الأخبار
منوعات سودانية
جزيرة أم أرضة، جبل أولياء... «فلاشباك» (الحلقة السادسة)
جزيرة أم أرضة، جبل أولياء... «فلاشباك» (الحلقة السادسة)



حرب الأنهار أو «أنا وسيلفيا الهولندية»
07-28-2013 08:42 AM
رواية : حرب الأنهار أو «أنا وسيلفيا الهولندية»
جزيرة أم أرضة، جبل أولياء... «فلاشباك» (الحلقة السادسة)
محمد جمال: 1-6
بينما كنت شارد الذهن أحدق ناحية مجرى النهر باغتتني السيدة سونيا .
سونيا إمرأة لطيفة في السبعين من العمر متزوجة من مستر خيرد ريف ويعيشان «أربعون عامآ» معآ في بيتهما الوادع في مدينة آرنهم على الضفة الأخرى من نهر الراين تمامآ في مقابل شقتي وشريكة حياتي سيلفيا، إذ يستطيع الواحد منا أن يرى الآخر من البلكونة وعبر النوافذ، فعرض النهر من تلك الناحية لا يتعدى ثلاثمائة متر فقط . منذ عشر سنوات بقيا (سونيا وخيرد) لوحدهما تمامآ بعد إنفضاض بنتيهما عنهما كما ولدهما الوحيد، فذهب كل واحد منهم في شأنه، ولو أنهم يزورون والديهم في المناسبات المختلفة وكلما سنحت الفرص وهي ضئيلة وتلك حالة طبيعية في هولندا تمثل دورة من دورات حياة جميع الناس تقريبآ , في مثل تلك الأحوال كثيرآ ما يشعر الإنسان بالوحدة والوحشة لكنه غالبآ يفعل ما بوسعه في تبرئة مشاعره الإنسانية القلقة من ضمن ذلك محاولة التواصل والتحدث مع الآخرين كلما سنحت الفرص. ذاك بالضبط ما تفعله سونيا أصالة عن نفسها ونيابة عن شريك حياتها الأزلي مستر خيرد والذي لم تهبه الطبيعة أي ذكاء إجتماعي يؤهله إلى المبادرة بالتواصل مع البشر الآخرين على النقيض من شريكته سونيا
بعد عودتنا أنا وسيلفيا مباشرة من رحلة عمل في مدينة هانوفر الألمانية كنت لبعض الوقت على غير وفاق مع سلفيا «متشاكلين» فترجلت عند احدى الأصائل إلى الضفة الأخرى من النهر عبر كوبري نيلسون مانديلا المحاذي لمنزلنا. جلست بتلقائية على أريكة خشبية مقامة على ضفة النهر، وشرعت أتأمل الموج الأزرق الرقيق أحاول إستعادة توازني النفسي، بينما أشعر بأن سيلفيا على لطفها ورقتها فهي إمرأة شرسة ولا تطاق وخطر لي للحظة أن تلك الوشائج القوية التي أشعرها تربطني وسلفيا ما هي إلا وهم!. وظللت أحادث نفسي متأرجحاً بين التفاؤل والتشاؤم أو بالأحرى كل شيء كان مشوشاً ومرتبكاً في خاطري ولا أستطيع تحديد هوية مشاعري في تلك اللحظة بالدقة التى تمنيتها ولا أعرف ماذا أفعل !
في ذاك الأثناء أنتبهت بغتة على صوت إمرأة عجوز لا أعرفها من قبل تقف أمامي تحييني وتعرفني على إسمها وتكرر ذاك عدة مرات حتى أستيقظت من نوبة غيابي تلك فرددت التحية بمثلها و قلت بإسمي في بعض دهشة معرفآ نفسي بضيفي الذي فرض ذاته على خلوتي بلا مقدمات. إنها السيدة سونيا !
أصبت لوهلة بالضجر من إقحام تلك المرأة العجيبة نفسها على خلوتي المتعمدة. لكن سونيا لم تيأس أبدآ مني وظلت تتحدث إلي دون أن تعير تذمري الصامت أي عناية وأنا أعلن لها شرودي متذرعآ بتأملي لإنسياب النهر من أمامنا .
لكنني فجأة أنتبهت على جملة نوعية من حديث سونيا الكثير الذي لم أسمع منه إلا القليل، حين قالت: «أنا واثقة أنك ستحب آفيا «عافية» وهي ستحبك». ورددت مرتين: «أنا واثقة أنها ستحبك وأنت ستحبها»!. وواصلت وأنا كلي إنتباه هذه المرة: «إنها لطيفة وجميلة ولونها مثل لونك تمامآ، بني، نحن كلنا نحبها». وشرحت لي أن «آفيا» كإسم في أصله الهولندي يعني «كائن ساحر خرافي» غير أنني سمعتها «عافية» إسم البنات السوداني الشهير... لم أكن حينها لأهتم أو أفكر كثيرآ !
عندها ضحكت بشهية وأجبت تلك المرأة بالنفي أنني لن أحبها أبدآ «عافية» لأنني مرتبط فعندي شريكة حياة إسمها «سيلفيا» وظللت لوهلة أتكلم دون أن أتيح لسونيا أي فرصة للحديث وأشرت بيدي اليمنى إلى جهة بيتنا في الضفة الأخرى من النهر ... وآنئذ أصبت بموجة شوق عارمة موصولة برزمة حزن شفيف إلى حيث تكون حبيبتي «سيلفيا»... وشعرت بشيء فظ يكلل دواخلي وكأنه الخيانة لكنه ليس بخيانة وكأنه العار ولكنه ليس بعار !...
فاستأذنت ضيفتي بشكل مباغت في الرحيل... وعندما هممت بالنهوض فإذ بصوت رجل في لباس النوم المعتاد يلوح لي بيده محيياً وموادداً من أعلى بلكونة تقع من فوقنا مباشرة فقط بعدة أمتار. إنه مستر خيرد شريك سونيا. وعندها شرعت سونيا بتلقائية مدهشة تشرح للسيد أشياءاً غريبة عني وكأنها وجدت لقية ثمينة «هاملة» في شكل سمكة صغيرة برونزية اللون داكنة لفظها النهر للتو على شاطئه الرملي على حين غفلة من سرمديته... فأشار السيد بيده في جدية يقول: «لحظة، اتظرني!»... ثم هرع إلى الأرض يحييني مجدداً وبشهية ويرجوني بإلحاح شديد الدخول معهما، إلى بيتهما، وهو ممسكآ يدي اليسري بقوة وكأنني سأهرب منه... ففعلت .
2-6
يقولون أن المصران العصبي هو مرض العصر. وهو مرض غير معد غير عضوي وإنما وظيفي ويمكن أن ينتقل عبر الوراثة وهناك من يقول أن الناس المرهفين وحساسي الشعور أكثر عرضة للإصابة بالمصران العصبي من غيرهم «مقولة رهن الإدعاء العلمي» وإلى حين إشعار آخر.
وحسب إحصاءات ما رسمية فإن عشرة بالمئة من سكان الإتحاد الأوروبي وخمسة عشر بالمئة من الأمريكان مصابون بالمصران العصبي وفي رواية أخرى فإن خمس سكان الكرة الأرضية مصابين بهذا الداء. ولا أعرف نسبة عدد المصابين بالمصران العصبي في السودان لكنني أعرف شخصآ واحدآ معرفة جيدة جاء من بطن أمه «ولد» مصابآ بالمصران العصبي وهو الشخص الذي يحدثكم الآن «أنا».
لم يعد إسمه العلمي المتداول الآن «المصران العصبي» كما كان يعرف في الماضي فتلك تسمية خاطئة تهون من أمر هذا الشيطان اللعين وتفترض فيه إصابته للمصران الغليظ فقط، لا، لقد ثبت خطأ تلك الفرضية وأصبحت الآن كلمة «مصران عصبي» مجرد إسم دلع للوحش اللعين الذي أخذ إسمه الذي يناسبه قبل أعوام قليلة خلت وهو:
Irritable Bowel Syndrome (IBS)
متلازمة الأحشاء المتهيج «آي بي إس» أي كل الأحشاء وليس المصران الغليظ فحسب بما في ذلك اللسان. وأهم شيء يفعله هذا ال «آي بي إس» إنه يحول حياتك إلى جحيم «حرفيآ» وهو بالضبط مثل جنهم كما جاء وصفها في الكتب المقدسة إذ هي تعذبك أشد العذاب لكنها لا تقتلك ولا تحييك ولا تتركك وإلى الأبد، كذلك هو ال»آي بي إس». إذ لا دواء له ولا تلوح في الأفق أي آمال في علاج فعال وحاسم كون المرض مخادع جدآ إضافة إلى كونه ليس من أولويات الطب في الوقت الراهن لأنه لا يعد من الأمراض الخطيرة «بعد هذا كله»!. «!.
ومن متلازماته الحتمية أوجاع دائمة في كل الجسد، كل الأعضاء، وتوتر عال ودائم للعقل والشعور والوجدان وتأرجح بين السعادة والحزن والحسرة والتفاؤل والتشاؤم وسوء التركيز لكن مرة ثانية حسن التركيز «تركيز ذهني وروحي عال جدآ»!. هو كل المتناقضات الممكنة والمزيد بحيث يفوق الخيال في الوصف!.
إذ له محاسن قليلة ومساوئ لا حصر لها غير أن من أهم محاسنه الحاسمة هو أن المصابين بالمصران العصبي أقل قابلية للأمراض المعدية من غيرهم كون الجسد يكون على الدوام في حالة إعلان طواري فيبقى جاهزآ يدمر في غضبة هوجاء أي كائنات غريبة محتملة ترغب في سكنته.!.
لكن بعد، للمصران العصبي لوثة غريبة المنطق وكأنها الجنون .
وعلى أثر تلك العلة الخرافية وربما علل أخر كثيرآ ما نظر لي بعض الناس من حولي بطريقة غير عادية وربما نمطوني حسب ما تراءى لهم من سلوكي المنظور وأفعالي الظاهرة بأوصاف مثل : درويش، مجذوب، ما مركز، فيلسوف، مودي «مزاجي» وذكي بدرجة خارقة للعادة ومركز بطريقة دقيقة إلى درجة الإزعاج .
ولكن لأمي العزيزة على الدوام رأي آخر اذ تري ولدها معيون، مسحور... مصاب بالعين . وكانت كثيرآ ما تقول بأناس محددين تتلبسهم التهمة من أهمهم إمرأة خالي «المسكينة» التي تسكن بالجوار. ولهذا كل طفولتي وصباي كنت في عيادة «الفكية» والشيوخ من أجل العلاج الروحي وفي بعض الأحيان يقرأ لي أبي وحده التعاويذ تحت إلحاح أمي فهو بدوره وارث.
فأستهلكت قدرآ كبيرآ من البخرات والمحايات وسلسلة غير محدودة من التعاويذ ولبست رزمآ من التمائم والحجبات المضادة للسحر والعين وكان كله خيراً ومجدياً بقدر ممتاز و كافيآ لطمأنتي ولو لبعض حين كما على المستوى البعيد أشعرني كل ذاك الإهتمام بأهميتي كإنسان وبقيمة الإنسان على وجه الإطلاق
لا أحد كان يعلم أنني مصاب بالمصران العصبي حتى تم تشخيصه وأنا في الصف الأول من المرحلة الجامعية
لكن هل ذاك هو الأمر والقصة أنتهت؟ ... لا للأسف . ليس بعد... ولو أنني في البدء حسبتها كذلك «أنتهت» من حيث العلم بالشيء ووضعت كل متاعب الماضي على المصران العصبي اللعين « المسكين». لكن هناك أمر آخر لا يقل تعباً وغموضاً وتعقيداً عن المصران العصبي سيأخد إكتشافه عقد قادم من الزمان. حيث جئت إلى هولندا موطني الحالي وتحديداً في اللحظة التي ألتقيت عندها سونيا ومستر خيرد وقطتهما الوديعة «عافية». عافية التي أحبتني بشدة بالضبط كما توقعت سونيا وقفزت إلى حجري أول ما دخلت بيت أصدقائي الجدد. عافية لم تكن بشيء غير قطة صغيرة مدللة في السنة الأولى من عمرها وتنطق بالهولندية «آفيا» وتكتب
Aafje
غير أن «عافية» مثلت عندي نقطة تحول جديدة في حياتي فأنكشفت لي عندها حقيقة جديدة «موروثة» بدورها مثلها والمصران العصبي... يا لجهلي بذاتي .
3-6
أصبحت أتردد على منزل «سونيا/خيرد» لعدة أسابيع وكنت محل إحتفائهم العظيم وجعلوا مني حدثآ من أحداث حياتهم اليومية . وأصبحت سيلفيا بدورها صديقة لأسرة سونيا وكنا كثيرآ ما أجتمعنا في الأمسيات حول مائدة الطعام في ود وحميمية. ولاحظت سيلفيا شيئآ ما، أسعدها وشجعها أكثر وذاك أن لغتي الهولندية بدأت تتحسن كوني أجدني مضطرآ للحديث مع سونيا وخيرد باللغة الهولندية كونهما لا يجيدان التحدث بالإنجليزية بينما أتحدث كل الوقت مع سيلفيا بالإنجليزية والسر في ذاك أنني أعتبر سيلفيا شريكة حياتي لا أستاذتي وعندما أتحدث معها الهولندية نصبح غير متساويين في المقدرة على التعبير عن رؤانا ومشاعرنا فسيلفيا بالضرورة تتفوق علي في التعبير عن أشيائها إذا ما بدأنا الحديث بالهولندية كون تلك لغتها الأم بينما أصاب أنا بكثير من العجز وأشعر بالبؤس وحلآ لتلك المعضلة فقد قررنا أن تكون لغة التخاطب الرسمية بيننا في بيتنا هي اللغة الإنجليزية أو هو ذاك الشرط الذي فرضته على سيلفيا في الشهور الأولى من عيشنا المشترك فرضخت له وهو أمر لا يخلو من بعض الواقعية وربما الحكمة .
كان كل شيء يبدو جميلاً وجميعنا سعداء «أنا وسيلفيا وسونيا وخيرد» وبدأنا نمثل أسرة كبيرة سعيدة شكلها القدر بلا مقدمات وبلا مقاصد موعية. و لا ننسى أن هناك فرد هام جداً من أفراد الأسرة هو القطة «عافية» فهي لا تقل أهمية لدى سونيا عن أي واحد منا وتعتبرها مثل بنتها الصغيرة تمامآ وتكن لها من الحب والعطف والحنان قدراً لا يمكن وصفه. وكانت عافية بدورها سعيدة وأصبحت لصيقة بي كوني أدللها وأحك لها ظهرها وألعب معها كلما سنحت الفرص. كنا سعداء بحق
غير أن هناك أمر بدأ يقلق الجميع وهو «أنا»!. أصبحت كلما أدخل منزل سونيا وخيرد أصاب بلوثة غريبة دون أن أتعرف على أسبابها لبعض الوقت شعرتها منذ الأيام الأولى لكنها بدأت تتطور بشكل أكثر عنفآ ووضوحآ. أنفي تحتقن وتسيل وعينايا تدمعان وأشعر بحكة فيهما وكل جسمي يتحول إلى أكزيما وشرى. وفي حالات اليأس الكبرى أشعر بأنني أود أن أجرى وأصيح في الشوارع كالمجنون
حاولت جهدي في البداية أن ألتزم بأقصى درجات الصبر كما الإتكيت لكنه مستحيل..الأمر مستحيل.. أنا مريض.. ذهبنا أنا وسيلفيا إلى طبيبي المنزلي الخاص فشخص الحالة على أنها آنفلونزا. غير أن وصفته العلاجيه لم تجدي وفي النهاية توصلت سيلفيا من تلقاء نفسها إلى نتيجة مفادها أنني ربما عندي حساسية من نوع من أنواع الزهور التي يعج بها منزل سونيا وخيرد من واقع تجارب ذاتية سابقة لها إذ كثيراً ما تصاب بحساسية في العيون جراء تعرضها لمواد طبيعية أو صناعية محددة فقررنا أن نحجب أنفسنا قليلآ عن زيارتهم في منزلهم ونرى النتيجة ... ففعلنا ... ولم أصب بتلك الحالة من جديد!. حتى جاء يوم من الأيام فقررا سونيا وخيرد الذهاب في نزهة صيفية لمدة إسبوع إلى منتجع يقع جنوب هولندا فجاءا لنا بعافية صديقتي إلى منزلنا على أمل أن نقوم «أنا وسلفيا» برعايتها في أيام غيابهما.. ففعلنا
في تلك الأثناء عاودني المرض من جديد وبشكل أعنف وأشد ووصل مرحلة تشبه الربو الحاد. عندها تأكد لسيلفيا أن الأمر ليس زهور ولا أنفلونزا وإنما ربما أنا أعاني من حساسية مفرطة من القطط. وتم لقاء الطبيب الأخصائي فقام بزراعة الدم معمليآ وثبت الأمر الذي قالت به سيلفيا أن لدي حساسية نسبتها مئة بالمئة من القطط والكلاب و»أشياء أخرى». فقد كنت أعاني مثل تلك المشاكل والأعراض منذ الطفولة كون أسرتي على الدوام تملك عددآ من القطط والكلاب وأشياء أخرى لكن لا أحد إستطاع ابدآ معرفة الحقيقة قبل سيلفيا وعافية. وربما كان السبب أن عندنا في أم أرضة المساحات مفتوحة على الفضاء دون كثير جدران والحياة في هولندا معظم الوقت تكون بين جدران مغلقة مما يجعل المواد المثيرة للحساسية أكثر فاعلية !
Flashback نظرة في الماضي
جزيرة أم أرضة وأنا وأمي والحيوانات الأليفة والأخرى المتوحشة والنيل والشجر والرجل الغريب الميت الذي كان يشرب معنا الشاي باللبن !
وأبي . كان دائمآ هناك، لكنه قليلآ ما أعلن عن وجوده المادي. فهو مثل الآلهة يفعل الأشياء كلها لكنه لا يرى بالعين المجردة إلا حينما يقرر هو ذاته الكشف عن ذاته!. وكان يستقبل الرجل الغريب الميت عندما يزورنا ويقدم له الشاي باللبن !
4-6
جزيرة أم أرضة تقابلها جزيرة أخرى صغيرة موسمية «رفيدة» من ناحية الغرب. . مسافة من الفضاء المفتوح على الأفق. مسافة عذراء في خضرتها وهدوءها المهيب . أم أرضة على وجه العموم هي الأرض الواقعة شمال شرق جبل أولياء جنوبي الخرطوم محاذاة الضفة الشرقية للنيل ، بداية بالسليكاب من ناحية الجنوب نهاية بالعسال من ناحية الشمال. وجزيرة أم أرضة هي الأرض الواقعة غرب أم أرضة مباشرة تمتد بقدر إمتداد أم أرضة تمامآ بالمسطرة. صدفة مدهشه . حوالي ثمانية كيلومترات مربعة !.
وأخذت الجزيرة إسمها «أم أرضة» رسميآ في العهد الإنجليزي بحسب روايات غير مؤكدة تماما. وأم أرضة في اللغة مرجعيتها في حشرة الأرضة التي كانت تعج بها هذه المنطقة في أزمان غابرة. معظم أراضي الجزيرتين مملوكتين بالتمام والكمال عبر كل التاريخ المعلوم لجدي من طرف أبي و جدي الآخر من طرف أمي، وآل إلينا التوريث «الورثة» في الختام دون كثير من الوارثين عبر المثابرة. كما إنها الأقدار!. كلها كانت أقدار.
رفيدة جزيرة موسمية شبه ميتة منذ زمن طويل، فقط تغطي سطحها الطحالب الخضراء وتستطيع أن تتبين المشهد بمنتهى الوضوح وأنت تقف منتصف خزان جبل اولياء وتنظر ناحية الشمال حوالي ثلاثة كيلومترات وعيناك على مجرى النهر.
جزيرة «أم أرضة» هي الأكثر أهمية كونها جزيرة دائمة وغنية وتعج بالحياة المائية والبرية ويتم إحياء عدة مشاريع زراعية مروية فوق أرضها من وقت إلى آخر وأول مشروع زراعي كبير حدث كان في أربعينات القرن الماضي وهو مشروع «حسب الرسول صاحب الوابور» أنتهى ذاك المشروع الزراعي الأول من نوعه في أوائل السبعينات فأصبح أثراً بعد عين وتتالت المحاولات بشكل مستمر، فاشلة/ ناجحة. غير أن هناك أسرة صغيرة ظلت على الدوام وفي كل الأحوال والظروف تقيم على أرض جزيرة أم أرضة كل الوقت وعندها على الدوام زراعتها الخاصة مستقلة بذاتها على مر الزمان هي : «أسرتي الصغيرة».
في تلك الجزيرة «أم أرضة» قدرت الأقدار وما شاء الله فعل أن أولد وأعيش هناك كل أيام طفولتي معي أمي وأبي وحدنا (أشقائي الكبار بالمدرسة في القرية البعيدة والصغار لم يولدو بعد) كما عشت هناك كل مراحل صباي وحتى المرحلة الثانوية العليا . لا يوجد كائن غيرنا جل الوقت و لمسافة عدة كيلومترات. لا أحد غيرنا.
لكن في الحقيقة فنحن لسنا وحدنا هناك أمم من المخلوقات أمم لا حصر لها من الكائنات الحية، لكن ليس من ضمنهم البشر. أمم من النمل والحشرات الملونة والطيور «الوز،القطا، القمري، البلوم، الزرزور، القدالي، البوم ،الرهو، أم قيرادون، السقد، وأبو سعن» والأرانب البرية والسناجب والفئران والثعالب «البعشوم» والثعابين والعقارب وأمم أخرى مختلفة لكنها لا تقل صخبآ: الأشجار «السنط، الطلح، السيال، الهجليج والحراز».
وكان بيتنا يقع على مرمى حجر من شاطيء النهر «البحر» الذي بدوره يشتعل بالحياة من أسماك وثعابين مائية وضفادع وتماسيح وطحالب وعشب البحر و شرانق وأنواع عديدة من المحار. وهنال صخب الموج وهزيم الرياح وزلزلة الأرض الخصيبة من تحت أقدامنا.
وذاك ليس كل شيء، هناك المزيد!: السماء والآفاق المفتوحة على صفاء النجوم الساطعة مرة وسطوة القمر مرة أخرى حينما تتوارى الشمس الفتية عن الأنظار مخلفة من ورائها عند لحظات وداعها الأخيرة حسرة على الوجود في مشهد قاني يكلل السماء من جهة الغرب، كان أبي يسميه « الشفق» ويصلي من بعده صلاة المغرب وينام «ننام جميعنا» ووجوهنا قبالة المجرات التي تكاد تزهق الأبصار.
ولم أكن أنا أشعر بشيء غير أنني جزءآ لا يتجزأ من تلك الوقائع اليومية و العادية «الطبيعة « إذ أنني ككل الأطفال في مراحل العمر الأولى لا أفرز ذاتي من المحيط (لا وعي موضوعي) حتى إذا ما جاء وقت وقرصتني «نملة» قرصة مؤلمة على حين غفلة في شفتي السفلى بدأت أتعلم أن كل تلك الأشياء ربما كانت ليست أنا!. ثم بعد حين لدغتني عقرب فكانت بالطبع أشد ألمآ مع أن عقرب النيل ليست مفرطة السم «ليست قاتلة» لكن بالطبع أصابتني بألم ممض لا أنساه طوال حياتي. وقليلآ وتعلمت أنني أنا هو أنا، أنا لست تلك الأشياء من حولي!. كان إكتشافآ مباغتآ وخطرآ وممتعآ: «أنا» !.
أنا في مواجهة الآخر والطبيعة، فأصبحت عدواً بشعاً وماكراً للحشرات الصغيرة أقتلها كل ما حانت الفرص وللأشجار الصغيرة الغضة أقتلعها من الجذور وأصبحت من الناحية الأخرى ممتلئاً بالخوف والذعر من عدد من الكائنات التي أتصورها مؤذية وقاتلة بما في ذلك كائنات خرافية مثل ود أم بعلو والغول والسحار، كائنات لا قبل لي بها غير أنني ألوذ بأبي وأمي وبعد حين من الدهر تعلمت أن هناك قوة أخرى يستطيع المرء اللجوء إليها عند الخوف والمحنة، هي: «الله».
كان بيتنا الصغير المفرد يقع بالضبط في قلب كل تلك الفوضى الحقيقية والمتخيلة وبدا كمحمية طبيعية «إصطناعية» لمخلوقات نادرة على شفير الإنقراض هي: أنا وأمي وابي.
وهناك قبر الرجل الغريب الميت الذي يسكن تحت الأرض عدة أمتار من دارنا وهو بدوره حدث من أحداث طفولتي وصباي وكثيرآ ما نظرت له كأحد أفراد الأسرة كونه الكائن الوحيد «البشر» الذي يسكن بالقرب منا بالرغم من موته الذي لم يمنعه من أن يشرب معنا الشاي باللبن!. إنه الرجل الغريب الذي جاء بجثته تيار النهر في يوم من الأيام إلى شاطئ دارنا فحمله أبي إلى البيت ففعل به الشعائر المقدسة كلها ودفنه هناك وفق شريعته دون أن يعرف له أحد شريعة «الرجل الغريب الميت».
تلك المحمية الطبيعية محروسة بعدد من الكلاب الوفية ذات الدربة العالية والقطط الوديعة. مهمة القطط الأساسية هي حماية الدار من الفئران والعقارب والثعابين. وأما الكلاب فليس من مهامها الحتمية حماية البيت من اللصوص، لا، هذا وهم!. لا يوجد لصوص. أو بالأحرى لا يوجد لصوص يسرقون منا. كل لصوص المنطقة المجاورة أقرابئنا في الدم من الدرجة الأولى. فهم بالطبع لا يسرقون منا. وكثير ما يشربون معنا الشاي باللن عندما تصادف أن مروا بالطريق ويقومون من بعدها إلى أداء أعمالهم في الآفاق البعيدة.
فمهمة الكلاب هي حماية الحيوانات الأليفة التي تعج بها ساحات دارنا من البعشوم كما أنها تشتغل كإنذار مبكر بالنسبة لأمي عندما يحدث أن يكون في مرة من المرات النادرة هناك ضيف قادم من البعيد فتقوم أمي إلى لبس ثوبها بإستعجال فهي تعرف وتميز صوت الكلاب عند كل مقام بل وتستطيع أن تتعرف على عدد الضيوف القادمين من البعيد قبل أن تنظر إلى الآفاق.
وعندما يأتي إلى دارنا ضيف ما، يكون حدث جليل بالنسبة لي، فغالبآ ما يصبح الضيف أحد أهم ألعابي وحتى ينقذ نفسه بالرحيل. وعندما يرحل أرجع من جديد لألعابي التقليدية المبتكرة: أربط «أبو الدنان» في خيط وأدور به في فضاء الدار المفتوحة على الآفاق حتى إذا ما خارت قوته أجلس به على الأرض فأقص جناحيه لأجرب إن كان يستطيع أن يطير بغير جناحين أم لا، فلا يفعل، فأقص رأسه لأجرب إن كان سيموت أم لا، فيموت، وهكذا دواليك.
وألعب بالتراب والطين. أصنع طائرات وأحلق معها بخيالي في الفضاء متنقلآ في خاطري بين بلدان لا أعرف لها أسماءآ ولا أشكالا.
صنعت مرة جيشين عسكريين من الطين ووضعتهما في صفين متقابلين وأدخلتهما في جولة ساخنة من القتال «الحرب» فماتوا جميعآ «قتلتهم» فشعرت بزهو غريب وكأنني أحي وأميت!. الحرب؟!. لا أدري كيف ومن أين جاءتني تلك الفكرة اللعينة!.
يبدو أنني لا بد أن أكون أصيلآ و مبتكرآ في ألعابي إذ أنني ألعب وحدي لا أحد معي وأصنع ألعابي بنفسي لا احد يساعدني. غير أن أهم لعبة كنت أفعلها وهي أرخص ألعابي على الإطلاق وأكثرها وفرة، هي اللعب مع «الكلاب والقطط».
5-6
منذ السنة الثانية من عمري أصبح عندي فراش نومي الخاص إسمه «العنيقريب» تصغير عنقريب صنعه لي أبي بنفسه وكان طوله وعرضه يناسباني تمامآ . وقيل أنني طالبت بنفسي أن يكون لي فراش نومي المستقل أسوة بأبي. غير أنني عندما بلغت الثالثة من العمر حدث أمر مختلف!.
أصبحت لبعض الوقت لا أستطيع النوم وحدي على فراشي «أخاف» لا بد أن أنام بجانب أبي أو أمي. والسبب أنني سمعت مرة أمي تحكي عن «البعاتي» وروت عن جدتها قصة خرافية. ذاك أن أحد الناس في أزمان غابرة قام من الموت وأصبح يأكل الأطفال الصغار بالمعنى الحرفي للكلمة. ومذ تلك اللحظة بدأ يتهيأ لي أنني رأيت الرجل الغريب الميت يخرج من قبره ويتجه ناحيتي وأقسمت لأبي أنني رأيته عدة مرات وأن أبي ذاته قدم له مرة الشاي باللبن فشرب الرجل كأسه وذهب إلى قبره فنام ولم يأكلني تلك الليلة!..
وعندما علم أبي أن أمي روت في حضوري تلك القصة المرعبة عن قيامة الموتى في هيئة بعاعيت يأكلون الأطفال الصغار أنبها بشدة على ما فعلت وأخبرني بالحقيقة التي يؤمن بها أن الموتى لا يقومون من قبورهم أبدآ إلا يوم القيامة ووصف لي أمي بالجاهلة والأمية وكررها عدة مرات وشرح لي بدقة كيف أن أمي لا تعلم شيء!. فقنعت بالروايتين أن الموتى لا يقومون من نومهم وأن أمي جاهلة ولا تعلم أي شيء. وأن أبي وحده هو الذي يعلم كل شيء وعلي أن أسمع كلامه هو وحده لا أحد غيره وأخذ معي الأمر كثير من الوقت لأعدل عن فهمي ذاك وأصل إلى نتيجة مفادها أن « أمي ليست بالضرورة جاهلة» . ومذ قول أبي ذاك بجهل أمي كانت العلاقة على الدوام بيني وأمي يشوبها سوء التفاهم وكنت أشك في كل أقوالها وأفعالها ولا أنفذ أوامرها أو طلباتها إلا مكرهاً أو مضطراً وحتى بلغت بعض الرشد فتعلمت معان للحياة جديدة.
ولو أنني أظن الآن، أن تلك الحدة التي قابل بها أبي رواية أمي الخرافية يبدو أنها ضرورية في سياقها إذ أتت أكلها في الحال وأصبحت بعد عدة أيام أنام في فراشي لوحدي كالعادة وحتى اليوم دون خشية من البعاتي.
حاولت أمي الدفاع عن نفسها بأنها ليست السبب بالضرورة في موجة الرعب التي تملكتني تلك الأيام مذكرة أبي بنوبات غريبة ومفاجئة من الرعب غير المسبب تحدث لي في السابق فأهرع إليها ممسكاً بيديها أرجوها أن تضمني إليها وجسدي كله يرتعد وأنفي تسيل وعينايا تدمعان بينما أحك «أهرش» جسمي كله بكلتا يديي وذاك يحدث بين الفينة والأخرى وعلى الدوام قبل وبعد قصة البعاتي تلك الشهيرة. وكان تفسير أمي على الدوام أنني معيون «مسحور» وقد صدقت في أن أمري غريب كونها ذهبت بي للطبيب في السابق عدة مرات فوجد أنني صحيح الجسد مئة بالمئة وقد صدق.
وكان أبي يقرأ على رأسي التعاويذ دون أن يكترث كثيرآ بفحوى الامر وكان إحساسه صادقاً في أن لا شيئاً خطيرا. وتذهب بي أمي إلى الشيوخ فيخبرونها أحيانًاً بأن إبنها غير طبيعي وقد صدقوا.!.
وبالرغم من كل ذاك فقد كانت أمي ذكية ما فيه الكفاية لتكشف بنفسها أنه ربما كان لي مشكلة مع القطط «الكدايس» التي تشاركنا الدار، من جراء حسها السليم، ففسرت الأمر على طريقتها الإسطورية أن ربما كان في القطط شيطان، فقررت في لحظة بعينها الخلاص من جميع القطط بمنزلنا. لكن دون أن تستطيع أن تفهم أنني مصاب بحساسية ضد الحيوانات (فقط الكلاب والقطط لا غيرهما من الحيوانات). ذاك أمر غير مستطاع في أوانه. لا بل الطبيب نفسه لم يستطع تشخيص الحالة بطريقة سليمة ولمدة عشرين عامآ تالية حتى تصادف أن جئت إلى هولندا وألتقيت سونيا وقطتها عافية. وحتى في تلك الحالة أخذ الأمر بعض الوقت كي ينجلي تمامآ وأتعرف على إسطورة جديدة من أساطير حياتي الصغيرة
6-6
الرجل الغريب الميت
وجد أبي مرة جثة رجل غريب طافية على شاطي النيل قبالة منزلنا من ناحية اليسار. كانت الجثة واهنة ومتحللة وهناك ثقوب في البطن وفي الظهر والأفدح من ذلك أن الأنف والشفتين كانتا مفقودتين كلية بفعل ما يبدو وكأنه إعتداء أسماك أو كائنات نيلية صغيرة على جسد الغريق، مما جعل الناس الذين تدافعوا من القرى المجاورة إلى حيث الجنازة يتفحصون جسد الغريق بأعينهم المذعورة كثيرآ خشية أن يكون أحد منهم أو شخص ما يعرفونه فلا يستطيعون الوثوق من شيء. تحلق الرجال بجلابيبهم البيضاء حول الجثة من كل ناحية وصوب ومن خلفهم النسوة يبكين الميت في ذعر بين دون أن يتأكدن من هويته وكان الأطفال يتسللون في تلقائية من بين المناكب المتدافعة إلى حيث مكان جثة الرجل الغريب الميت. كان مشهدآ مهولآ من الفوضى و الرعب.
لقد وصل الخبر في لمح البصر إلى كل مكان في البلدة وإلى البلدات المجاورة وربما أبعد من ذلك بكثير. كان الخبر يزحف ناحية الصعيد «الجنوب»، ناحية تيار الماء الذي جاء بالجثة إلى هنا. إلى حيث منزلنا بجزيرة أم أرضة. ظن كل الناس وجزموا أن الغريق قادم من الصعيد، إنه الإحتمال الذي يشبه وقائع الطبيعة ليس إلا!. فليس من المستبعد أن يكون الغريق ذهب إلى الصعيد بمركب شراعية وعاد محمولآ على تيار الماء ناحية أهله في السافل «الشمال» بعد أن تسببت كارثة ما في غرقه. ربما أنتحر، قتل نفسه عمدآ، لا أحد يستطيع أن يجزم بشيء ما أي كان!.
قفل الناس راجعون من حيث أتوا في سرعة البرق يتفقدون ذويهم ويعلنون خبر الجثة التي جاء بها إبي إلى منزلنا ووضعها على طاولة خشبية كبيرة في صحن الدار بعد أن غطاها بعمامته البيضاء في إنتظار ما تسفر عنه الأنباء.
بعد يوم كامل من البحث في كل أرجاء القرى المجاورة تبين جليآ أن الغريق ليس من هنا. ليس من البلدة ولا البلدات المجاورة. إنه رجل غريب. في حوالي الأربعين من عمره. الأمر الوحيد الذي أستطاعه أبي هو تقدير عمر الغريق من تمام أسنانه وتناسقها وبياضها. كان من المستحيل تحديد أي هوية محتملة للرجل الغريب الميت. لا أحد يستطيع تخمين قبيلته أو عرقه كون أهم محددات الهوية العرقية مفقودة وهما الأنف والشفتين. كما أن لا أحد يستطيع أن يتعرف على دين الرجل أو أخلاقه كون ذاك أمر غير مستطاع.
والأدهى من ذلك كله قيل أن أحد الرجال الموتورين شك في أن الرجل الميت ربما كان من رهط الأعداء القبليين، فقالها علانية في وقاحة تضاد أي وقار محتمل لمثل تلك اللحظات العصيبة « هذه السحنة من سحنات قاتلي إبناء عمومتنا في الصعيد». فأنقسم القوم تجاه شكه يعلنون موافقتهم أو رفضهم بغير كلمات، فقط صدرت همهمات كثيرة متشابكة يصعب تحديد مصدرها أو معناها على وجه الدقة. ليس ذاك فحسب، لقد جالت برؤوس القوم الكثير من الخواطر «ربما كان كافرا أو نصرانياً، هناك شعائر مختلفة تجب في حقه»، «ربما كان مجرماً، لصاً أو قاتلاً محترفا» أو «ربما إتهمنا أهله بقتله وطلبوا الثأر». كانت الظنون والشكوك والهواجس تزحم المكان. ولكن بين الفينة والأخرى تتجلى مسافة زمنية صغيرة شاغرة تشع عندها حالة من الصمت الظاهري في لباس الخشوع، حالة هدوء يكذبها صخب الدواخل ولجاجة الضمائر. إنه هدوء مفروض قسراً بواسطة سلطان الموت الجبار.
على أي حال كل تلك الظنون والتخمينات ليست عبطاً أو بلا معنى!. فعلى أساسها سيتحدد عمليا «أين سيقبر الرجل الغريب الميت وكيف ومتى». المقابر مقسمة على أساس قبلي (عرقي) صارم وديني غير قابلين للجدل. لا توجد مقابر خاصة بالأغراب أو البشر الميتين غير محددي الهوية. تلك كانت أول حالة تواجه الناس في البلدة. دار جدال ساخن بين رجال البلد حول سؤال « مكان دفن جثة الرجل الغريب!». كان جله جدلآ عقيمآ وبلا جدوى: .
«أن يدفن جسد الرجل الغريب الميت مثله وأهل البلد فيغسل ويكفن وفق النظام المتبع في العادة، غير ممكن، أن ترجع الجثة إلى مكانها الذي أتت منه خلسه فيحملها تيار الماء إلى شأنها، غير متفق عليه، أن يتم إبلاغ السلطات الرسمية «الحكومية» ويترك لها حق التصرف في الجثة، غير محتمل، كون الحكومة لا تكترث بالأحياء فما بالك بالموتى».
لقد عطب خيال القوم!.
أخيرآ حسم أبي الأمر. كان رجلآ حكيماً ويتمتع بخواص نادرة. أمر الجميع بالذهاب وترك الجثة له وحده «تلك هي لقيتي التي لقيت، أنا أتبنى هذا الرجل الغريب وأعتبره جزءاً لا يتجزأ من أهلي وأسرتي وليس له علاقة بكم ولا بمقابركم». فأنفض القوم بعد بعض لأي جديد. وعند منتصف تلك الليلة وعلى ضوء القمر الخافت الحزين كفن أبي الجثة وصلى عليها وحده سراً، فقط كانت هناك إمرأة واحدة تبكي بغير دموع ولا صوت تقف بجانبه تعاونه في مهمته الحتمية، تلك المرأة هي أمي، ثم دفن أبي جثة الرجل الغريب في العراء بالقرب من بيتنا حوالي مائتي متر شرقي الدار وصنع فوق القبر كتلة من الجالوص وغرز يمين القبر ويساره عصا صغيرة من أعواد السنط . وظل أبي لسنوات عديدة لاحقة ومن حين إلى آخر يذهب إلى قبر الرجل الغريب الميت يقف أمامه يرفع يديه إلى السماء راجيآ له الرحمة ومتمنيآ لروحه السلام. كان يفعل ذلك بصورة دؤوبة حتى رحل بدوره إلى العالم الآخر.
وظللنا أنا وأمي بدورنا نفعل مثله كلما تحين الفرص وربما حتى نرحل مثلما رحلا «الرجل الغريب الميت وأبي». كما شرع كثير من الناس الآخرين يجيئون إلى القبر بغرض التحية على روح الرجل الغريب الميت. يبدو أن الرجل الغريب الميت ظل يفرض نفسه على الواقع كلما مر الوقت. لقد قبله الآن كل الناس الذين رفضوه في البدء كأحدهم، ولو أسكنوه في قبره وحيداً في وحشته الأبدية، وكأنهم الآن يكفرون عن خطيئة ما! . ثم رويداً رويداً أصبح «الرجل الغريب الميت» جزءاً لا يتجزأ من وقائع الطبيعة العادية واليومية كما جزءاً أصيلاً من ألغازها العديدة.).

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1668

التعليقات
#731876 [مجدي]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2013 05:01 PM
تسلسل ساحر للسرد. أتابع بدقة ودهشة!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة