ناصر خانه .. صراخ الواقع وبلاغة الرمز
ناصر خانه .. صراخ الواقع وبلاغة الرمز


06-09-2013 08:53 AM



الذات عند الفنان العراقي ليست هما إنسانيا فرديا يتجسد بل هي مجموعة هموم متراكمة وحركات تعبر وتكشف عن اعماق المضمون.




بقلم: محسن الذهبي

هذا أنا... وجد أنت

بمبادرة من أصدقاء ومحبي الفنان التشكيلي العراقي ناصر حسن خانه، افتتح بالعاصمة السويدية ستوكهولهم وعلى قاعة الراحل كاظم حيدر في فضاء المركز الثقافي العراقي بالسويد، المعرض الثاني للفنان العراقي تحت عنوان افتراضي (جد عنوان لهذا المعرض) لان المعرض هو مجموعة من اللوحات التخطيطية التساؤلية ومن مراحل ابداعية متعدده يجمعها هم واحد هو الانسان بكل همومه.

فالفنان يتخذ من التخطيط دراسة لما استوعبه من معنى النحت ملهمه الاول الذي تعلمه بشغف من أساتذته الرعيل الاول من مبدعي الرسم والنحت في العراق، فتجربته هي امتداد منطقي لتجارب جيل الرواد التي تؤكد على ضرورة الاعتماد على قيم الواقعية وتغليفها بالرمز لتأسيس أسلوب يتناسب ورؤية الفنان.

في أعمال ناصر خانه لا بد أن تكون في مواجهة ذاتك لاستيعاب التأزم الذاتي للتعبير عن الهم العام فهو يحاول أن يرسم صورة الخلاص متجسدة بخطوط فيضعنا أمام الرمز وجها لوجه دون مواربة نستطلع همومه دون إفصاح قهري او مبسط لثيم العمل الفني الذي يحاول طرحه، بل هو بفنه طارح كبير للأسئلة ويترك للمتلقي الاجابة.

فالذات عنده ومن خلال ابداعه ليست هما إنسانيا فرديا يتجسد بل هي مجموعة هموم متراكمة وحركات تعبر وتكشف عن اعماق المضمون، لا تفهم الا من خلال الرمز، والرمز هنا وليد الواقع بمكوناته الذاتية كمفردة منتقاة بحس فني تحوي دلالات ذات سمات اجتماعية تختلط مع بعضها، لكن عمل الفنان في المحصلة يشكل وحدة إبداعية متفردة في دلالات الإبداع الرمزي المنحازة بشكل ظاهر للهم الفردي والمعبره عن الهم الجمعي، وهنا لا بد أن نقف عند حدود الخصوصية لمعاناة الفنان الذاتية كجزء من حالة عامة إنسانية تعاني.

فالرمز عند الفنان ناصر خانه، غاية للوصول الى حالة إنسانية، وما الفنان هنا الا واسطه للتعبير لذا نرى شحنات الإبداع لديه تتكاثف بشكل قصدي بطرح هموم الانسان وبمختلف أشكال معاناته فهو يطرح الفرد كممثل للمجموع.

ان التعمق في تقصي دواخل المعاناة الذاتية للفرد يوصلنا الى حالة فحوى الاستلاب ولكن من خلال رؤية جمالية حركية تجسد تلك الذات المأزومة في واقعها اليومي ببعد لا يدخر الرمز فيها عن الافصاح الصارخ أحيانا.

إنه يستقي إبداعه من واقع يحوله الى رموز وثيم، قد يلفها بعض الغموض لكن يفضحها بكشف تلك العلاقة عبر أسطرة شخوصه واعطائها بُعدا عموميا لكنها في الواقع تعبير عن البسيط وربما المهمل أحيانا في معاناتنا اليومية.

فهو يتحرر من وثوقية المنطق التصويري ويحيلها الى رموز تحليلية واشكال تركيبية مع توفير شرط المعرفية، فيكون الموضوع لديه واقعا يستند الى دلالة ومعنى. فالعقل الابداعي للفنان يهتم بربط علاقة الجمال بالحالة الانسانية ويكون الجسد البشري في اغلب اعماله هو الوسيط الناقل والمعبر لنقل المفاهيم الحسية الى مفاهيم حدسية عقلية تختزل المعاناة الفردية وتعممها في نظر المتلقي بغية استيعاب تلك القصدية الموضوعية والتي تجسد كما نرى تجربة شخصية لذات الفنان اشتغل عليها بتكرار متعدد الوجوه ويتضح ذلك جليا في ثلاث مستويات مختلفة: اولها - الغوص بالتجربة الذاتية وتغليفها بغموض متعمد أحيانا وعفوي في أحيان اخرى لتصوير ما يشعر به من معاناة.

والثاني - هو روح القلق الابداعي المجسد لتلك الانفعالات الحادة، والثالث - تحميل الهم الذاتي تعبير جمعي رمزي يمتد لتناول جوانب الوجود الانساني عموما غير محدد بزمن او مرحلة معينه. فهو يجمع بين ملكات الذهن الانساني وتخيلاته الصورية بتراكيب متعدده تمثل زمنا لحظويا قد مر او قد يمر في تآلف واضح بين الوعي والواقع المعاش لتجسيد تلك الهموم والانفعالات مع منح الخيال نضجا أنطولوجيا لبلورة وحدة التأليف في شكل اللوحة ومكوناتها، فهو تأليف منطقي يجمع بين صورة الواقع وملكات العقل الذي يشذ نحو الخيال لتخلص الصورة. ان الخيال هنا وفي اعمال الفنان يصبح حدثا يسهم في انارة الطريق امام عين المتلقي.

نعم لا ننكر على الفنان أن يلوذ أحيانا بأسطرة الواقع كي يجسد الهم العام لكنه في المحصلة يكون إبداعه هما ذاتيا، لكل متلقي، وهنا يتحد العام بالخاص لنقل صورة الواقع. فقيم الواقعية ضرورة لالتزامه بالاسس العلمية لبناء العمل الفني مثلما يعتني بالاسس الفكرية.

قد يؤخذ عليه كمية الرعب المتراكم والمضمر في لوحاته والذي يقرأ كسوداوية أحيانا لكننا نفسر ذلك بمحاولة الصدق الابداعي لنقل حقيقي لواقع معاش وليس حلم فنان. لذا تكون أعماله تعبيرا صادقا عن حلم جمعي يجمعه في فرد، وبتعبير أكثر دقة أن أعمال ناصر خانه هي: هموم جمعية تتجسد بالفردية.

وهنا ينجح الفنان بشكل مهم في تجسيد العلاقة بين الجمعي والذاتي، فهو لا يصور حركة المجتمع بشكل فج بل يركز على الدلالة الانسانية ببعدها الجمالي، فقيمة الجمال عنده عامة مطلقة وليست مأساوية سوداء. فهو لا يبالغ في التصوير بل يراكم كي يدرك عمق المقصد، ذلك لان البعد الجمالي عنده هو ما يرتبط بالمضمون وليس الشكل فقط. هو المهموم بكل ما يحيط به تجده يكثر من التفاصيل كي يشبع رغبته بالتعبير عن المعنى، يبحث في مرويات الخلود وينحاز للمثيولوجيا التي يستلهم منها كل الثيم. ليهرب بنا الى المفترض بحذق إبداعي ويعيد أحلام الماضي المتوارث بروحه بعناد مجنون يناطح الواقع بكل إباء، إنه مشغول بالبحث عن معرفة العارف ويجول بخواطر المتصوفة كي يوقظ النائم في ذاكرتنا.

فـ ناصر خانه باختصار يجعل الانسان/الجسد مركز اهتمامه ويستدرج أحيانا التاريخ في روحه للوقوف ضد القهر. وهنا تلتحم دلالة الخبرة التاريخية بهموم الواقع ليصور بإدهاش فكرة الصراع كرمز مرادف لحركة التاريخ ورمز لها في ذات الوقت، وعبر تلك الدلالات يسحب الثيم الشكلية لتعميق فهم الحاضر، أي أنه يقوم بعملية بحث لاختراع مفردة تشكيلية توسع من امتداد الرمز. وتلك قمة الغوص في استخراج مدلولات للتعريف بالواقع فهو لا يلغي قدمية الرمز بل يحمله أفق مستقبلية لان التاريخ متحف مفتوح يرتوي كل من يرد شواطئه.

وﺒﻨﻭﻉ خاص ﻤﻥ ﺍﻟﺘﺄﻟﻕ ﻓي ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ، رسم ملامح ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻨﺎﻫﻴﻙ ﻋﻥ ﺘﺄﻟﻕ في أظهار قوة ﺍﻟﻅل ﻭﺍﻟﻨﻭﺭ ﻭﺍﺤﻜﺎﻡ البناء ﺍﻟﻔﻨي ﻭﺍﻟﺘﻘﻨي ﺒﺤﺎﻟﺔ ﻤـﻥ ﺍﻟﺘـﻭﺍﺯﻥ ﺍﻟﻤﺤﺴﻭﺏ ﻭﺍﻟﻤﺤﺴﻭﻡ ﻓي ﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤل ﺍﻟﻔﻨي فرﻏﻡ ﺍﻟﻤﺴﺤﺔ ﺍﻟحكائية ﺍﻟﺘي ﺘختص ﺒﻬﺎ مجمل لوحات الفنان، ﺍﻻ ﺍنها تبقى قابضة على ﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻜﻼﺴﻴﻜﻴﺔ بكل قوة، وقد يعود ذلك لذهنية المعلم في روح الفنان فـ ناصر خانه التصق بالتدريس في معاهد الفنون، وكان له دور مميز في محاولة بناء أجيال جديدة من الفنانين الشباب وتلك المهمة النبيلة جعلته يعيش الفن حياة ودرسا.

محسن الذهبي ـ ناقد تشكيلي عراقي - مانشستر
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1280


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة