سأعود حين يفيض النهر
07-11-2010 01:40 PM

قصة قصيرة

أحمد الملك

سأعود حين يفيض النهر

النور كان يجلس منزعجا في انتظار وصول عزيزة الاعرابية التي تقرأ البخت ، جعله نواح القمري فوق ا شجار اللبخ يشعر بحزن خارق وبأنه وحيد في هذا العالم،كان يجلس منزعجا منذ ان استيقظ علي مشهد حلم رهيب رأي نفسه جالسا بجانب عروسه ليلة زفافه وسط زحام الرقص بالعصي وزغاريد النساء فيما غروب عاصف يتسرب بين اغصان اشجار النخيل الغارقة في الماء و التي تحيط بالمشهد ولم تكن هناك من مشكلة سوي انه كان يجلس ميتا وهو يمسك بسيف جده المعلق في جدار بيتهم .

كان قد اكمل قبل بضع ايام اعوامه الثلاثين قبل ان يستدعيه عمه ود الحسين ويذكره بان والده الراحل كان قد خطب له ابنته نورا قبل سنوات وان ابنته قد بلغت الان سن الزواج وهو لم يفاتحهم بشئ منذ وفاة والده وقد حان الوقت ليوضح لهم ان كان يرغب في الزواج من نورا ام لا، فقد تقدم للزواج منها اكثر من خطيب وفي كل مرة كان الرد انها مخطوبة لابن عمها

قال عمه انا لا اريد مضايقتك ابنتي خطابها كثر اذا لم تكن ترغب في الزواج منها لا مشكلة اردت فقط تذكيرك لأن المرحوم والدك هو اخي الاكبر وكان لي بمثابة الوالد كما تعلم ان والدنا جدك مات مبكرا، لذلك لم اشأ تزويج البنت دون مشاورتك فاغضب اخي في موته .

قال النور هل يمكن ان تمهلني بضع ايام لاقرر ماذا افعل، لكن عمه قاطعه اريد قرارا الان .

شعر ان عمه قد خدعه رغم انه تذكر ان والده قال له قبل سنوات ستتزوج من ابنة عمك حين تكبر، فرح وقتها حتي انه ذهب ليبحث عنها وجدها تلعب الاريكا مع فتيات القرية وهن يراقبن اغنامهن ترعي بقايا حقول القمح، حين رأته قادما من علي البعد توقفت علي مبعدة من رفيقاتها كانت لاتزال صغيرة السن لكن كان من الممكن التنبؤ بجمالها الاخذ في التفتح رغم ثيابها القذرة وشعرها الذي اختفي لونه الحقيقي بسبب التراب الكثيف الذي كان يغطيه اقتربت منه ، كان يقف بارتباك رغم انه كان يكبرها بسنوات الا انها بدت اكبر منه سنا واكثر ثباتا وخبرة وهي تقترب منه



قالت له

ماذا تفعل هنا في مثل هذا الوقت؟

اشار الي الشمس الغارقة في اديم الصحراء وقال مستوحيا شاعرية مدرسية

أتأمل الغروب

نظرت باتجاه نظراته وللمرة الاولي في حياتها رأت الشمس الغارقة في متاهة الابد .

رأيا معا الخيوط الاخيرة للمغيب الافل تتسرب بين افرع اشجار السنط الجافة في صخب ا لعصافير فشعرا بقدر مشترك يربط مصيرهما مع خيوط العتمة الزاحفة .

غرقا في المشهد معا حتي شعرا بعاصفة رقيقة تهز المشهد من امامهما حتي بدأت امواج الاشعة الذهبي تتلاطم من حولهما قبل ينتبها فجأة للنغم العاصف الذي كان يعزفه علي الة الطمبور فتي صغير اسمه نور الدين .

انتبهت نورا الي ان الوقت ازف لتعود لجمع اغنامها وقالت له بلهجة امرة : عد لتذاكر دروسك .

لا ينكر انه احبها لكنه سافر بعد ذلك ودرس في جامعة الخرطوم، شارك في منتديات شعرية وليالي سياسية، ووقع في الحب عدة مرات لكن ذكري ذلك الغروب الذي جعلته نغمات الطمبور خالدا في ذاكرته ظلت تؤرقه عدة سنوات دون ان يحد تفسيرا للارق الذي سببته له تلك الواقعة رغم انها لم تؤسس في دواخله سوي شعور مبهم بمصير مشترك دون ان يلاحظ ان قلقه تجاه تلك الواقعة كان ناجما من يقين في ولاعيه ان ذلك اللقاء الذي اكتنفته البراءة اعطي اشارة لبدء رحلة موته .

قال وهويتأمل عزيزة الاعرابية تنزل حاجياتها من فوق رأسها وتستعد لقراءة حظه

انتهي الزمن الاصلي، لم تفهم عزيزة قوله وطلبت كوبا من القهوة، ذهبت اخته فاطمة لتعد القهوة فيما اسلم هو كل حواسه للاعرابية التي القت ودعاتها امام الخطوط التي رسمها علي الارض ، للوهلة الاولي اتخذت حبات الودع بمجرد ان جمعتها عزيزة الاعرابية والقتها ارضا شكل شجرة التين الشوكي: اشارة الموت، لبثت الاعرابية للحظة وقد بدا عليها ارتباك حاولت استدراكه حينما مدت يديها لتجمع حبات الودع ، اوقفها النور بيده .

قال : يوجد هنا شخص ميت،

دهشت لا من صدق قراءته لاتجاه الحظ بل لأنه كان يتحدث بنفس لسانها، ما لا افهمه قال :الي ماذا يشير هذا السياج المائي الذي تغمره اشجارالنخيل ، قالت عزيزة الاعرابية وهي تتحدث بنفس مستوي صوته : انه عرس ، في تلك اللحظة انتبه النور الي انه لم يكن غارقا مع نورا الاعرابية في توارد مشترك للخواطر بل انه كان يصف الحلم الذي راه في الليلة السابقة والذي جسدته حبات الودع، ولم يتبق له من شك بعد ان اشارت عزيزة الاعرابية الي الضوء الغاطس في الماء مظللا بحبات ضوء مائية حواف جريد النخيل الكثيف .

انه اشارة لغروب ناء في الذكرة .

تناقلت مجالس القرية الخبر : ان النور خائف من الاقدام علي الزواج من بنت عمه بسبب رؤيا رأي فيها مشهد موته ليلة زفافه، كان النور قد وصل الي البيت للتو من المدينة التي قصدها بحثا عن قرض لتمويل مشروعه الزراعي الصغير استعدادا لموسم الدميرة، حين سمع صوت طرقات علي الباب، وجد عمه واقفا دعاه للدخول لكن عمه رفض الجلوس تعلل بان معه ضيفا في البيت ولا يستطيع تركه لوحده فترة طويلة،

قال : هل هذا الذي يقال في القرية صحيح ؟ وسأل النور : وماذا يقال في القرية؟

قال عمه يقال انك تماطل في تحديد ميعاد الزواج لأنك تخشي الموت ليلة زواجك !

اطرق النور قليلا وقال

هذا لم يحدث .

فقال عمه لكنك اتفقت معي ان يتم الزواج هذا العام قبل موسم الدميرة .

صمت النور لبرهة قبل ان يعلن :

الوقت ضيق كما تري يا عمي وهذا الموسم اول موسم لي وهناك مشاكل كثيرة كما تعلم،

عموما قال عمه ارجو ان نسمع منك موعدا نهائيا قريبا .

النور قضي عدة ايام قلقا، بقي اسيرا للذنب: انه بالفعل كان خائفا من شئ ما ، انه حتي لم يحاول ان يلتقي بنورا ،

هل هو خائف بالفعل من الموت، سبق له ان نجا منه عدة مرات، ضربه رجال الامن ذات مرة شارك فيها في مظاهرة في الجامعة، فقد الوعي وبقي طريح المستشفي عدة اسابيع حتي استيقظ علي مشهد فاطمة شقيقته جالسة تبكي بجانبه منذ ان حضرت بعد سماعها خبر مرضه، وقبل عامين حين قرر الاقامة بصورة دائمة في القرية تاركا حياة الخرطوم التي الفها طوال سنوات سئم فجأة حياة الرتابة ، المنتديات الشعرية، ورجال الامن الذين كانوا يتتبعون خطاه.

في اول ايام وصوله للقرية وبمناسبة عيد الفطر المبارك شارك مع بعض الاصدقاء الذين ساعدوه علي مقاومة انهيار الشعور بالوحدة في ايام القيظ بزياراتهم له ولعب الورق معه، شارك معهم في رحلة نهرية كادت تنتهي بمأساة فالزمان كان شتاء في شهر امشير ورغم الامواج العالية الا انهم اصروا علي عبور نهر النيل بقارب صغير لصيد السمك للدخول الي جزيرة صغيرة في عمق النهر الذي كان ينتفض بسبب الرياح، وفجأة وفي خضم الامواج اتت موجة عاتية مسحت القارب من تحت اقدامهم، كان موتا محققا فالامواج لم تكن لتتيح حتي لاولئك الذين يجيدون السباحة من عمل اية شئ، النور كان اول من لاحظ في لحظة الهلع انه كان يقف علي الارض رغم ان الماء وصل الي عنقه، صرخ في رفاقه ليتوقفوا حتي انقذتهم مركب كبيرة كانت تمر من المكان .

كانت شقيقته فاطمة قد اعدت له العشاء حينما قرر فجأة ان يخرج، ترجته فاطمة الا يخرج، لم يفهم لماذا كانت فاطمة قلقة، فقد كانت تلك المرة الاولي التي تطلب منه الا يخرج، عرف انها تستشعر خطرا ما، فاطمة كانت اكبر منه بعامين ورغم ذلك كانت تعامله مثل امه، وكانت دائما تقول ان امها قبل وفاتها اوصتها ان تهتم بالنور، كان النور يمثل لها كل حياتها لذلك رفضت ان تعيش في بيت زوجها الذي يعمل في السعودية وفضلت ان تعيش مع شقيقها في البيت الذي يذكرها في كل صباح بتلك الايام الغابرة الطيبة .

قال لشقيقته : سأعود بمجرد ان يفيض النهر يا فاطمة

وقالت فاطمة يقولون انه بسبب الجفاف ستمضي عدة سنوات قبل ان يفيض النهر مرة اخري .

عندها انتبها الي انهما كانا يكرران نفس عبارات رسائلهما ايام دراسته في الخرطوم،

وجد عمه يصلي العشاء، كان هناك مصباح صغير يضئ المكان وقد تجمع البعوض فوقه

انتظر حتي اكمل صلاته قبل ان يبادره

اريد عمل الزفاف يوم الخميس القادم

كان اليوم يوم الجمعة والوقت يبدو ضيقا، لكنه رفض محاولات عمه ، اعلن

اريد ان افرغ من هذا الامر قبل ان يداهمنا موسم الشتاء

قال عمه : عمتك السرة في بورسودان وقد وعدناها ان نبلغها قبل وقت كاف لتتمكن من الحضور.

قال النور : بقي اسبوع وهو كاف لحضورها ان كانت تريد الحضور

وابناء عمك في الخرطوم وخالتك في سنار كلهم يجب ان نبلغهم . امام اصرار النور وافق عمه في النهاية.

النور شعر بأنه كان يطفوخارجا وانه كان اسيرا في تلك اللحظة لنغم غابركان يتدفق في ذاكرته في صورة اعصار استوائي .

في الخارج وجد العالم غارقا في ضوضاء الفضة كان ضوء القمر الكامل يضيئ الاحراش والبيوت التي بدت له كأنها في حلم شعر بنفسه يغوص في ضوء القمر في الصمت المشبع بندي الحقول التي ارتوت بماء النيل الذي غمر الجروف، ورأي اشجار النخيل الغارقة في مياه النهر فعرف انه كان يستعيد حلمه كاملا من حوله وانه كان يري جزءا من الحقيقة التي دنا زمانها، وان فاطمة الغارقة في انتظاره قد بدأت لحظة ان حاولت منعه من الخروج من البيت في طقوس الحداد عليه والتي ستستغرق عمرها كله .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1076

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة