الأخبار
منوعات
«دافنشي عراقي» سبق عصره؟
«دافنشي عراقي» سبق عصره؟
«دافنشي عراقي» سبق عصره؟


07-27-2013 03:29 AM

ضمن «مهرجان شباك» الذي تنظمه بلدية لندن سنويا برعاية عمدتها بوريس جونسون، افتتح في قاعة «لا كارليا» (La Galleria) وسط لندن، المعرض الاستعادي الأول للفنان العراقي الرائد محمود صبري (1927 - 2012).

ضم المعرض 40 عملا من أعمال الفنان المبكرة التي اعتمد فيها على أسلوب الواقعية التعبيرية، وأعماله اللاحقة بواقعية الكم (Quantum Realism)، المسار الذي أسس له في العقود الأربعة الأخيرة من حياته.

ولد محمود صبري في بغداد عام 1927 وأنهى دراسته في العلوم الاجتماعية في بريطانيا، ويعد أحد أبرز فناني ومثقفي العراق المعاصرين، حيث ساهم في وضع اللبنات الأولى للفن العراقي الحديث وعمل على تعميق المفاهيم الحديثة في الفن، انضم إلى جماعة الرواد التي أسسها الفنان فائق حسن العائد من فرنسا، وشارك في معرضها الأول الذي أقيم عام 1950 في منزل الفنان د. خالد القصاب، ويذكر الراحل محمود صبري خلال فيلم وثائقي عن حياته عرض على هامش المعرض، أنه هو من اقترح أن تحمل الجماعة اسم «الرواد»، وقد تميزوا بالتعامل مع التراث الإنساني كإرث لجميع الفنانين والمثقفين.

له العديد من البحوث والدراسات والمقالات الفكرية والسياسية والفنية والفلسفية، وهو صاحب نظرية واقعية الكم التي تعد أسلوبا جديدا في التفكير والرسم، حيث أقام معرضا له تحت هذا العنوان في براغ عام 1971 ونشر بيانها الأول بالإنجليزية، وتعتمد واقعية الكم على علاقة وترابط اللون مع النظام الذري للعناصر الطبيعية، وتصور العمليات من اتحاد وتفكك ذري وما دونه باللون، أو كما يقول عنها مبتكرها «هي فن مجتمع يطلب من الفنان خيالا متحررا من الغيبية والسحر».

رغم أن محمود صبري لم يدرس الرسم أكاديميا، فإنه كان شغوفا بالتعبير غير التقليدي عن أفكاره ومواقفه إزاء ما يحدث من وقائع ونقائض شهدها العراق في الخمسينات والستينات من القرن الماضي؛ لأنه آمن بالفن الثوري الطليعي الذي يقترب من وجود ومستقبل الإنسان، وقد عرض عدد من لوحاته التعبيرية الواقعية التي تمثل نزعته الوطنية الإنسانية التي استلهمت الناس البسطاء وكدحهم اليومي، مثل لوحة «جنازة الشهيد» التي استوحاها الفنان من تشييع السجين السياسي نعمان محمد صالح في بغداد عام 1951 وأيضا لوحته الشهيرة «الجزائر» التي تمثل نضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل نيل حريته، وتعد بحق «الغويرنيكا العربية» في مقارنة مع اللوحة الشهيرة لبيكاسو بأسلوب رسمها وإنشائها وألوانها، فهي تأليف معقد شكليا بسبب النزعة الانفعالية لدى الفنان المتمثلة في ملامح شخوص هذه اللوحة. ولوحة «حامل الصليب» التي تعبر عن محنة الشعبين الفلسطيني واللبناني، ولوحة «وطني» التي يكاد المتلقي يسمع شهقة الطفل الموشك على البكاء ويسمع دعاء الأم التي ترفع رأسها إلى السماء، هذه اللوحة لم يسنح لها أن تأخذ مكانها في الجهة الخلفية من نصب الحرية وسط بغداد كما كان مقررا.

لوحتان أيضا بعنوان «امرأة جالسة»، وهما بورتريه لزوجة الفنان، ويظهرها بملامح غائمة وعينين حزينتين ومظهر بالغ الصرامة.

يقول محمود صبري عن واقعيته الثورية هذه: «لقد تطلعت دائما في فني نحو المتناقضات التي تكتنف مجتمعنا، مستهدفا بذلك التعبير عن الثورة التي كانت تجيش في نفوس الأفراد، والتي كنت أحس بها شخصيا». الألوان في هذه المرحلة هي ألوان قاتمة كما البشر، ولا وجود لملامح السعادة، بالمقابل هناك ملامح تحدٍّ وإصرار، واللوحات تغص بالجموع البشرية حتى كأنما تفيض بها حدود اللوحة.

عرضت أيضا لوحات من مرحلة واقعية الكم التي وضحها الفنان ساطع هاشم، الذي تعرف على تجربة الفنان الراحل عن كثب، للزائرين.

واقعية الكم تستلهم العناصر «أطيافها الذرية المرئية المنبعثة نتيجة اتحادها مع غيرها من العناصر» التي اكتشفها العلم وتعيد بناءها وصياغتها وفقا لقواعد العلم لا لكي تنتج مركبات صناعية مادية كما يفعل العلماء بالمختبرات ولكن لإنتاج لوحات وأعمال فنية هدفها المتعة والمعرفة على حد سواء، وقد درس محمود صبري فيزياء الكم بعمق وفهم العالم والأشياء من خلالها، وقرأ تاريخ الفن من خلال تاريخ العلم وليس بمعزل عنه كما يفعل الأدباء والفنانون التقليديون. وتسعى واقعية الكم كطريقة تفكير إلى إلغاء الحاجز بين الفن والعلم، باعتبار أن النشاط الإبداعي للإنسان متشابه في العلم أو الفن. وخير مثال على لوحات هذه المرحلة هي لوحة «الماء» H2O حيث يمثل الفنان الأطوال الموجية اللونية لجزيئة الماء المتكونة من ذرتين من الهيدروجين وذرة أكسجين بدقة بالغة. وكذلك لوحة «هواء»، حيث يتداخل اللون الأصفر والبنفسجي بترتيب هندسي عمودي ومائل في إشارة إلى عنصري النيتروجين N والأكسجين O2 وفي زاوية اللوحة اللونية نرى الأحمر وخطين من الأزرق والأخضر في إشارة إلى بخار الماء وثاني أوكسيد الكربون وبقية العناصر التي تكون هذه الجزيئة.

لوحة «دراسة لحركة ذرة الهيدروجين» وهي تخطيط بالحبر على الورق تمثل شبكة خيوط رسمت وشكلت، ترابطت وانفكت بحركة مستمرة مذهلة أثارت إعجاب المتلقين، وكانت بحق بؤرة إبداع في مسار واقعية الكم.

شهد حفل افتتاح المعرض حضور الكثير من الأدباء والفنانين العراقيين وأصدقاء الفنان وكذلك ابنته ياسمين التي قالت إن أباها واصل نشاطه الفني حتى آخر أيامه بالرسم وتطوير نظريته ورؤيته لمهمة الفن في ضوء التطورات الجديدة التي حصلت في مجال العلوم والفيزياء، فقد كان فكره متوقدا وظل منتجا برغم معاناته من المرض والشيخوخة.

ترافق المعرض مع عدد من المطبوعات عن الفنان ومحاضرتين بالإنجليزية إحداهما للفنان ساطع هاشم تضمنت جولة له في المعرض ووقوف عند كل لوحة من لوحات المعرض والإجابة على أسئلة الزائرين.

ومحاضرة ثالثة بالعربية تناولت تجربة محمود صبري وعرض أفلام وثائقية مسجلة له وعنه.

محمود صبري رائد آخر سبق زمانه وفتح الباب لفن مختلف يستلهم العلم ويحاذيه جماليا ومعرفيا بعد أن وصل بواقعيته الساحرة إلى آفاق إبداعية ميزته عن مجادليه، وهو يقارب ليوناردو دافنشي عندما حول الأخير مخططات الجسد البشري والآلات الميكانيكية إلى لوحات فنية.

الشرق الاوسط


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 900


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة