الأخبار
منوعات
المشاعر المتضاربة... ازدواجية مذهلة
المشاعر المتضاربة... ازدواجية مذهلة
المشاعر المتضاربة... ازدواجية مذهلة


06-22-2013 01:32 AM
أخبرني عن شعورك تجاه المعلومات التي كشفتها تسريبات وكالة الأمن القومي الأميركية عن عمليات المراقبة التي أجرتها الحكومة. هل تعتقد أن الموظف السابق في الوكالة المسؤول عن التسريبات، إدوارد سنودن، بطل أسدى الشعب خدمةً كبيرة؟ أم تظنه خائنًا لم يلتزم بأهمّ قسم؟ قد لا تواجه صعوبة كبيرة في الإجابة. لكن البعض منا قد يميلون إلى الإجابة بنعم عن كلا السؤالين. فعلى غرار الجزيء الكمي، قد تجد أحيانًا نفسك في موقفين في آن: سنودن خائن وبطل....

نجد أنفسنا مجمدين في الوسط بين جيشين من المؤيدين أو الرافضين المتشددين. نتيجة لذلك، نعجز أحيانًا عن التعبير عن وجهة نظرنا، لأن ما من طريقة مقبولة للإقرار أننا نؤيد طرفين متخاصمين. فلا يمكنك الاقتراع لمرشحَين متنافسَين. ولا تحتوي الاستبانات على خانة {أوافق طرفَي هذه المسألة المتنازع عليها}. لذلك يتفادى مَن يعاني الازدواجية السؤال أو يجيب {لا أعلم}، أو يصرّ أحيانًا على أسنانه ويؤيد أحد الجانبين. هكذا لا تترك ازدواجيتنا أي أثر. إلا أن ذلك لا يعني أنها غير قائمة.
ترتكز الازدواجية على اختبار حالة من المشاعر أو المعتقدات المتناقضة في آن. وتختلف عن اللامبالاة، مع أننا نخلط بينهما أحيانًا. فمن يعاني الازدواجية يفرط في التفكير في المسألة لا يتجاهلها. قد يعرب عن اهتمام كبير بها من دون أن يتمكن من التوصل إلى وجهة نظر متجانسة ومتماسكة بشأنها.
يُظهر الواقع أننا نعاني كلنا الازدواجية في مراحل مختلفة من حياتنا. ولا شك في أنك تفهم ما يعنيه العجز عن التوفيق بين أفكار متضاربة: أن تؤيد الفكرة ونقيضها أو أن تنتابك مشاعر متضاربة. يعتقد ف. سكوت فيتزجيرالد أن الازدواجية هي {القدرة على الجمع بين فكرتين متناقضتين في الذهن في وقت واحد من دون أن نخسر القدرة على العمل بشكل طبيعي}. أما فرويد فاعتبر المشاعر المزدوجة جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة البشرية.
لكن علماء الاجتماع العصريين يجدون صعوبة في تقبّل الازدواجية، فهم يهوون التصنيف ويميلون إلى الافتراض أن الإنسان يؤيد هذا أو ذاك، أنه سعيد أو حزين. نتيجة لذلك، اعتُبرت الازدواجية مجرد خطأ في التقييم. غير أن العلماء بدأوا في الآونة الأخيرة يأخذون مناطقنا الرمادية على محمل الجد.
قدّم فرنك فان هارفلد من مختبر Uncertainty (عدم اليقيم) في جامعة أمستردام إلى عدد من الطلاب الهولنديين معلومات حول قانون عمل مثير للجدل في هولندا. قرأت مجموعة تقريرًا يرفض القانون بشدة، في حين اطلعت مجموعة أخرى على تقرير يتبنى موقفًا محايدًا من القانون ويؤيد رفضه وقبوله بالقوة ذاتها، وهذه الطريقة التقليدية المتبعة عادةً في التجارب لتوليد حالة من الازدواجية.
أُخبر بعد ذلك المشاركون أنه سيُطلب منهم اختيار موقف، وأُعطوا بضع دقائق للتفكير. طوال هذه العملية، كانت أقطاب متصلة برؤوسهم تعمل على قياس رطوبة بشرتهم. فاكتشف فان هارفلد أن الطلاب الذين عانون الازدواجية شعروا بانزعاج كبير عندما اضطروا إلى تحديد وجهة نظرهم. وقد تنامى الانزعاج حين التزموا بوجهة نظر محددة. نتيجة لذلك، تصببوا عرقًا خلال عملية اتخاذ القرار. أوضح فان هارفلد أن الالتزام بموفق محدد في حالة إنسان يعاني الازدواجية مؤلم، حتى لو لم يترتب على قراره أي عواقب. وأضاف: “إن كنت تؤمن بنقيضين في آن وأُرغمت على التخلي عن أحدهما، تشعر بالخسارة”.
أشارت أيريس شنادير، التي تعمل أيضًا في مختبر Uncertainty، إلى أن رموز الازدواجية متأصلة في جسمنا: نقول {من جهة} و{من جهة أخرى}، و{نتأرجح} أو {نشعر أننا ممزقون} قبل {أن نأخذ موقفًا}. اختبرت شنايدر نظريتها التي تقول إن هذه ليست مجرد تعابير رمزية، فقدّمت لعدد من الطلاب مقالَين مختلفين من صحيفة يتناولان سياسة مثيرة للجدل. قرأت المجموعة الأولى وجهة نظر إيجابية عن هذه السياسة، في حين اطلعت المجموعة الثانية على مقال يعرض سلبياتها وإيجابياتها.
طُلب بعد ذلك من المشاركين التفكير في نظرتهم إلى هذه السياسة وهم يقفون على لوح التوازن في لعبة Wii. لاحظت شنادير أن مَن يعانون الازدواجية راحوا يتمايلون من ناحية إلى أخرى أكثر ممن حسموا أمرهم بسرعة. وللافت أن هذا التأثير عمل بطريقة معاكسة أيضًا. ففي تجربة أخرى منفصلة، استخدمت شنايدر هذا اللوح غير المتوازن لتجعل الناس يتحركون من ناحية إلى أخرى أثناء تأملهم مسألة معقّدة، فتبيّن أن احتمال الشعور بالازدواجية كان أعلى بين هذه الفئة، مقارنة بمن وقفوا على سطح ثابت أو كانوا يتحركون صعودًا ونزولاً.

تناقض داخلي

نرغب عادةً في أن تكون أفكارنا ومشاعرنا متناغمة. وعندما يظهر نوع من التناقض الداخلي، نبحث عن سبل للتخلص منه. تشير نظرية التنافر إلى أن الإنسان عندما يشعر بتناقض بين ما يعتقده (يسبب التدخين السرطان) وما يفعله (يدخن)، يبتكر طريقة، وإن لم تكن منطقية، لحلّ هذا التضارب («أدخّن لأبقى على تواصل مع قدراتي الإبداعية»).
لكن الازدواجية لا ترتبط بالتناقض بين السلوك والموقف بقدر ارتباطها بالتناقض بين المواقف. إنها فوضى فكرية تظهر حتى قبل أن تُضطر إلى الالتزام بوجهة نظر. ويمكننا تقبلها من دون أي انزعاج إلى أن نُرغم على اتخاذ قرار. عندئذٍ نطبّق إستراتيجية من ثلاث لتتكيّف مع هذا الشعور المتضارب المزعج: فنؤجل هذه المسألة، متناسين لحظة الالتزام؛ أو نقنع بطريقة ما أنفسنا بأننا نفضّل أحد الجانبين على الآخر، وإن شمل ذلك مقدارًا من خداع الذات وتشويه الأدلة؛ أو نعرب عن حاجتنا إلى ضرورة القيام بأمر مختلف.
عندما عرض فان هارفلد {صورًا مغطاة بالثلوج” (رُسمت بشكل مبهم احتوى بعضها على رسوم وأنماط مخبأة) على مَن يعانون الازدواجية، لاحظ أن احتمال تمييزهم أنماط مخبأة أكبر، حتى لو كانت الصورة خالية منها. كذلك عبّر هؤلاء عن إيمان أكبر بالله. ويلاحظ خبراء العلاقات تفاعلاً مماثلاً يُدعى {الانقسام}: يتأقلم مَن يعانون عادة من درجة مرتفعة من الازدواجية مع مشاعرهم بتبنيهم مشاعر عدائية تجاه طرف ثالث لا دخل له (قد تكون الحماة ضحية بريئة).
تنطبق الازدواجية على مسائل القلب بقدر انطباقها على المعتقدات. بذل جيف لارسن من جامعة تينسي جهدًا كبيرًا ليبرهن أن الإنسان قد تتملكه مشاعر متناقضة، أمر اعتبره زملاؤه في علم النفس صعب التصديق. سأل عدد من مرتادي السينما عن مزاجهم قبل دخولهم لمشاهدة Life Is Beautiful، فيلم عن علاقة أب بابنه وعن المحرقة النازية. أكّد معظمهم أنهم يشعرون بالسعادة، في حين عبّر قليلون عن حزنهم، ربما لأن شريكهم أرغمهم على القدوم لمشاهدة الفيلم. ولكن بعد انتهاء العرض، ذكر 44% منهم أنهم يشعرون بالسعادة والحزن في آن.
أخبرني لارسن أن ازدواجية المشاعر دليل على النضج، فبعد مشاهدة الحورية الصغيرة تتزوج أميرها وتودّع والدها حزينةً، ذكر معظم الفتيات اللواتي يبلغن الحادية عشرة من العمر أنهن اختبرن مشاعر متضاربة. ولكن لم تختبر أي من الفتيات في سن السادسة مشاعر مماثلة. حتى إن أحد الأولاد الصغار دحض فكرة المشاعر المتضاربة، مقدّمًا حجة منطقية قوية: {لا يمكنك أن تحرّك فمك إلى الأعلى والأسفل في آن}.

معتقدات سياسة

يبقى الخطاب السياسي المجال الأبرز الذي تتجلى فيه مشكلتنا مع الازدواجية، مع أن هذا المجال يتجاهل احتمال الازدواجية برمته. فلا تُعتبر المشاكل السياسية الأعمق والأكثر إثارة للجدل صعبة الحل لأن الناس منقسمون حولها فحسب، بل لأنها تولّد في الأشخاص انقسامات داخلية، ما يؤدي إلى تضارب كبير بين معتقداتنا الأساسية. لكن الازدواجية تشكّل المادة السوداء في المناظرات السياسية: فلا تستطيع أدوات القياس العادية التي نستخدمها رصدها.
يسعى السياسيون إلى الظهور بمظهر القوي الواثق من رأيه، في حين يواجه الباحثون صعوبة في رصد الازدواجية بين الناخبين لأنها تُسجَّل كلامبالاة على مقياسهم المؤلف من خمس نقاط. يعتقد ستيفن كريغ، بروفسور متخصص في العلوم السياسية في جامعة فلوريدا له عدد من المقالات عن الازدواجية، أن وجهات نظر الناس في مسألة مثل الإجهاض ليست واضحة بقدر ما تبدو. أخبرني كريغ: {يختبر أناس كثيرون مشاعر متضاربة تجاه هذه المسألة، إلا أن السياسيين والباحثين لا يأخذون هذا الواقع في الاعتبار}.
يقدّم الديمقراطيون والجمهوريون للناس في الولايات المتحدة خيارات متمايزة عقائديًّا، مرغمين الناخبين على الاختيار بين مواقف متناقضة تمامًا. لكن اللافت قلة الأدلة على أن مواقف الناخبين تعكس هذا الانقسام.
تشمل المسائل التي يبدو فيها الناخبون منقسمين جدًّا ازدواجيةً أكبر مما نلاحظه. لنتأمل، مثلاً، في مسألة المثلية الجنسية. كان أميركيون كثيرون ممن يعتقدون أن لكل إنسان الحق في الاقتران بمن يشاء يرفضون زواج مثليي الجنس حتى وقت ليس ببعيد. ولا شك في أن هذا التناقض يخفي وراءه الكثير من الازدواجية. ولكن عندما اتضح الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع بفضل التصريحات التي أدلى بها البيت الأبيض، بلغت المسألة ذروتها ومال الرأي العام نحو القبول بهذا الزواج. ذكر كريغ: {لم يسبق أن رأيت في حياتي الآراء تتبدل بهذه السرعة}. لكن التبدّل لا يعود إلى تخلي الناس عن وجهة نظر محدّدة وتبنيهم أخرى، بل إلى تخلص كثيرين منهم من الازدواجية.
نعيش في مجتمع تكثر فيه الآراء، الخيارات، والمعلومات، ما يؤدي إلى تنامي الازدواجية. ويقدّم كل طرف حججًا مقنعة. فما رأيك في المأكولات السريعة، الطاقة النووية، والموت الرحيم؟ وأي من أصناف معجون الأسنان أفضّل ولماذا؟
ولكن بما أن الازدواجية قلما تُقاس أو تُرصد، نادرًا ما تُقدّر. يُعتبر عدم اليقين ضعفًا، مع أن اليقين يقودنا أحيانًا إلى الحروب والأزمات المالية. ويحوّل موقع {فيسبوك} مشاعرنا الطبيعية إلى نقيضين: فإما تحب شيئًا أو لا تحبه. كذلك تشيد كتب الإدارة بالقرارات الحاسمة، وتحضنا كتب {تحسين الحياة} على أن نكون سعداء، في حين يقف السياسيون مع هذا الطرف أو ذاك. هكذا يعلق مَن يختبرون الازدواجية وسط ثقافة تقدّر الحسم واليقين.
ولكن إن رغبنا في حلّ كثير من مشاكلنا، فعلينا أن نعرب عن احترام أكبر للازدواجية. تخفي القدرة على الازدواجية وراءها عادةً قدرة على الإبداع. حرّكت كريستينا تنغ فونغ، بروفسورة متخصصة في مجال الإدارة في جامعة واشنطن، الازدواجية داخل مجموعة من طلابها بحملهم على الكتابة عن مشاعر معقدة اختبروها في حياتهم. وطلبت منهم بعد ذلك القيام باختبار يُستخدَم عادةً لتقييم القدرة الإبداعية ويقتضي إيجاد صلة بين كلمات غير مترابطة. فتبيّن لها أن مَن شعروا بالازدواجية كانوا أكثر إبداعًا، مقارنة بالآخرين. وهكذا عندما تكون في حالة ذهنية تشعر معها أن الأمور لا تندرج ضمن فئاتها التقليدية، تزداد فرص توصلك إلى احتمالات جديدة.
ألم يحن الوقت لندافع عن الازدواجية كنموذج ضروري وبالغ الأهمية يتيح لنا فهم العالم؟ أو لعل هذه فكرة سيئة.

الجريدة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1226


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة