07-04-2011 10:14 AM

بلا ميعاد

850 من النوير جاءوا إلى السجن طوعاً يغنون

بشرى الفاضل
bushralfadil_(at)_hotmail.com

لا شيء يفسد العلاقات بين مختلف مجموعات وشعوب السودان غير التدخلات العسكرية الخرقاء التي لا تراعي تراكم الحكمة المحلية والأعراف التي تراكمت عبر القرون . وقد فطن المستعمر الإنجليزي قبل الحكام الوطنيين لهذا لذا كانت إدارتهم للكثير من المناطق تراعي الأعراف والعادات.

لاشك أنهم على المستوى السياسي كانوا استعماريين لكن على المستوى الإداري كانوا يفوقون الإداريين الوطنيين الذين تلوهم

الحكاية التالية حدثت عام 1951م وسجلها الإنجليزي بيل كاردين مفتش مركز النوير وقتها . في كتاب حكايات كانتر بيري السودانية.

دخل كولانق بيلي أمباشي شرطة فنجاك وهو من أبناء النوير ليبلغ المفتش كاردين أن قتالاً قد نشب بين فرعين من قبيلة النوير ولم يكتفي كولانق بإبلاغ المفتش بل شرح له ما يجب أن يفعله حسب الأعراف المتبعة في مثل هذه الحالات:

القتال شب منذ يومين على بعد ثلاثين ميلاً من فنجاك ودخلت فيه أعداد كبيرة وسيزيد عدد المشاركين إن لم تتدخل.عليك مغادرة فنجاك في الصباح الباكر ومعك أكبر عدد من رجال البوليس يمكن الاستغناء عنهم في فنجاك.على أن تسبقك رسالة إلى هناك تقول بأنك في طريقك إلى موقع القتال وأن ترسل رسالة إلى زعماء القبائل الفرعية المجاورة الذين يجب أن يكونوا محايدين وان يتمتعوا باحترام النوير المتحاربين. قل لهم أن يسبقوك إلى موقع القتال كي يوقفوا القتال وأن يستمعوا لطرفي النزاع لمعرفة على من يقع اللوم مع الحكم على الجناة بالعقوبات المناسبة.

قال المفتش وافقت على جميع ما قاله الأمباشي كولانق.في ذلك الوقت كانت الرسائل يقوم بها عداءون . وهكذا انطلق هؤلاء إلى الجهات المعنية .وفي الصباح الباكر ركب المفتش حصانه ومعه فقط ثمانية من أفراد البوليس وثمانية مساجين للتمويه بأنهم من البوليس أيضاً إذ أن كل قوة شرطة فنجاك كانت تتكون من 16 فرداً ترك المفتش نصفهم بالمركز تحت إمرة كولانق.

سارت القوة مشياً على الأقدام وراء المفتش وكانت تحمل متاع المفتش مع ذلك. كان دور المفتش صورياً . و ما إن وصل إلى موقع القتال حتى وجد أنه تم الفصل بين المقاتلين بحيث أصبح هناك 500 مقاتلاً من فرع قبيلة النوير في جهة و350مقاتلاً من الفرع الآخر في الجهة المقابلة. لقد فصل زعماء القبائل المحايدين الحكماء بين المقاتلين وقاموا بالمهمة كلها وأبلغوا المفتش بان سبب القتال كان مقتل خمسة أفراد من الجانبين وقد تم اعتراف أربعة من الفئتين بالقتل وتبقى معرفة الخامس الذي لم يعترف بقتله أحدا.إحتار المفتش لكن (كيك وار) أكبر الزعماء المحليين المحايدين وأكثرهم احتراماً أفاد المفتش بأنه لابد من الكشف عن القاتل الخامس ولن يتم ذلك بدون الاستعانة بالكجور.

يقول المفتش انقضى يومان حتى جاء الكجور ورأى أن يتم تقديم لبن ولحم من شياه القتيل فالنوير من عاداتهم ألا يتناول القاتل من طعام القتيل وإلا حلت به اللعنة. كان القتيل من فرع الخمسمائة ولذا قام الكجور بتقديم اللبن و قطع اللحم لمجموعة الثلاثمائة وخمسين فتناولوه جميعا. في الليل خاف القاتل من أن تحل به اللعنة فيما يبدو فاعترف بجريمته . وهكذا قضى زعماء القبائل بأن يتم سجن جميع من شاركوا في القتال ويسمى مثل هذا القتال بالقتال العادل والعقاب فيه يكون خفيفاً إذ يتم عقاب القتلة بالسجن لأربع سنوات أما جميع المشاركين من الطرفين ، تم الحكم عليهم بالسجن لمدة ستة شهور. كل الإجراءات قام بها زعماء القبائل المحايدون ولدهشة المفتش وافق الجميع على الحكم .وهكذا انتهت القضية و انطلق في ذلك المساء جيش من المساجين قوامه 850 فرداً بطوعهم وإرادتهم يسيرون جنباً إلى جنب كأنهم لم يتقاتلوا من قبل نحو المركز حيث يقضون عقوبة السجن بفنجاك. قال المفتش سمعتهم وهم يغنون في كورال جماعي بديع داو. أما المفتش فانطلق أمامهم بعربة. وعاد الحكماء والكجور إلى قراهم راجلين وبعد وصول المفتش إلى فنجاك وصل المساجين جميعهم ولم يتخلف منهم أحد. كانوا يسيرون لوحدهم إلى الحبس الذي ارتضوه .

قال المفتش لم يهرب من هؤلاء المقاتلين طوال مدة السجن إلا شخص واحد ترك رسالة شفوية تقول إنه مضطر للهرب من أجل تزويج شقيقته وسيعود وبالفعل عاد بعد ذلك.

قال المفتش إن هؤلاء السجناء أفادوا منطقة فنجاك بردم الطرقات وتحسين المركز وكانوا في كل هذه المدة يتناولون الذرة التي يطبخونها بأنفسهم.وسجل المفتش في مذكرته انه كان يراعي أعراف قبيلة النوير فلا يصدر حكماً دون مراعاتها. وهذه كلمة نتمنى أن تجد صدى لها فيما يجري في المنطقة بعد ستين عاماً.


أجراس الحرية


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1331

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بشرى الفاضل
بشرى الفاضل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة