ( و لقد كرمنا بني آدم ). و يقول المفسرون, أن المعني من التكريم, هو إستواء الخلقة و نعمة العقل, التي تميز الإنسان عن الحيوان و من ثم كان الإنسان مناط التكليف لخلافة الله في الأرض.
لكن أن يعيش الإنسان مشرداً , فاقداً لحنان الأبوين و لدفء الأسرة و فاقداً للمأوي, يقتات من مخلفات الآخرين, يتوسد الأرض و يلتحف السماء, فهذه إهانة ما بعدها إهانة لهذا الإنسان, و هذا يحدث و للأسف في بلادنا و في عاصمة دولتنا السنية. في بداية التسعينات الماضية, ذهبت مع شقيقي إلي بيت العزاء في كوبر, في الرابعة صباحاً و الجو شتاء , لإستقبال جثمان قريب لنا, كان توفي في القاهرة ووصل جثمانه في ذلك الوقت. شاهدت صبياً يخرج مندفعاً من المجري في وسط الخرطوم. تابعته, فإذا هو يجري لا يلوي علي شئي. قلت ربما حدث له مكروه , فهو يجري ليحمي نفسه. هذا مثال للمشردين و لحياة التشرد في بلادنا. مثال ثان, هو ما حدث في منتصف الثمانينات الماضية من دهس لأولئك الصبية المشردين, و كانوا ينومون في وسط الخرطوم, يتوسدون الثري و يتغطون بالكراتين. فجأة و في الصبح , دهسهم لوري تراب عجوز, يقوده سائق غشيم, و قضي عليهم مثل الجرذان ! لا أدري ماذا تم بشأن ذلك الحادث المأساوي.
لكن أبشع هذه الحوادث التي تعرض لها هؤلاء المشردين , هو حادث التسمم و الموت الجماعي, الذي وقع في الإسبوع الماضي, إذ إدعي البعض, أن هؤلاء المشردين, تناولوا مادة ( السبيرتو ) فأودت بحياتهم. و ( السبيرتو ) هذا مادة كحولية, كانت تستخدم في تشغيل الرتائن, قبل أن تدخل الكهرباء إلي البيوت. لكن لم يكن يفكر الناس في إستخدام هذه المادة للسكر. و يبدو أن هؤلاء المشردين, يتناولون أي مادة مخدرة و رخيصة الثمن, لكي يغيبوا عن الوعي و لكي يهربوا من واقعهم الأليم هذا. و يبدو أنهم تناولوها بكمية كبيرة , فصرعتهم واحداً تلو الآخر. هذا إذا لم يكن في المسألة قصد جنائي.
و تتمثل أسباب مشكلة التشرد, في تفكك النسيج الإجتماعي, في المناطق التي تعاني من الحرب و من المجاعة, الأمر الذي أدي إلي تمزق النسيج الإجتماعي في هذه المناطق التي نزحت منها هذه الأسر, التي تشرد بنيها . هذا يعني أن المشكلة ستتفاقم في المستقبل, ما دام أن الأسباب لا زالت قائمة, و ما دام أن هناك مجتمع للمشردين, يسكن في قاع المدينة و ما دام أن الجهة الرسمية تعترف بمجتمع المشردين هذا كتنظيم غير رسمي, تراقبه من بعيد, دون أن تحرك ساكناً تجاهه. كانت خرجت مظاهرة لهؤلاء المشردين يطالبون بحقوقهم , في منتصف الثمانينات, في فترة الديموقراطية الثانية كما يسمونها. لكن هل إلتفت إليهم أحد؟ لا إعتقد.
و معلوم أن الجهات الرسمية, لا تقدر علي محاربة التنظيمات غير الرسمية Informal organizations, مثل تنظيمات المشردين و اللصوص و المتسولين و القوادين, لكن يمكن أن تتعاون معها في حل بعض المشكلات, مثل جرائم السرقة و الوصول إلي أوكار الدعارة , إذ أن لكل تنظيم من هذه التنظيمات غير الرسمية , نمط إداري معين و لديه مناطق نفوذ محددة, يمارس فيها نشاطه, مثل نشالي سوق الخضار و نشالي البصات و نشالي السوق العربي و نشالي السوق الأفرنجي. كما أن لكل تنظيم, لغة خاصة به و سلوك يتميز به عن غيره من هذه التنظيمات.
يوجد المشردون في كل المجتمعات و بأعداد مختلفة و في أوضاع مختلفة. لكن أن يوجد هذا العدد المهول من المشردين, في عاصمة بلادنا و في هذا الوضع المزري, فهذا يعني أن هناك خلل في بنية المجتمع و هذا يشكل وصمة عار في جبين المجتمع السوداني. و السؤال الذي يطرح : لماذا لا تحرك الجهة المختصة ساكناً, تجاه إيجاد الحل لهذه المشكلة و الحد من تفاقمها, حتي لا يتولد عنها مشكلات أخري؟ لماذا لا يتم تجميع هؤلاء المشردين في معسكرات و العمل علي إعادة تأهيلهم نفسياً و إجتماعياً و مهنياً, حتي يعودوا إلي المجتمع أفراداً صالحين و ينعتقوا من هذه الحياة التي تشبه حياة السوائم؟
لابد من أن تخطو الجهة المختصة, خطوة تجاه إيجاد حل لهذه المشكلة, لكي لا تتمدد و تصبح سلوكاً إجتماعياً يفرض نفسه و يصيب المجتمع بعلل أخري, كما نسمع , مثل ( لغة الراندوق ) التي قيل أنها دخلت إلي مجتمع الطلاب في الجامعة. هذا مظهر من مظاهر الإنحطاط الثقافي, ينبغي علاجه. و يعني إستلاب ثقافي, يحدث لطلاب الجامعة, الذين يفترض أن يتحدثوا لغة العلم و يهذبوا سلوكهم بدل من لغة السوقة. و من هذه العلل, إنتقال عدوي تعاطي المخدرات, رخيصة الثمن, مثل ( السبيرتو ) و ( السليسيون ) و ( الكولونيا ), إلي أوساط الطلاب في المدارس و الجامعات و ما يترتب عليها من أضرار صحية و تكاليف إجتماعية, تثقل كاهل المجتمع. هل نبدأ في العلاج, أم سنكتفي بالتحسر علي هؤلاء المساكين, كلما حدثت لهم كارثة ؟

الرياض / السعودية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 505

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة