المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الهزيمة
الهزيمة
07-09-2011 05:47 PM

الهزيمة

د. حسن بشير محمد نور
[email protected]


وانفصل الجنوب الي دولة مستقلة كاملة السيادة. يعتبر ما تم في يوم 9 يوليو 2011م وكل ما مهد إليه من أحداث واتفاقيات هزيمة ماحقة لقوي الوحدة، التي هي في نفس الوقت قوي السلام والحرية والديمقراطية، قوي الخير والتعايش بين أبناء الوطن الواحد بأعراقهم وأديانهم وثقافاتهم المختلفة. في نفس الوقت فان الانفصال يعتبر انتصارا للضد. انه انتصار قوي الحرب والكراهية والعنصرية.بالرغم من القناعة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أن شعب جنوب السودان جزء من مكونات الشعب السوداني، كما هو الحال مع الغرب والشرق والشمال والنيل الأزرق وجبال النوبه وغيرها. العزاء هو ان الانفصال كان خيار الجنوبيين بعد ان عجز دعاة الوحدة في فرض خياراتهم وفي ظل اليأس والعجز وبانتهاء أمد اتفاقيات السلام الشامل كان الانفصال هو الخيار الأمثل، إذ أن أي خيار آخر في ظل الأوضاع القائمة في سودان اليوم يعتبر اشد سؤ من الانفصال. كان الانفصال تتويجا لسنين متطاولة من الحرب والمظالم وتغييب التنمية الي درجة جعلت الجنوب يفتقر لأبسط مقومات الحياة الآمنة وهو البلد الذي يتمتع باخصب الأراضي علي وجه الأرض ولديه أعزب المياه والكثير من الثروات الطبيعية مع جمال وبهاء الطبيعة الخلابة. إلا أن كل تلك الثروات والجمال تحولت الي فقر وأمراض وموت. ما الفائدة إذن من ألوحدة في هكذا ظروف؟. كون الذي حدث هزيمة لقوي الوحدة يجب ان يكون حقيقة يتم الاعتراف بها والعمل علي تغيير الواقع الذي أدي إليها.
يمكن تجاوز الهزيمة إذا آمكن إرساء قواعد السلام والتعاون وحسن الجوار بين الدولتين. إذا استطاعت القوي المهزومة لملمت أطرافها وشن هجوم مضاد يحقق الديمقراطية والحرية والتنمية. في هذا الوضع سيصبح للسودانيين دولتين بدلا عن دولة واحدة. يمتد التعاون لتترابط الحدود المتداخلة الي ان ينسي الناس بدايتها ونهايتها، ستسير الدولتان في الاتجاه الذي يسير فيه العالم اتجاه التوحد والتعاون والتكامل.
لن يكون الطريق سهلا او معبدا نحو أي من الأهداف المنشودة. ان ما دعي إلي الانفصال سيدعو الي الاختلاف والتناحر والنزاع. الانتصار علي هذا الواقع يتطلب الكثير من الجهد والعزم ولجم قوي التطرف والفتن علي طرفي الحدود. سيكون الجنوب جاذبا للسلبي والايجابي للشمال وبالتالي علي حكومة السودان المتبقي بعد الانفصال اختيار ما تر يد الاستثمار فيه، الحرب او السلام. الجنوب دولة خام تفتقر لأبسط مقومات الدولة الحديثة. إلا أن هذه الحقيقة يجب أن لا تقود الي وهم، أن الجنوب سيصبح لقمة سائغة يمكن التهامها ببساطة؟ هناك الكثير من دول العالم وقواه المتنفذة مستعدة للاستثمار في الجنوب. سرعة القرارات الأممية فيما يتعلق بالدولة الجديدة وإجازة مجلس الأمن (بالإجماع) لقوات حفظ السلام في الدولة الوليدة وتسابق دول العالم في الاعتراف بها تعطي مؤشرات جيدة لما يمكن ان يحدث في المستقبل. سيتم تبني الدولة الجديدة ودعمها لتحقيق العديد من الأهداف الاقتصادية والسياسية وذات البعد الاستراتيجي الأمني. لن يفوت احد هذه الغنيمة. قبل ان تتشكل القوي السياسية والاجتماعية الفاعلة التي يمكن ان تحدد مستقبل الجنوب ستجري الكثير من المياه وستخلط العديد من الأوراق وستمارس لعبة للأمم، الرجاء أن لا نكون من المتفرجين علي ما يحدث لنا كالمخدر موضعيا في غرفة العمليات.
من المفترض ان يفتح استقلال الجنوب عيون الجميع لتنظر بوضوح لما ينفع هذا الوطن ويضمن له مستقبلا مشرقا، هناك الكثير من المشاكل التي تنتظر الحل ويشكل انفصال الجنوب حافزا لآخرين ليقودوا دعوات يمكن ان تعمق الهزيمة وتزيد من تمزق الوطن. في هذا المنعطف التاريخي، الجميع يتحمل المسئولية ويصبح الفيصل هو (العمل) من اجل المحافظة علي وحدة ما تبقي من وطن، وهذا لن يحدث الا بتحول شامل نحو قيم السلام، التنمية ، ذات الأبعاد والشروط الوثيقة بقيم الحرية والديمقراطية والمساواة، قيم المشاركة وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن دون تمييز. لا يعتبر الوصول الي تلك الغايات يسيرا، اذ يصطدم بعقبات خطيرة وبقوي مضادة قوية منظمة لا مصلحة لها في مثل هذا التغيير الذي سيسلبها امتيازاتها ونفوذها القائم علي كل ما هو مضاد للقيم المنشودة. إن الهزيمة في حد ذاتها لا تعتبر عارا او نهاية التاريخ، إنما العيب في الاستسلام والركون الي الخيارات العاجزة الخائبة التي ستقود الي مزيد من التمزق وضياع الفرص في طريق البحث عن مستقبل أفضل. فليكن انفصال الجنوب بداية لعودة الوعي إلي قوي الوحدة والسلام والديمقراطية، أينما وجدت في مكونات الشعب السوداني المختلفة المتنوعة الخلاقة، عسي أن لا يفقد هذا الشعب القدرة علي الإبداع وابتكار الوسائل التي تحقق آماله وطموحاته في حياة كريمة وان تمسح الم الهزيمة التي جسدها انفصال جزء عزيز وأصيل من هذا الوطن، وان يكون انفصال الجنوب هو اخر جرح دامي أوطعنة عميقة في جسد الوطن، الكرام أهله، السودان.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1067

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة