الأخبار
منوعات
الكافيين... يعيق الإبداع!
الكافيين... يعيق الإبداع!
الكافيين... يعيق الإبداع!


06-22-2013 01:35 AM
لا تزال روايات أونوريه دي بلزاك ومسرحياته حية، لكن بدأ العلم المعاصر يعارض رأيه القائل إن الكافيين يحوّل الأفكار سريعاً إلى تحركات ملموسة. صحيح أن الكافيين يتّسم بمنافع متعددة، لكن يبدو أن هذه المادة قد تُضعف حس الإبداع بدل تنشيطه. «نيو يوركير» تابعت التفاصيل.

يُقال إن الروائي ذائع الصيت أونوريه دي بلزاك كان يستهلك ما يساوي 50 كوباً من القهوة يومياً حين كان في أوج عطائه. لكنه لم يكن يشرب القهوة العادية بل كان يطحن حبوب القهوة ويحولها إلى مسحوق ناعم ثم يستهلك البودرة الجافة على الريق. اعتبر تلك المقاربة «مريعة، لا بل وحشية» وقال إن أحداً لا يجب أن يجرّبها باستثناء الأشخاص الذين يتمتعون بـ»قوة مفرطة». ثم وثّق آثار تلك العملية في عام 1839 في دراسة بعنوان «أطروحة عن المنشطات المعاصرة»: «تصعد شرارة إلى الدماغ مباشرةً بينما تتحول الأفكار سريعاً إلى تحركات ملموسة بما يشبه توجه كتائب جيش ضخم نحو ساحة قتال أسطورية حيث تحتدم المعركة».
عندما نستهلك مشروباً غنياً بالكافيين، يقطع الكافيين سريعاً الحاجز بين الدم والدماغ (حاجز يقع بين الدماغ ونظام الدورة الدموية في الجسم، وهو مصمَّم لحماية الجهاز العصبي المركزي من المواد الكيماوية الموجودة في الدم لأنها قد تضرّه) ويتابع مساره ليعيق نشاط مادة اسمها أدينوسين. في العادة، تقضي وظيفة الأدينوسين الأساسية بمنع إطلاق مواد كيماوية متنوعة نحو الدماغ، ما يخفّض مستويات الطاقة ويعزز النوم، فضلاً عن أداء وظائف تنظيمية أخرى في الجسم. عند إعاقة تلك المواد، نصبح أقل استعداداً للنوم على مكتبنا أو الشعور بتراجع تركيزنا. وفق مراجعة حديثة لمئات الدراسات، تبين أن الكافيين له منافع مختلفة، أبرزها تعزيز مستوى الطاقة وتخفيف التعب وتحسين الأداء الجسدي والمعرفي والحركي، كذلك يساهم في تحسين الذاكرة على المدى القصير وحل المشاكل واتخاذ القرارات وحصر التركيز.
لكن تأتي المنافع كلها مقابل ثمن معين. بدأ العلم لتوه يكشف عن كامل التعقيد الكامن وراء مختلف أشكال الإنجازات الإبداعية. يصعب أن ندرس حس الإبداع في مختبر معين وتصبح طريقة قياس الإبداع محدودة عند تفضيل مقاربة على أخرى. مع ذلك، نعلم أنّ كل ما نربطه بالإبداع (مثل كتابة القصائد أو ابتكار برهان رياضي) يتعلق بالقدرة على ربط الأفكار والكيانات والمفاهيم بطرق مبتكرة. تتوقف هذه القدرة جزئياً على الحالة التي يسعى الكافيين إلى منعها: تشتّت العقل وتراجع تركيزه.

ابتكار أفكار

غالباً ما تظهر الأفكار الإبداعية والحلول المبتكرة حين نوقف التركيز على مشكلة معينة ونترك العقل ينساق إلى موضوع غير مرتبط بالمشكلة. في إحدى الدراسات الحديثة، سجّل المشاركون تحسناً ملحوظاً في مهمّة تتطلب ابتكار فكرة إبداعية (التفكير باستعمالات بديلة لغرض شائع مثل الصحيفة) بعدما ركزوا على مهمة مختلفة وبسيطة، ما سهّل عملية تشتّت العقل. كلما تشتت العقل وابتعد عن المشكلة، قدّم الأشخاص أداء أفضل في مجال الإبداع. لكن لم تظهر تلك المنفعة مطلقاً حين انخرط الأفراد في مهمة غير متعلقة بالمشكلة لكن مُتعِبة.
بعبارة أخرى، قد يساهم وقف التركيز المكثف في تعزيز التحليل الترابطي غير الواعي. هذا ما يسمح لنا في المقابل بإدراك الروابط التي كنا لنغفل عنها في العادة. قد يساهم تشتّت العقل أيضاً في زيادة التواصل بين شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (أي الأجزاء الدماغية التي تنشط أكثر من العادة في وقت الراحة) ومناطقها التنفيذية التي تُستعمل في الوظائف التي تتطلب مستوى أعلى من التفكير المنطقي واتخاذ القرارات. تنشط المنطقتان قبل أن نحلّ المشاكل الصعبة مباشرةً. لكن يمنع الكافيين تركيزنا من التشتت بشكل مفرط، لذا يحصر انتباهنا بطريقة متيقظة وحذرة جداً.
يعيق الكافيين أيضاً عملية عقلية أخرى تُعتبر ضرورية للتفكير الإبداعي: النوم. أظهرت دراسة جرت في عام 2009 أن الأشخاص الذين اختبروا مرحلة «حركة العين السريعة أثناء النوم» (REM) قدموا أداء أفضل في اختبارين للتفكير الإبداعي من أولئك الذين ارتاحوا بكل بساطة أو أخذوا قيلولة من دون الدخول في دورة «حركة العين السريعة أثناء النوم». خلال هذه المرحلة، تمكنت أدمغتهم من استيعاب معلومات غير مترابطة فأصبحوا حين استيقظوا أكثر قدرة على حل المشاكل التي كانت عالقة في وقت سابق. من دون نوم سليم، تتبخر هذه المنفعة. ارتبط الحرمان من النوم أيضاً بآثار سلبية تنعكس على عناصر أخرى متعلقة بالإبداع والوضوح الفكري: يخفّض الذكاء العاطفي والتفكير البنّاء والقدرة على التكيف مع الضغط النفسي.

الاستغراق في النوم

في إحدى الدراسات، تبين أن استهلاك مئتي ميليغرام من الكافيين يزيد الوقت الذي يحتاج إليه الناس كي يستغرقوا في النوم في وقت لاحق من الليلة نفسها. (يحتوي كل 116 غراماً من القهوة على 95 إلى 200 ميليغرام من الكافيين وفق مركز «مايو كلينك»). كذلك يترافق مع أثر عميق على نوعية ذلك النوم، فهو يخفّض فاعلية النوم ومدته على مرحلتين (أي الفترة التي تستعد فيها أجسامنا للدخول في مرحلة النوم العميق) والقدرة الطيفية لترددات موجة الدلتا (ترتبط بعمق نوعية النوم). ربطت دراسات أخرى الكافيين بتراجع نوعية النوم وفاعليته، إلى جانب ارتفاع عدد المرات التي يستيقظ فيها الناس خلال الليل ونسبة تعبهم في الصباح التالي.
لكن يمكن الاستفادة من منافع الكافيين الإيجابية من دون مواجهة الآثار الجانبية التي تخفّض مستوى الإبداع. لاحظت بعض الأبحاث إمكانية الاستفادة من زيادة اليقظة والتركيز عبر الاكتفاء بالدواء الوهمي. في دراسة أجرتها جامعة شرق لندن في عام 2011، حلل بعض علماء النفس أثر الكافيين في ما يخص القدرة على حل المشاكل والردود العاطفية. خلال الدراسة، حصل 88 فرداً من الأشخاص الذين اعتادوا على شرب القهوة على أكواب من القهوة الغنية بالكافيين أو الخالية منها عشوائياً. قيل لنصفهم إنهم يتلقون القهوة العادية بينما قيل للنصف الآخر إنهم يشربون قهوة خالية من الكافيين. ثم أتمّ كل مشارك مهمات تستلزم قياس أمور عدة مثل وقت رد الفعل، ونسبة التحكم بالذات، وفاعلية الحوافز والمكافآت، وحالة المزاج. في مهمة تقضي بقياس وقت رد الفعل، لوحظ تحسن دقة الأفراد الذين ظنوا أنهم استهلكوا قهوة غنية بالكافيين مع أنهم كانوا يشربون قهوة خالية من الكافيين. أما الأفراد الذين شربوا الكافيين وظنوا أنهم يشربون قهوة خالية من الكافيين، فلم تتحسن لديهم أوقات رد الفعل. كذلك، عند قياس فاعلية الحوافز والمكافآت، نجح المشاركون الذين ظنوا أنهم استهلكوا الكافيين في تصنيف البطاقات بسرعة أكبر من أولئك الذين ظنوا أنهم استهلكوا قهوة من دون كافيين.
بالتالي، ربما لم يكن بلزاك مخطئاً جداً كما يظن البعض. إذا كان يتوقع أن يمنحه الكافيين منفعة معينة، قد يكون نجح في الحصول عليها عبر إقناع نفسه بذلك، بغض النظر عن دور الكافيين في إنتاج تلك المنافع. خلال ساعات البحث والتفكير المُركّز الذي يشكل العنصر الأساسي في معظم الجهود الإبداعية (مثل الصفحات اللامتناهية من الأحداث المشوقة وتطوير الشخصيات في حالة بلزاك)، قد تكون مقاربة استهلاك الكافيين مثمرة ما دام يتشتت العقل بين فترة وأخرى.
الجريدة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 686


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة