الأخبار
منوعات
ارشيف الرياضة، العلوم، التكنلولوجيا والصحة، والثقافة والفنون
ثقافة وفنون
‘هيتشكوك’ ساشا جيرفاسي (1 ـ 2) احتفاء بصاحب ‘سايكو’ جماليا ومعرفيا
‘هيتشكوك’ ساشا جيرفاسي (1 ـ 2) احتفاء بصاحب ‘سايكو’ جماليا ومعرفيا
‘هيتشكوك’ ساشا جيرفاسي (1 ـ 2) احتفاء بصاحب ‘سايكو’ جماليا ومعرفيا


06-19-2013 09:12 AM

عبداللطيف عدنان


عودة هيتشكوك إلى الشاشة الفضية عبر فيلم هيتشكوك للمخرج الإنكليزي ساشا جيرفاسي هي مبدئيا حضور هيتشكوك في سينما الألفية الثانية بكل التراكم الكمي والنوعي الذي يشكله اسمه في السينماتوغرافيا قبل السينما، وفي النقد والنظرية قبل المشاهدة والفرجة. عودة لا يمكن أن تكون إلا حبلى بالعديد والمتنوع من الانتظارات.
منها ما هو رهين بالسينما، سواء هذه التي تحتفي برجالاتها، أو هذه التي تقترح تأملا جديدا لإنجازاتهم، ومنها ما هو رهان للمتلقي، سواء هذا الذي اقترن عنده اسم هيتشكوك بالقدرة على المفاجأة السينمائية أو هذا المتخم بالدراسات والمقاربات التي أحاطت بالمؤلف السينمائي من خلال العديد من المباحث وعبر العديد من المناهج. فحين يظل هيتشكوك في المرجعية السينمائية رؤية ورؤيا تتداخل فيها ذات المؤلف مع موضوع السينما كخطاب، فعودته لامحالة تقترح نظرة معينة تحيط بواقع سينمائي جديد بدأت ملامحه تتشكل منذ بداية الألفية الثانية. نوعية فيلم ‘هيتشكوك’ داخل المتن السينمائي باختياره النصي ورهانات الظرفية التي أنتج فيها تجعل مقاربته، في نظرنا وحسب اجتهادنا، تتجه نحو المتلقي السينمائي في واقع السينما الجديد. ألفريد هيتشكوك يعبر عبر ساشا جيرفاسي إلى السينما في عصر التقنيات المعولمة التي فرضت شروطها على الإبداع والتلقي السينمائي سواء بسواء. مثل نص ‘مكتبة بابل’ الذي حاور فيه بورخيس واقع القراءة في عصر الأنترنيت، حاورت سينما هيتشكوك بدورها واقع المشاهدة واستهلاك السينما في عصر تنوعت وتعددت فيه وسائط نقل السينما بشكل مخيف وأصبحت فيه صناعة السينما أكثر قربا من دوائر الذات والفرد منها إلى قلاع الصناعة والمؤسسة.

المشاهدة السينمائية: بين السينيفيليا والسينماتولوجيا

يتميز رجوع هيتشكوك للشاشة الفضية بكونه يصادف ظرفية تاريخية تعيش فيها السينما واقع مفارقات عدة ومتنوعة. تتجلى هذه المفارقات في بدء هذه الحالة الشيزوفرينية للسينما اللإابداعية. فهذه السينما تختفي عن الشاشة الكبرى كمجالها الحيوي والطبيعي وتظهر بتجل عبر الوسائط التي كانت، إلى أمس قريب، تهدد كيانها كفن وتعبير. لا يخفى على مهتم أن واقع السينما المتميزة اليوم هو شبه غيابها المطلق عن قاعات العرض الجماهيرية. مظاهر هذا الغياب هي ولادة هذه السينما في المهرجان كالمناسبة الأمثل للاحتفاء، والحضور المحتشم في بعض دور العرض الخاصة والانتقائية التي تراودها نخبة من عشاق السينما، وغالبا ما تكون على مستوى لابأس به من الحساسية والثقافة السينمائية، ثم الاختفاء إلى أن تعاود الظهور عبر الأقراص الرقمية المدمجة DVD أصبح الطريق الطبيعي لسينما الفن اليوم، أو السينما الثقافية أو الأقلية وما شابه ذلك من مسميات، يبدأ في المهرجان في اتجاه واحد هو متحف الفنون الكلاسيكية والمعاصرة ومنه إلى أقراص DVD .هذه المسافة المقتضبة جعلت من التميز، الفني والجمالي والتجريبي، في السينما طموحا ضمنيا نحو خلود أزلي لا يتحقق في قاعات العرض الشعبية وإنما في المشاهدات الخاصة مع شريحة تشارك نفس الاهتمام. أصبح الفيلم الفني بشكل من الأشكال ‘تحفة’ تعرض وتقتنى. وكأي تحفة، يمنح الفيلم الفني نفسه كمشروع لقراءة ودراسة وتمعن وتأمل يخرجه عن السياق الظرفي الآني ويدخله في السياق التاريخي.
الوجه الاخر لهذه المفارقة، ونجده أكثر ارتباطا بهيتشكوك الذي اقترن اسمه بمبحث السينما والتحليل النفسي من داخل ازدواجية الدال والمدلول، فهو المخرج الذي قدم متنه عينات تعبيرية في هذا الحيز، ويعود إلى السينما في هذه الظرفية التي أصبح فيها مفهوم الجهاز السينمائي Cinema Apparatus، هذه الإضافة الإبستيمولوجية التي اهدتها السينما لميدان التحليل النفسي، يأخذ طابعا أبعد من الذي ارتبط به حين كان يعني في، أحادية دلالية، شرط العرض الفيلمي، أو ما اصطلح عليه ريموند بيلور Raymond Bellour بـ dispositif إلى أمس قريب كان الجهاز السينمائي مقرونا بالقاعة والشاشة الكبرى كشرط موضوعي / ذاتي، هو المتحكم الأول في التلقي السينمائي. أخذ الجهاز السينمائي أشكالا جديدة عبر شروط عرض فيلمية استسهلتها وسائط تعيد استنساخ السينما (أو مسخها بشكل مشوه حسب معيارية ما) كشاشات الهواتف المحمولة أو الألواح الرقمية. والمفارقة أن هذه الوسائط، كما أشار ريموند بيلور في حوار مع Cahiers du Cinema -عدد نوفمبر 2012 – تحقق فعل ‘السينما’ أكثر لأن الشروط النفسية التي تحضر في حالة الجهاز السينمائي، هي نفسها وإن كان تختلف عبر معادلة التنوع والدرجة. فوضعية المشاهدة والمتعة الفرجوية تقترب من تلك الناتجة عن الشروط الوضعية للجهاز السينمائي. هذا التنوع في الوسائط يؤكد حقيقة واحدة وهي استمرار السينما كهذا البعد النفسي المرتبط بالرغبة والهاجس أكثر من أي عامل آخر. لا يخفى على مهتم مساهمة هيتشكوك في تبلور السينما كمشروع فن وجهاز بدونه لا يمكن تخيل استمرارها في واقع التهجينات الوسائطية الذي حققته التكنولوجيا المعلوماتية.

تصاحب هذه الرغبة في استهلاك السينما عبر وسائط في توالد مستمر لا يتوانى ‘مشاهد’ الألفية الثانية عن اقتنائها واستعمالها، رغبة موازية على مستوى المشاهد السينيفيلي، وتكمن في الإقبال على الثقافة السينمائية بشكل نظري معرفي، وعملي تطبيقي تنوعت وتخصبت وسائل الحصول عليه يتنوع وتولد الوسائط السينمائية الجديدة. حين تستسهل البرامج الحاسوبية ممارسة منزلية للسينما، (وإن كان في الموضوع ما يحفز على دراسة تتناول فعل السينما والسينما كفعل في واقع الامكانيات الرقمية) فإن أقراص الديفيدي تقدم لهذا المتقلي المنضبط ، إضافة إلى العرض الفيلمي، مواد مصاحبة تدخل في حقل الثقافة السينمائية في شمولياتها وخصوصياتها. هذه الإضافة النوعية جعلت من وسيط التلفزة يعوض الدور المنحط الذي الصق به، حين اقترنت علاقته بالسينما كإعادة إنتاج مبتورة للفيلم، دون الشروط السينمائية، بتدعيم الفيلم بمادة تقربه مبدئيا من التلقي النموذجي الذي تطمح له السينما، والذي يكمن في هذه المشاهدة عن وعي وبوعي سينمائي. حتمية المفارقات التي صاحبت السينما منذ اختراعها وتأسس عليها تطور السينما في تاريخها، تعاود الظهور في هذه العلاقة الجديدة بين السينما وجهاز التلفزة. فوسيط DVD ، المعتمد على شاشة التلفزة كنمط للعرض ينافس إن لم نقل يقضي على وسيط قاعة العرض، هو الذي حط الفيلم في عوالم القراءة التي تطمح لها النظرية السينمائية في عموم مراميها وخصوص أهدافها.

لم تعد الأقراص الرقمية المدمجة تقتصر على العرض وإنما تجاوزته لإرفاقه بمواد إضافية تتنوع من الملحقات المكتوبة إلى المسجلة بالصوت أو الصورة أو الاثنتين معا. وقد ترقى بعض هذه الملحقات في مستواها النقدي والتحليلي إلى هذا الخطاب المشتغل بأدوات ومناهج ظلت محصورة سابقا في الدوائر المختصة وأقسام الدراسات السينمائية الجامعية. أصبح عاشق السينما الذي يرغب في تحقيق نوع من الإشباع في حديث السينما دقيقا في اختياره لنسخ الأقراص المدمجة. وكما تتنوع درجة وطبيعة الاهتمام بالسينما تتنوع نسخه الفيلم الواحد من مجرد القرص الذي يتضمن الملحق المقتضب عن سيرة المخرج وأعماله وكلمة عن المشتغلين فيه، إلى هذا الذي يتضمن دراسات أكاديمية وحوارات مع مختصين ودارسين لايترددون أحيانا في مقاربة الفيلم بغوص اللغة التفكيكية واستعمال المفاهيم الاكاديمية الخاصة بحقل الصورة السينماتوغرافية. هذا الطموح النظري للفيلسوف جيل دولوز الذي اقترح مقاربة الفيلم ككتاب وتحويل الفرجة إلى قراءة متمعنة وعملية تفكيكية لم يتحقق في القاعة المظلمة أو في التلقين الفصلي وإنما في حميمية البيت المنزلي.
الإرتقاء إذن من مستوى السينيفيليا إلى السينماتولوجيا، وانحصر هنا في السياق الأنغلوسكسوني، صار ممكنا باقتناءه نسخ الأقراص الفيلمية التي تنتجها دور إنتاج كـ كرايتيريون كوليكشون The Criterion Collection أو أونفيرسال لغاسي سيريز Universal Legacy Series .
توسعت رقعة الاستهلاك السينمائي عبر نسخ الأقراص الفيلمية المدمجة DVD لتحقق طموح السينما التقدمي كجهاز تعتمده السياسة الثقافية الإشعاعية. في الوقت نفسه أصبحت القراءة الفيلمية واقعا عينيا عبر هذه الملحقات المرافقة، التي تتنافس في التغذية والتنقيح بكل ما يحيط العمل السينمائي من مباحث إنسانية. كنتيجة لهذا الوضع، أصبح بإمكان المشاهد السينيفيلي أن يحقق كذلك طموح المتلقي السينامتولوجي، دون عناء المحاضرات الجامعية في السينما وتكلفتها المستنزفة ماديا وزمنيا وفكريا.
في هذا السياق، تناولت الباحثة أليسون تروب Alison Trope، في دراسة عنونتها بإشارة واضحة لواقع الإستهلاك السينمائي الجديد، عتبة على معهد السينما: بين التسلية المنزلية والتربية المنزلية، هذا التحدي الجديد أمام الدراسات الأكاديمية السينمائية في واقع الإستهلاك المنزلي، بسبب هذه النقلة النوعية التي تحققت للسينما عبر وسيط الأقراص الرقمية المدمجة. أخلصت الباحثة إلى كون القرص الرقمي المدمج صار يعني إمكانية غنية لاستمرار السينما كفعل من داخل عزلة وحميمية الدفء المنزلي، أو جو الفصل المدرسي. كما صارت عبارة الفيلم السينمائي ترادف ما يحتويه القرص في ملحقاته للعرض من مقاربات نقدية، وأصبح اقتناء نسخة الفيلم مرتبطا باسم المخرج وأسماء المشتغلين في الحقل مباشرة وشهرتهم من داخل اختصاصهم في الدرس السينمائي. بعيدا عن الصنمية والرطانة الأكاديمية العقيمة في كثير من الأحيان، فتح وسيط القرص المختص، من الأنماط التي أشرنا إليها أعلاه، لعاشق السينما هذا الأفق المثالي لتحقيق السينماتولوجيا إضافة إلى إشباع السينيفيليا.
عودة هيتشكوك للسينما تحاور هذه الظرفية الجديدة للتلقي الفيلمي بكل مفارقاتها التي تنصب في اتجاه واحد وهو استمرارية السينما كجمالية وتعبيرية بالاضافة إلى ترسيخها كمعرفة. لا يخفى على متتبع أن هيتشكوك كان فعليا ورمزيا من عبّد الطريق لهذا التحول النوعي في التلقي السينمائي في أوجهه العديدة والمتعددة. فإليه ترجع المبادرة الفعلية في إدخال السينما بميزتها الخطابية، وابجديتها التواصلية، إلى التلفزة. فسلسلة هيتشكوك كانت هي العتبة الأولى لدخول السينما إلى التلفزة بشروط تتجاوز الحبكة الفرجوية إلى السينماتوغرافيا والصياغة الفيلمية. وقد استطاع هيتشكوك شد انتباه أجيال من جمهور التلفزة عبر حبكات حكائية ملغمة تقطع الأنفاس وتسقط وضعية الجمدة السينمائية بطريقة غير مباشرة على حالة المشاهد التلفزي. سلسلة هيتشكوك كانت تقصد رواد السينما أكثر من المشاهد التلفزي الفاتر في اختياراته، وبالتالي انتقلت فعليا عملية المشاهدة التلفزية للفيلم من أجواء المنزل إلى أجواء الجهاز السينمائي.
يمكن أن نجد كذلك في مقدمات هيتشكوك التوضيحية والتحفيزية في عتبات حلقات هذه السلسلة نوعا من توجيه المشاهد نحو القراءة الفيلمية الواعية كالتي تحققت لاحقا مع أقراص Criterion Collection أو Universal Legacy Series. تقليد المشاهدة الواعية عموما له كذلك أصول في السينما الهيتشكوكية التي كانت في أغلبها تنبني على خطاب يقحم المتلقي ويجهزه بأدوات تفيكيكية تساعد في تشفير العناصر الفيلمية وترمي إلى التواصل مع الفيلم بروح نقدية. كان هيتشكوك في رأي جل الدارسين هو المخرج الوحيد الذي يعطي للمشاهد الانطباع بأنه قادر على اقتحام لوغاريتمات الصورة السينمائية واستقراء الفيلم عبر دواله وإشاراته وشبكة رموزه التي استأنس بها من عمل هيتشكوكي لآخر. قد نجد في انطباع الدرس السيميائي في السينما، هذا الذي لقنه هيتشكوك للمتلقي عبر دفعات تحفيزية وبطريقة غير مباشرة، هذه الأرضية التي تأسست عليها صناعة الأقراص المدمجة المرفوقة بالملاحق التثقيفية في السينما.
أمام هذه المعطيات لا يمكن لمشاهد فيلم ساشا جيرفاسي إلا أن يطرح أسئلة عدة حول أسباب ومسببات الاختيار السينمائي للاشتغال على مادة سينمائية مستنفدة في الإعمال المحاكاتي داخل الفن السينمائي وفي النقد وفي المقاربة الأكاديمية كمادة هيتشكوك وسينما هيتشكوك، خصوصا وإن كانت عينة هذه المادة هي الفيلم الرائعة سايكوPsycho الذي شيد مرصد تأمل جديد لفلك السينما، واقترح مقاربات مختلفة تماما عن التي اعتاد عليها النقد السينمائي من قبل، وكان وراء بداية المشوار النقدي لأسماء أصبح لا يمكن تجاوزها في النقد السينمائي كالناقد الإنجليزي رابين وود Robin Wood، ناهيك عن مدارس نقدية برمتها كمدرسة السينماتولوجيا اللاكانية التي كان فيلم سايكو أهم ركائز أرضيتها الإبستيمولوجية.
بفيلم سايكو يعود هيتشكوك كمؤلف، كقصة وكشخصية إلى السينما ويعود معه المشروع النقدي الذي يتحدى ويستفز المتلقي، على الأقل في عدم الاكتفاء بالمشاهدة الأفقية لبيوغرافيا من قبيل ما هو شخصي في حياة المخرج، وما هو ينتمي لعالم السينما داخل الكواليسbehind the scene. ففي مرحلة جديدة تتقاطع فيها الفرجة السينمائية مع الثقافة والدرس الأكاديمي ضرورة أن يستدعي عمل يضم هيتشكوك وما بصم به هيتشكوك تاريخ الفن السابع أكثر من هذه المشاهدة المحصورة في المخرج الإنسان. مجرد حضور هيتشكوك كشخصية فيلمية من جانب المحاكاة، لأنه طالما حضر كشخصية فيلمية تعكس الآلية التأليفية، يقترح تعديلا Adaptation يشمل جوانب النوايا الثلاث التي اقترحها أمبيرتو إيكو في عملية القراءة، والتعديل في الأول والأخير قراءة: نية المؤلف، نية النص، ونية المتلقي. وكما هو معلوم لكل متتبع لهيتشكوك بشكل من الأشكال، لم يغفل هذا العملاق في تاريخ السينما أي جانب من هذه الجوانب.

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1072


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة