الأخبار
أخبار سياسية
اذهبوا غير مأسوف عليكم
اذهبوا غير مأسوف عليكم



07-08-2013 03:01 AM
أعلنت مصر 'وفاة الإخوان' وبيّنت أن بيتهم أوهى من بيت العنكبوت. 'فمَن سوف يبكي عليهم؟ وليس هنالك حُزْنٌ، وليس هنالك مَن يحْزُنونْ'.


بقلم: حمد المزروعي

انتظر الإخوان بضعاً وثمانين سنة ليصلوا إلى الحكم في معقلهم، واحتاجت مصر إلى سنة واحدة لتقول للعالم كله إن "الإخوان" كانوا حملاً خارج الرحم، لم يشرب من ماء نيلها، ولم ينطبع في روحه المجدبة خصبها وعطاؤها، ولم ترَ منه حين توهم أنه تمكن واستحكم إلا الأذى والعقوق.

سألت صديقاً مصرياً قضى إجازته في مصر قبل نحو أربعة أشهر، عن حال البلد الذي ترك بصمته في وجدان كل عربي، فأجابني بأنه أنكر ما يرى. قال لي إن شيئاً في مصر التي يعرفها قد تغير. قال إنه شعر وكأن غباراً ثقيلاً خانقاً يلفه أينما ذهب. قال إن الأكتاف التي رآها كانت كأنها تنوء بحمل ما، وفي العيون التي اعتادت أن تهزم صعوبة الحياة بالسخرية ظلٌّ لليأس لم يعرفه عن بلده وعن ناسها. قال لي إنه أحس وكأن شيئاً من روح الإخوان الرمادية الكئيبة قد تغلغلت إلى المسام، ونزعت عنها ألقها الذي قاوم كل صنوف المشقة والعسر وهزمها. لكن روح مصر أثبتت بالأمس القريب أنها باقية، وأن انتماء أبنائها للحياة أقوى وأكبر، وأنهم قادرون على تصحيح الأوضاع بأسرع مما قدر كل المتابعين.

لا شكّ في أن "الإخوان" دخلوا بسقوطهم المريع موسوعة "غينيس"، وهم الآن يجرون أذيال خيبتهم، ويتوارون من الناس من سوء مُنقلبهم.

طوال تسعة عقود ظل الإخوان يتحدثون عن "المظلومية" والإقصاء، وعن حرمانهم من فرصة الحكم التي سيثبتون بها للعالم كله بُعد نظرهم وتكامل مشروعهم. وتعاطف معهم كثيرون ممن غُرِّر بهم وأُخذوا بمعسول الكلام. وحين حانت لحظة الحقيقة ذهب كلامهم هباء منثوراً، وتبيّن أن بيت "الإخوان" أوهى من بيت العنكبوت.

لم يكن المطلوب من الإخوان أمراً معجزاً، ولاسيما أن الحكم جاءهم على "طبق من ذهب" بعد أن حصدوا غلة "ثورة يناير" بعد سلسلة من الألاعيب تجلى فيها الخداع والانتهازية في أسوأ صورها. واستغلت الجماعة وجود كوادر منظمة لديها في وقت لم تكن فيه قوى المعارضة الأخرى تمتلك التنظيم ذاته، ولم تكن الجماهير التي خرجت طالبة للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية قد لملمت قواها في كيان سياسي مكتمل. وما أسرع ما فشل "الإخوان" في كل شيء، حتى في تأليف قلوب الناس من حولهم، وهو أهم مبادئ الإسلام في الحكم.

سقط الإخوان المسلمون في الاختبار، وسقط معهم جزء كبير من مشروع الإسلام السياسي، إن لم يكن كله، وبات من الضروري أن يتنبه الناس جميعاً إلى أن عمليات التحول السياسي تحتاج إلى رؤية واعية لا ينفع معها الخطابات الانفعالية وتهييج المشاعر والتجارة الرخيصة بالدين.

يحضرني هنا حوار سقراط مع غلوكون بن أرستون، الذي أراد أن تكون له الصدارة يوماً في أثينا، فسأله سقراط إن كان يعرف شيئاً عن دخل المدينة ومصادره، وعن خراجها، وعن الثغور فيها وما تملكه من عتاد وسلاح، فأجابه بالنفي، فقال له سقراط: كيف تريد أن تسوس المدينة وأنت لا تعلم كل ذلك عنها؟! بُهت غلوكون وأسقط في يده، فقال سقراط: أما وقد عجزتَ عن إقناع عَمّك وحدَهُ، فكيفَ تَحسَبُ بعدها أنك قادرٌ على إقناع أهل أثينا جميعاً وفيهم عمك؟ فاحذر يا غلوكون أن تقعَ في المُخزيات وأنت تطمَعُ في المجد. أو لا ترى أنّهُ ضَربٌ من الخيال أن نتكلم فيما لا نعلمُ، وأن نعملَ ما ليس لنا به علم.

لم تكن حال "الإخوان" أفضل من حال غلوكون، فما أظهروه من سذاجة وتخبط في تحمل مسؤوليات تتعلق بأرزاق العباد وأمنهم وإدارة كل شؤون حياتهم، وحماية البلاد وصيانة حدودها وتحصينها ضد الأخطار التي تحيط بها من كل صوب وحدب، يؤكد أنهم لم يعوا طبيعة المرحلة الحرجة في مصر، ولا تعقيدات المشهد الدولي.

لقد تعودت هذه الجماعة الظلامية أن تعيش في الكهوف وتعمل في الظلام حتى إذا خرجت إلى النور تبين ضعفها وهشاشتها، وظهرت عيوبها ومساوئها للجميع فانفضوا من حولها.

تحتاج أمتنا العربية إلى من ينقيها من كثير من الشوائب الفكرية، بعيداً عن الخلط بين الدين والدولة؛ لأنه خلط يفقد الدين هيبته، ويسلب الدولة مرونتها، وحسبنا من الدين أن نتمثل قيمه وأخلاقه، وأن نحولها سلوكاً ومنهجاً في تعاملنا مع من حولنا.

سقط الإخوان المسلمون أمس، واستعادت مصر نفسها أماً للدنيا، وموئلاً للأحرار، رافضة أن تحكمها جماعة ظلت طوال العقود الماضية "مفرخة للإرهاب".

سقط الإخوان المسلمون ولكن الإسلام لم يسقط، وحاشا لله أن يسقط، فالإسلام دين النور والضياء، والإخاء والمحبة، وليس دين الجهل والظلام، أو دين القتل والإرهاب.

أعلنت مصر "وفاة الإخوان"، ولنا أن نتساءل بصوت نزار قباني:

"في أيِ مقبرةٍ يُدْفَنونْ؟

ومَن سوف يبكي عليهم؟

وليس لديهم بناتٌ...

وليس لديهم بَنونْ...

وليس هنالك حُزْنٌ،

وليس هنالك مَن يحْزُنونْ!!".



حمد المزروعي

كاتب من الإمارات
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 467


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة