رؤية نقدية في سرديات المرأة العربية
رؤية نقدية في سرديات المرأة العربية


07-07-2013 05:59 AM



شبلول يقدم رؤيته الفنية النقدية من خلال بانوراما مشهد سردي نسائي عربي، بإهدائه اللافت: «إلى أجمل نون نسوة.. وأرق ضمير أنثى، وتاء المخاطبة، في لغتنا العربية».

بقلم: محمد عطية محمود

قدرة الإبداع على توظيف الحواس الإنسانية

يمثل مصطلح «الكتابة النسوية» في وقتنا الراهن إشكالية على مستوَيي النقد والإبداع، بحيث تطرح هذه الكتابة أسئلة حضورها وكينونتها على واقع المشهد الأدبي عموما منذ البدايات التي واكبت ظهور المرأة الباكر كساردة، مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وبحسب ما جاءت به د. بثينة شعبان في كتابها «مائة عام من الرواية النسائية العربية» فقد حضرت المرأة ساردةً من خلال أول رواية عربية على الإطلاق هي رواية «حُسن العواقب» أو «غادة الزهراء» للكاتبة اللبنانية «زينب فواز» في العام 1899، أي قبل خمسة عشر عاماً من صدور رواية «زينب» لحسين هيكل.

كما واكب تلك الرواية صدور رواية «قلب الرجل» للكاتبة «لبيبة هاشم»، و"حسناء سالونيك" للكاتبة «لبيبة ميخائيل صوايا»، وأكثر من ست روايات للكاتبة «عفيفة كرم» من أشهرها «بديعة وفؤاد» و"غادة عمشيت»، بما يدفع إلى إعادة البحث في اتجاه التحقق من نشأة الرواية العربية وأصولها، مرورا بالأجيال التي بدأت تتسلل فيها الأصوات النسائية لتساهم في الحركة الأدبية، قبل أن تستوعب الحياة الأدبية في وقتنا الراهن العديد من الأسماء النسائية التي قدمت إبداعات أخذت طريقها للبحث والدرس والنقد.

يظهر ذلك من خلال الأعمال الأدبية والندوات والمنتديات والمهرجانات والمؤتمرات التي أعطت الفرصة لظهور والتماع العديد من زهرات الإبداع، اللواتي تشكلت معهن وبإبداعاتهن أشكال جديدة ومناطق جديدة استوعبت الإبداع الأدبي بعامة والنسائي كجزء من كل، وصار المصطلح شائكا ما بين معارض له ومكرس له.

من خلال كتاب «المرأة ساردة» (وكالة الصحافة العربية، القاهرة)، وبين جناحي السرد، يقدم الشاعر والناقد المصري أحمد فضل شبلول رؤيته الفنية النقدية من خلال بانوراما مشهد سردي نسائي عربي، بإهدائه اللافت: «إلى أجمل نون نسوة.. وأرق ضمير أنثى، وتاء المخاطبة، في لغتنا العربية»، مشيرا في مقدمته إلى قناعته بقدرة الإبداع على توظيف الحواس الإنسانية وتجسيدها على أرض الواقع من خلال الصدق في تناول عناصر الإبداع الفني، أو جماليات الكتابة الفنية لدى الكاتبات المصريات والعربيات، وهو الفيصل والحاسم بصرف النظر عن كونهن يمثلن العنصر النسائي للكتابة، في قوله: "يكفينا أن نشم عبير الأنوثة وعطرها، وأيضا جسدها، الذي يفوح علينا من خلال الدراسات والقراءات التي يضمها هذا الكتاب".

***

حول رواية «حافية الروح» لفتحية الهاشمي، تشير الدراسة إلى نجاح الكاتبة إلى حد بعيد في مزج العام بالخاص في نسيج الرواية التي جاءت تعبيرا عن رأي المثقفين في الأزمات الكبرى التي تمر بها الأمة وخاصة في العراق وفلسطين، كما تشير إلى ارتفاع مستوى الرمز، ليكون أكثر شفافية. ثمة مقطع دال من الرواية، على لسان شخصيتها الساردة (ريحان): «أشم رائحة دمي في (عبايتك) أم تراه أتاني الوطن على حين غرة يوم التقيتك في ذلك المكان الطيب. إنني ما شعرت يوما بانتمائي إلى رقعة محددة من الوطن العربي.. أنا أحس بانتمائي إلى التاريخ.. إلى الأشخاص.. إلى الوطن ككل.. أنت ترى أنني ما زلت ألهث باحثة عني» .

هذا الاقتباس يدلل على فقد الهوية الذي يجتاح نفسية الساردة، التي تلجأ إلى فرشاتها وألوانها ولوحاتها عوضا عن هذا الفقد؛ لتشكل ملامح جديدة لها ولوطنها المرجو. كما أنها تفتح مجالا للقضايا البشرية العامة والمرتبطة بالموت كملمح من ملامح الحروب والأوبئة، كل ذلك من خلال امتياز لغة الرواية بالشاعرية الدالة ومن خلال استخدام تقنية الألوان، وخاصة اللون الأبيض المرتبط لديها بالموت في صورة من صوره أو مراحله، كما في: «أحست بالغثيان، البياض يطاردها حيث كانت، وللّون الأبيض غصة ونشيج، هو لون الموت، ربما كان كذلك، بل هو لون الحياة، ألا ترتدي العروس الأبيض لتسير إلى.. توقفت عن التفكير، فلعلها تسير إلى موتها» .

تخلص الدراسة إلى أن روح الكاتبة تحلّق حافية وخفيفة، لتشهد على ما يحدث حولها، فتدلي بشهادتها كفنانة ومثقفة من خلال أدواتها الفنية المتميزة، وبحس الإبداع النسائي المتميز في رواية كهذه والتي تنحاز إلى الحس الأنثوي بدرجة عالية ولصيقة معبّرة.

***

أما رواية ميرفت العزوني «حبو الظلال» فتعانق ثيمة أخرى من ثيمات المعاناة، بغوصها في عمق الجو الشعبي الريفي، والتي تشير إليها الدراسة على نحو من الإشادة، في قول الكاتب: «من هنا تأتي شجاعة الكاتبة في الخوض في منطقة محظورة أو مسكوت عنها في الوسط الاجتماعي الريفي، أو يتداول الحديث فيها سرا وليس جهرا..» .

فبحسب الدراسة، تضع العزوني أيدينا على بعض المناطق الحرجة اجتماعيا وأنثروبولوجيا، من خلال «حبو الظلال»، بعرض عادات وتقاليد ريفية غائبة عن الوعي العام والحضري، انطلاقا من رسالة الفن التي هي: "اقتناص لحظة عابرة لتثبيتها إلى الأبد".

كما تعمد الرواية إلى فضح ممارسات التخاذل للهزيمة والانكسار من خلال شخصية «عيد»: «إن عيداً -رغم كل عيوبه وعدم اكتمال شخصيته، واهتزازها على نحو ما- لا يملك سوى الاختفاء والهرب من هذا الواقع المتردي الذي لا يجد فيه ظلا مرسوما على أرض عاش عليها ردحا من عمره ويئس من دخول عامود كهرباء فيها وبدأ أبناؤها في التخلي عنها» .

إذن هي قضية الانتماء التي تطرحها الرواية متضافرة مع ما يمكن تسميته «الوعي الأنثروبولوجي» للمجتمع الريفي الشعبي بتناقضاته، وغياهب المسكوت عنه.

في الرواية، يبدو نجاح الكاتبة في استثمار تقنيات حديثة للكتابة الروائية، بعيدا عن الإطناب والإسهاب، ولزوم ما لا يلزم، فتلجأ في متن روايتها إلى تقنيات المونولوج الداخلي، والحوار والوصف، و"الفلاش باك"، بالإضافة إلى اللغة المقتصدة الدالة، والتكثيف كسمة من سمات الكتابة القصصية والشعرية الحديثة، والتي أفادت منها الرواية كثيرا كنتاج للتلاقح بين الأجناس الأدبية.

***

كما تتناول غادة نبيل في روايتها «وردة الرمال» حياةَ البشر في المناطق الصحراوية والبدوية، والمسكوت عنه أيضا في القرية/ التجمع البدوي الذي تتناوله الكاتبة على نحو ما تقول الدراسة: «لم تقف الكاتبة عند هذا السطح البدوي، أو هذا المظهر الذي يجعل من البيئة والحياة البدوية مأكلا ومشربا ومضاجعة، وبحثا عن عيون وآبار المياه» .

كما تشير الدراسة إلى استخدام الساردة للأوراد والحوليات واللفافات والتقاويم، وأساطير الصحراء، وبعض الأغاني البدوية، كمتكأ تلج به عالم الصحراء والبدو، لتؤصل رؤيتها الشاملة المتعمقة لمجتمع الصحراء.. فهل تؤسس هذه الرواية لكاتبتها عالما خصبا متميزا من إبداع الصحراء؟

هذا ما لم تجب عنه الدراسة التي خرجت بخطين متوازيين على مستوى التقنية السردية، تسير عليهما الرواية، لكنهما يلتقيان في النهاية، الأول هو تقنية «الفلاش باك» التي تعود بها الساردة للحظات هروبها من قريتها وأثناء تنقلاتها من قرية إلى أخرى، والثاني هو أيام وليالي هروبها، وتنقلها من بلدة إلى أخرى، إلى أن تصل إلى خلاصها وحلمها في التحرر. يقول شبلول: «بذلك تحقق حلمها الثوري الكبير (وحلمنا) في العثور على أرض بلا حزن، وفي نوم بلا حصى يحشي الفم».

***

كما تجسد رواية «أعواد ثقاب» للكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار، مأساة فلسطين من خلال ذاكرة تصويرية تسمها الدراسة بـ "الحديدية"، في إشارتها إلى تكوين الرواية من خلال ثمانية وعشرين عود ثقاب يشتعل كل منها خلف الآخر ليرصد حالات من الوجد واجترار ذاكرة الأحوال السياسية والعسكرية والاجتماعية لوطن مستلَب، وحاضرها المشتبك مع الواقع الآني للساردة/ البطلة: «أحيانا تدخلنا الساردة إلى منطقة أخرى من الذكريات، أسميها ذكريات الذكريات، وذلك من خلال تقنية روائية استخدمتها الكاتبة بنجاح في أكثر من منطقة سردية» .

وتعيش الدراسة مع اللحظات الكاشفة في سياق النص الروائي، لتبحر في تاريخ يشتعل مع اشتعال أعواد ثقاب الساردة، التي تنير لها - على استحياء - قلب التاريخ الفلسطيني والمصري والعربي الحديث من خلال ذاكرة قوية وعين لاقطة، كما تشير الدراسة .

***

ثمة امتداد واضح لسيرة الوطن، ولكن من زاوية الاغتراب به وعنه، تثيرها معالجة رواية «ثوب غزالة» للكاتبة د.عزة بدر، حيث تعالج سمات هذا الاغتراب في عالمين مختلفين هما داخل الوطن وخارجه/ المنفى الاختياري: «المثير في الأمر أن الساردة جسدت معاناتها داخل الوطن في الصفحات الأولى من الرواية، بطريقة أكثر درامية من تجسيد معاناتها خارج الوطن أو في بلاد الغربة، ولكن مع ملاحظة أن المعاناة داخل الوطن كانت معاناة جماعية» .

كما تعود الدراسة إلى المقارنة بين مجتمعَي الاغتراب، على نحو ما تقول: «لقد كثرت المقارنة بين المجتمعين في بداية غربة الساردة، ولكن مع مرور الأيام والعيش والتأقلم تخْفت حدة هذه المقارنة» .

ترصد الدراسة أيضا ملامح أنسنة الجماد، والحوار مع الأشياء المحيطة بها مثل الباب والعين السحرية وما إلى ذلك، والتوحد بها بما يعمق من مأساة اغترابها في بدايته، حتى الخروج إلى الذوبان في المجتمع الإنساني العام. كما تتنوع الضمائر التي تستخدمها الساردة/ الكاتبة، حيث تشتغل أحيانا على ضمير المخاطب، فيما يشبه «الاعتراف» أحيانا والنجوى أحيانا أخرى، وضمير المتكلم المباشر، كما تستخدم تقنية تبادل الرسائل المكتوبة، وكلها من تقنيات الكتابة الحديثة، كما تشير الدراسة.

***

كما يعلو صوت الحرب وأجوائها، في رواية اللبنانية إيمان حميدان يونس «باء مثل بيت.. مثل بيروت» من خلال أربعة أصوات نسائية (ليليان، وردة، كاميليا، مها) اكتوين بويلات الحرب الأهلية اللبنانية، تقدم بهن الساردة رؤيتها لتلك الوقائع الدامية، من خلال التشابك مع واقعهن الخاص، مع بيان حالات التضارب في الرغبات وردود الأفعال تجاه هذه الحرب وأوضاعها، حيث تقول الدراسة: «وفي جميع الأحوال تنجح الكاتبة من خلال شخصيات روايتها أن تصور لنا بشاعة الحرب، ولا إنسانيتها (إنها الحرب أبشع صورة لإبراز الخلاف) وتجعلنا نعيش في أجوائها الحقيقية» .

تستعرض الرواية الشخصيات لتصل إلى قمة التوتر الروائي بشخصية مها، الأكثر جدلا وتناميا من خلال سمة تركيبها ونزقها وسرعة انفعالها في الحب والغضب والافتعال، وكما تقول الدراسة، فإن ذلك من أثر طبع الحرب لها بطابعها وتناقضها الأثيم.

***

"الوهم أشد رسوخا من الحقيقة". استنادا إلى هذه المقولة لجاك دريدا، تلج نجوى شعبان إلى عالم روايتها «نوة الكرم» الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية في الرواية في مصر، حيث يقول شبلول: «لعل هذا ما جعل الكاتبة تبتعد تماما عن استحضار شخصيات تاريخية معينة عاشت في تلك الفترة التي تتحدث عنها، فلجأت إلى الإيهام الفني الجميل باختيار شخوص روايتها من عامة الشعب، وبالتالي فهي لا تلجأ لكتابة التاريخ، ولكن تصنع تاريخا من لحم ودم» .

تدور أحداث الرواية في فترة تاريخية مثيرة في القرن السادس عشر الميلادي، بثغر دمياط، وهي فترة ما بعد دخول العثمانيين مصر وإعلان مصر ولاية عثمانية، وهو ما جعل الكاتبة تعتمد صيغة التاريخ بإطاره الخارجي، وكذلك تستعين بالمقولات الخالدة، التي تعبّر عن حال التاريخ، وربما صناعته من خلال التراث الفكري لكل من: وول ديورانت، جاك دريدا وأوكتافيوباث: «اختارت الكاتبة أقوال الآخرين بعناية وحرص شديدين، وبما يتوافق مع أحداث وشخوص وزمن روايتها».

كما تشير الدراسة إلى احتفاء الرواية بالمعلوماتية، حيث يرد قول د. فخري لبيب: «الجميل في الرواية هذا الكم الهائل من المعارف سواء من الكتب السماوية أو من التراث أو من التقاليد أو من اللغة والألفاظ والمفردات الموجودة آنذاك» .

***

تلج الكاتبة المصرية فرات عبد الله عالمها الروائي بروايتها «السقوط في دوائر الانتظار» من خلال واقعيتها الاجتماعية التي استمدتها من التراث الروائي لكبار مبدعي الرواية في القرن العشرين، وترصد الدراسة عملية التأثير والتأثر التي تسم العلاقة بين الكاتبة وروايتها، وثلاثية نجيب محفوظ الخالدة، وإن كان من خلال الإطار الخارجي للشخوص، وليس عملية التناص الكامل الذي ربما مست الرواية طرفا منه في بعض الشخصيات بالرواية: «ليس الأمر مجرد تأثر الكاتبة بثلاثية نجيب محفوظ فحسب، لكنه واقع معظم الأسر المصرية متوسطة الحال، أو الأسر المصرية البرجوازية حتى بداية السبعينات تقريبا، هو النبع الذي امتاحت منه الكاتبة» .

بذلك، تحاول الدراسة قراءة الرواية على خطين متوازيين: خط الثلاثية، وخط الواقع المصري في حقبة الرواية. ولكن المفارقة التي تأتي بها الدراسة اتساقا مع أحداث الرواية تأتي في إنتاج دلالة جديدة على تحولات المجتمع ليصير في عكس اتجاهاته القيمية السابقة: «إذا كان قهر أمينة في (الثلاثية)، وقهر فاطمة في (السقوط في دوائر الانتظار) قد تحقق على يد الرجل (سي السيد/ المنزلاوي)، فإننا في الأخيرة نرى تحول هذا القهر ليصبح قهر الرجل (فؤاد وفوزي) على يد المرأة الزوجة (نادية وفريدة)، وهو ما يحقق إضافة جديدة للرواية العربية التي تبدعها المرأة» .

• القصة القصيرة.. سمات وحداثة

يلوح ملمح «الواقعية العلمية» في المجموعة القصصية «أبجدية الدم» للقاصة تهاني عمرو مرسي، بتضفيره مع الواقع الاجتماعي المحيط من خلال نصوص تمتح من ذلك الخليط، فتتعرض - بحسب الدراسة- إلى عالم الاستنساخ في قصة «قمة السلم»، وتحليل الشيفرات الوراثية في قصة «أحلام موؤدة»، وقانون «مندل» في قصة العنوان الرئيس للمجموعة «أبجدية الدم»: «إذا كان العلم قد توصل إلى رؤية مستقبلية في قصة (أحلام موؤدة)، بشأن الطفل الذي سيصبح مجرما، فإنه في قصة (أبجدية الدم) يفضح ممارسات الأم الخائنة، عن طريق قانون (مندل) الوراثي» .

تشير الدراسة إلى تميز الموضوعات التي تطرحها الكاتبة بجرأة فنية تجعلها تقتحم ستر المسكوت عنه، في المجتمع والحياة بعامة، وفي مجال الفن القصصي أيضا، مما يعضد الوجود الفاعل لمصطلح «الأدب النسائي»، حيث أن الموضوعات الخاصة جدا واللصيقة بالمرأة لا يمكن التعبير عنها إلا عن طريق قلم نسائي متمرس يفضح ممارسات التغيرات المجتمعية التي ربما أفادت من العلم بطريقة خاطئة، كما ترصد الدراسة العلاقات المتوترة بين البشر من حيث الخلاف والاختلاف الذي يصل إلى حد الرغبة في القتل، والتي تتواتر على مدار نصوص عديدة يبلغ فيها التوتر مبلغه في نص «دخان على وجه القمر» لدرجة تجعل ابن (التربي) يبيع جثة أبيه فور دفنها!

***

في دراسته عن مجموعة «ربع رجل» للقاصة هالة فهمي، يقول شبلول: «بنعومة بالغة تكتب هالة فهمي قصصها القصيرة جدا، وخاصة القصص الإنسانية المكتوبة عن الحرب مثل (طبق مهلبية) و(حبات الرمل)» (ص 76). وهو يرصد النماذج التي تتعرض لما يمكن أن ينضوي تحت لواء «أدب الحرب» من خلال علاقات إنسانية غاية في الرقة والعذوبة: «ستكون هالة فهمي كاتبة أطفال جيدة لو فكرت أن تكتب لهم، فهي تمتلك مشاعر الطفولة إزاء القضايا الكبرى، فقد خاضت في مسألة كبرى هي مسألة الحرب وتأثيراتها في الناس، من خلال (طبق مهلبية)، وهو ما لا يخطر على بال الكثيرين ممن كتبوا عن أدب الحرب» .

تشير الدراسة إلى تميز قصص المجموعة بتنوعها بين الحرب والإنساني والاجتماعي، وبين قصص على لسان طفل من خلال تضفير كل العناصر المتاحة من رموز دالة ومشاعر أنثوية فياضة: «الكلمة لدى القاصة هالة فهمي، قد تكون سوطا لاذعا، أو بلسما شافيا، أو أرجوحة تهدهدك، أو دفقة من العزيمة تشد على يديك، وهي في كل حالة ومضة من السحر الفني تقف إلى جانب ومضة ليأخذ البناء القصصي كله شكله الطبيعي المحكم» .

***

يقول شبلول مستعرضا مجموعة «على عتبة الحياة» للكاتبة سناء صليحة، ومشيرا إلى النص نفسه الذي يمتح من الواقع الإنساني الشفيف: «في القصة التي حملت عنوان المجموعة، وهي الأخيرة في ترتيب نشر القصص بالكتاب، نجد اللمسات الإنسانية العميقة والرقيقة، التي أجادت الكاتبة العزف عليها» .

وهو هنا يشير إلى اهتمام الكاتبة بمشاعر الأمومة وأدبها، كما يشير إلى تقنيات الكتابة الحديثة، في كونها لقطة مختزلة من الحياة.. كما يشير إلى تقنية العنوان وارتباطه بالنص، والذي قد ينبثق من رحم تلك النصوص المشتعلة بالأسئلة، والطارحة لإشكاليات الحياة من خلال تقنية كتابية مختلفة، وفكر يتغلغل في متن النصوص؛ فتصير العلاقة بينهما على نحو من التواشج والتكامل.

تقول الدراسة في ختامها: «لعل العنوان يشي هذه المرة بالحيرة والتساؤل الفلسفي الكبير أمام لغز الحياة وغموضها الدائم، منذ عصر الفراعنة (العروس والمومياء)، مرورا بعصر العلم والتكنولوجيا (الخوذة)، وما بينهما من مفارقات وصراعات بين المادي والمعنوي» .

***

ثمة ملمح آخر من ملامح الكتابة القصصية يرصدها شبلول من خلال المجموعة القصصية «امرأة من برج القمر» للقاصة السكندرية مجيدة شاهين، حيث يرصد تأثر الكاتبة بأحوال القمر من خلال موروثه التاريخي والأنثروبولوجي، ومن خلال تحولاته وصوره الطبيعية المتعددة: «من خلال هذا الموروث الضخم للقمر، ومن خلال مثل هذه الأسئلة التي تحلّق في فضاء الكون الليلي، تبحر الكاتبة مجيدة شاهين إلى فضاء الكتابة القصصية عبر مجموعتها الأولى (امرأة من برج القمر)، فنراها تختار عنوان (هلاليات) للقصص الثلاث الأولى» .

كما يشير شبلول إلى أجواء أخرى تحلّق فيها الكاتبة من خلال موروث حكائي هو موروث «شهرزاد» وحكاياتها الأسطورية، وتضفيرها مع مسألة القضية الفلسطينية، في حين تقع المفارقة التي تعتمدها الكاتبة في أن شهرزاد القديمة الحكاءة، قد صارت عاجزة عن الحكي أمام غزو الفضائيات والصورة المرئية التي تكشف الوجه القميء للعالم.

***

وبحس شعري يتداخل مع السرد القصصي، تلج د. عزة بدر عالم مجموعتها القصصية «أعناق الورد»، وكما يقول شبلول في تصديره لقراءة هذه المجموعة: «هي قصص مفروش معظمها بالورود والأزهار والياسمين والرياحين وشتى النباتات، وكأننا في بستان من الكلمات»، وذلك من خلال نموذجَي "أسئلة الياسمين" و"أعناق الورد".

كما يتجاور خط الفانتازيا مع خط الافتتان بالورود والزهور، بحيث تنتقل الحالة الشاعرية إلى التعامل مع المفردات الدالّة على الحالة النفسية التي تود الساردة طرحها في فعاليات نصها «سيف الليل وسيف النهار»: «إنها نظرة شاعرية للأشياء تحتوي على بنية صراع رومانسي شفيف بينها، لكنه صراع يعبّر عما يجول بداخل النفس الإنسانية تجاه الأشياء التي تمثلنا، أو تمثل ذواتنا، فالخصام بين الفساتين والقمصان، وبين جوارب الصوف... هو خصام خفي بين أصحاب هذه الأشياء وبعضهم» .

***

تأتي خاتمة الكتاب، بمقالة عن مجموعة «هكذا ببساطة» للقاصة سعاد سليمان، والتي يقدمها شبلول على أنها مجموعة لا نملك إزاءها إلا الاعتراف بموهبة القاصة وتميز أسلوبها وبساطة لغتها وشفافيتها وجرأتها المحسوبة لها، من خلال استخدامها لتقنية الكتابة التلغرافية المركزة تركيزا عاليا، والمكثفة تكثيفا زمنيا يصعب اختراقه، ومن خلال عينين لاقطتين لأبسط مفردات الأشياء في الحياة وأعقدها، ويقول: «تلجأ الكاتبة أحيانا إلى العبارات اللاذعة، فتنقل بها القارئ أو المتلقي من حالة إلى حالة» .

كما يقول في موضع آخر: «من التقنيات الجديدة في هذه المجموعة القصصية لجوء الكاتبة إلى استدعاء شخصياتها القصصية التي وردت في قصص المجموعة من خلال قصة اختارت لها عنوان (المحاكمة الأخيرة) تستدعي فيها بعض شخوص قصصها الموجودين على الورق ليحاكمها زوجها، باعتبار أن الذين ذُكروا في القصص رجال حقيقيون وعلى علاقة بزوجته الكاتبة، وتكمن المفارقة في تذكر الكاتبة أن رجلها أديب»..

(جريدة الرأي الأردنية )


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1791


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة