قصة الفن الحديث
قصة الفن الحديث


08-02-2013 04:37 AM



الفنانون، بما لهم من إحساس مرهف، لا بد أن تكون معاناتهم وآلامهم هي الأعظم من بين باقي أفراد المجتمع.




بقلم: محمد زكريا توفيق

لوحة بعنوان 'ارتجال'، رسمها كاندينسكي عام 1912

النصف الأول من القرن العشرين، يمثل فترة اضطرابات وقلاقل عظيمة لم يشهد العالم مثلها في القسوة والبؤس. ما بين 1900 و1945، توسعت الدول الصناعية في مستعمراتها، اشتركت في حربين عالميتين، شاهدت قيام الشيوعية، والفاشية والنازية، وكابدت الكساد الاقتصادي العظيم. شهدت هذه الفترة أيضا، تغيرات جذرية في الفنون. عندما تمرد الفنانون على القواعد الأولية للفن وعلى الصيغ والأشكال النهائية التي تمثله.

مع بداية القرن العشرين، كانت بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، إسبانيا والبرتغال، كل منها لها موطئ قدم في أفريقيا. في آسيا، كانت بريطانيا تحكم الهند، هولندا تتحكم في أندونيسيا، فرنسا في الهند الصينية، وروسيا تحكم آسيا الوسطى وسيبيريا. اليابان بدأت في الصعود كقوة هائلة في المحيط الهادي.

هذه الدول، كانت دولا رأسمالية إمبريالية توسعية. أقامت المستعمرات لإمدادها بالمواد الخام. قامت بينها منافسة شديدة، أدت في النهاية إلى الصراع والحرب العالمية الأولى، التي بدأت عام 1914، بين كتلتين عظيمتين: ألمانيا و(النمسا- المجر) وإيطاليا في جانب. روسيا وفرنسا وبريطانيا العظمى في جانب آخر.

استمر القتل والخراب الناتج عن الحرب العالمية الأولى حتى عام 1918. أكثر من 9 ملايين جندي ماتوا في هذه الحرب البشعة، التي استخدمت فيها الغازات السامة أول مرة عام 1915. الولايات المتحدة لم تدخل الحرب إلا مؤخرا عام 1917.

الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917، أضافت إلى معاناة البشرية بعدا جديدا. عدم رضاء العمال عن حكومة نيقولا الثاني (1894-1917)، قيصر روسيا، قاد إلى إضراب عام. ثم إلى تخلي نيقولا الثاني عن الحكم. في نهاية سنة 1917، سيطر البلاشفة على كل البلاد.


البلاشفة، وهم فصيل اشتراكي ديموقراطي روسي بقيادة لينين (1870-1924)، قاموا بتصعيد الثورة واستخدام العنف. عندما وصل لينين إلى الحكم، قام بتأميم الأراضي.

بعد حرب مدنية واسعة النطاق، نجح البلاشفة، اسمهم الآن الشيوعيون، في السيطرة على ما تبقى من روسيا وبعض دول شرق أوروبا. وأصبحت الدولة الجديدة تدعى "اتحاد الجمهوريات السوفيتية الإشتراكية"، (USSR)، في عام 1923.

في عام 1929، ظهر الكساد الكبير، الذي كانت له آثار مدمرة على استقرار الدول الغربية، وخصوصا أنه جاء في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية.

في عام 1932، بلغ حجم البطالة في بريطانيا 25%، في ألمانيا بلغت 40%. حجم الإنتاج في الولايات المتحدة، تقلص إلى 50%. هذه الكارثة الاقتصادية، إلى جانب فشل عصبة الأمم ومعاهدات السلام بعد الحرب العالمية الأولي، مهد كل ذلك الأرض لظهور قوى قومية استبدادية جديدة، حكمت العديد من الدول الأوروبية.

في إيطاليا، ترأس موسيليني (1883-1945) نظام فاشي قومي. في الاتحاد السوفيتي، قام ستالين (1879-1953)، بالسيطرة على البلاد عام 1929. في ألمانيا، نجد هتلر (1889-1945)، يقوم بتكوين حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني، وجعله يمثل حركة الجماهير الألمانية. ثم يقوم بعد ذلك بالقضاء على كل خصومه.

أسلوب قنص السلطة هذا الذي لا يرحم، أدى في النهاية إلى صراعات، قادت بدورها العالم إلى الحرب العالمية الثانية، التي بدأ يشتعل أتونها عام 1939.

بدأت الحرب العالمية الثانية، عندما غزت ألمانيا بولندا. بسبب ذلك، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا. ثم تحولت إلى حرب عالمية لتشترك فيها العديد من الدول.

ألمانيا وإيطاليا، قامتا بمحاربة باقي أوروبا والإتحاد السوفيتي. اليابان، التي كانت تحارب إلى جانب ألمانيا وإيطاليا، غزت الصين واحتلت الهند الصينية. بعد هجوم الطائرات اليابانية على ميناء بيرل هاربر في جزر هاواي، انضمت الولايات المتحدة لكي تحارب في صف بريطانيا وفرنسا.

انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، عندما هزم الحلفاء ألمانيا، وعندما ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين، واحدة على هيروشيما والأخرى على ناجازاكي في اليابان.


لنا أن نتخيل ابان هذه الكوارث الإقتصادية والثورات والحروب التي لا ترحم والرعب الذري الذي يهدد بفناء البشرية، كم كان حجم المعاناة التي كابدها البشر.

الفنانون، بما لهم من إحساس مرهف، لا بد أن تكون معاناتهم وآلامهم هي الأعظم من بين باقي أفراد المجتمع. لذلك كان عليهم أن يبحثوا عن تعريفات جديدة واستخدمات أخرى للفن، كمحاولة لتغيير هذا الواقع المؤلم، أو على الأقل الحلم بمستقبل أفضل.

في عام 1880، كان يطلق على بعض الفنانين لقب الطلائع. وهو لقب مقتبس من العسكرية الفرنسية. ويعني الفنانين الذين يسبقون عصرهم ويرفضون الفن الكلاسيكي والأكاديمي التقليدي، ولا يدخرون جهدا في البحث عن صيغ وأساليب جديدة غير مألوفة. "ما بعد التأثيريين" كانوا هم أول من أطلق عليهم الطلائع.

الفنانون الطلائع في النصف الأول من القرن العشرين، أصبحوا قوة لا يستهان بها. ظهروا في الفن الأوروبي ضمن حركة فنية أوسع اسمها "الفن التعبيري". الفن التعبيري يعني الفن الذي يعبر به الفنان عن نفسه وإحساسه.

هذا يختلف عن مفهومنا للفن الغربي منذ عصر النهضة، الذي يركز على وصف الفنان للعالم الواقعي. أحد حركات الفن التعبيري التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، هو المدرسة "الفوفية" أو الوحشية.

المدرسة الفوفية أو الوحشية، تهتم بالضوء والمساحات بدون استخدام الظلال والنور. اللون يعرض بدرجة واحدة بدون تدرج. وتعتمد أيضا على تبسيط الأشكال، مما جعلها تقترب من الرسوم البدائية. الأشكال بسيطة أو مجردة مثل نقوش الأرابيسك والزخارف النباتية.

بنى الفنانون الوحشيون أعمالهم الفنية، على إرث فنانين عظام مثل فان جوخ وجوجان. بل يمكننا القول إنهم تخطوا من سبقوهم في تحرير الألوان من خواصها الوصفية، واستخدموها في التعبير والبناء والتكوين الفني للوحة.


إنهم يعبرون عن الشعور الداخلي للفنان، بالألوان الصارخة وضربات الفرشاة الجريئة. الفنانون الوحشيون، لم ينجحوا في تكوين هيئة تمثلهم. لذلك، سرعان ما بدأت المدرسة الوحشية في التفكك والذبول.

في خلال خمس سنوات فقط، بدأ كل فنان وحشي يسلك طريقا خاصا به. لكن خلال هذه المدة القصيرة، أنتج الفنانون الوحشيون، لوحات رائعة، أضافت ثروة لا تقدر بثمن لعالم الفنون.

أشهر الفنانين الوحشيين هو الرسام "هنري ماتيس" (1869-1954). كان ماتيس يعتقد أن الألوان تحمل معانيَ، ومن ثم لها دور أساسي في عالم الرسم. في إحدى لوحاته التي رسمها مبكرا لزوجته أميلي، "إمرأة بقبعة"، نجده يظهرها في ألوان تباغت وتبهر المشاهد.

هنا اللوحة كلها، وجه المرأة وملابسها والقبعة وخلفية الصورة، عبارة عن بقع ولمسات ألوان متجاورة بطريقة قد ينتج عنها في بعض الأحيان تعارض وتنافر.

يفسر لنا ماتيس أسلوبه هنا بالآتي: "ما يميز الفن الوحشي، هو أننا نرفض الألوان المقلدة للطبيعة. عن طريق الألوان الصافية النقية، يمكننا الحصول على تأثير أقوى".

بالنسبة لماتيس والفن الوحشي، الألوان هي العنصر الأساسي الذي يحمل المعنى في اللوحة. الألوان هنا ليست بهدف تقليد الطبيعة، ولكن لكي تؤثر بأسلوب ما في المشاهد.

التعبير في اللوحة، لا يأتي من تكشيرة في الوجه أو إيماءه هنا أو لفتة هناك، ولكن التعبير يأتي من اللوحة كلها، بتكوين وترتيب أجزائها، واختيار ألوانها، والمساحات التي تشغل موضوعاتها. النسبة والتناسب وكل شيء له نصيبه من المشاركة. هارمونية الألوان وتنافرها، تعطينا التأثير المطلوب.

الفن الوحشي وجد القبول لدي الكثير من الفنانين. إلا أن الفنانين الألمان، أضافوا للفن الوحشي بعدا جديدا جعله أكثر وحشية. وهو التشويه الموجع للصيغ والأشكال المتعارف عليها. ربما يكون هذا أكثر ملاءمة للتعبير عن الآلام والعواطف والأحاسيس إبان الحرب العالمية الأولى.


أول مجموعة فنانين ألمان تبنوا فكرة الفن التعبيري والوحشي، تجمعوا في مدينة دريسدين عام 1905 بقيادة "إيرنست لوفيج كيرشنر" (1880-1938).

خلفية كيرشنر في الهندسة المعمارية والرسم وفن الجرافيت، غرست داخله إعجابا دفينا بالفن الألماني في القرون الوسطى. يقول كيرشنر واصفا أسلوب مدرسته:

"نحن كشبان، ننظر إلى المستقبل، نريد الحرية لأنفسنا، لكي نقاوم القوى والمفاهيم المستبدة والمسيطرة على العقول لمدة طويلة. أي واحد ينتج فنا، بناء عن دوافعه الداخلية للخلق، بأسلوب عفوي أصيل، هو فنان ينتمي لمجموعتنا".

ركز كيرشنر على تأثير الثورة الصناعية على المجتمعات. وتبنى موضعات مثل اغتراب الفرد في المدينة، بسبب الميكنة والإنتاج الجماعي، وضغوط الحرب العالمية الأولى.

لاحظ في اللوحة السابقة، النشاز والتنافر في التكوين والألوان. النساء في مقدمة اللوحة في الحجم الكبير يقتربن من شخص ما بريبة وحذر.

المنظور الحاد للشارع يكاد يدفع النساء مباشرة إلى المشاهد ويجعلهن ينزلقن خارج اللوحة. أسلوب كيرشنر هنا يذكرنا بالرسام "إيدوارد مونك" صاحب لوحة الصرخة.

فنان آخر تعبيري ألماني هو "فاسيلي كاندينسكي" (1866-1944). ولد في روسيا، ثم انتقل إلى ميونخ عام 1896. كاندينسكي هو واحد من أوائل الفنانين الذين مارسوا الفن التجريدي كاملا. الفنان فاروق حسني، الوزير الأسبق للثقافة المصرية، هو فنان تجريدي أيضا مثل كاندينسكي.

كان كاندينسكي يغذي موهبته بنزعة صوفية وميل للعلوم الحديثة. كان مثقفا من الطراز الفريد، وقارئ نهم للفلسفة والتاريخ والأديان المقارنة وباقي الفنون، بالأخص الموسيقى. معرفته بتركيب الذرة، جعلته يعتقد بأن المادة ليس لها مضمون. لأن الذرة عبارة عن فراغ كبير بالنسبة لمكوناتها. مما جعله يشك في هذا العالم الملموس.

في القرن العشرين، واجهت المجتمعات في كل أنحاء العالم اكتشافات جديدة في العلوم، أدت إلى أسلوب جديد في التفكير، وأجبرت الإنسان على أن يعيد فحص طريقة فهمه لهذا العالم. كما جعلته يعيد تقييم مُثُله وقيمه العليا.

الفيزياء الكلاسيكية، التي وضع أصولها اسحق نيوتن (1642-1727)، تقول بأن هذا العالم عبارة عن آلة ميكانيكية، تتكون من الزمن والفراغ والمادة.

في بداية القرن العشرين، بدأ العلماء يشكون في النظرة الميكانيكية للكون، فيما يعرف بالثورة الثانية في العلوم والتكنولوجيا. أسهم في هذه الثورة العلمية، علماء أمثال: ماكس بلانك (1858-1947)، ألبرت أينشتين (1879-1955)، إيرنست رازرفور (1871-1937)، ونيلز بور (1885-1962).

كل عالم من هؤلاء، أسهموا في هز الإيمان بحقيقة فهمنا للمادة، ومن ثم مهدوا جميعا إلى علوم حديثة وعالم جديدة من المعرفة. نظرية بلانك في الميكانيكا الكمية عام 1900، والنسبية الخاصة لأينشتين، وتركيب الذرة لرازرفور، وبور. كل هذا أدى إلى فهم جديد للمادة والطاقة.

لم يتخلف الفنانون أيضا عن هذا الركب. بل أسهموا بإعادة تقييمهم للنظريات الفنية الكلاسيكية. لذلك نجد معظم تاريخ الفن في القرن العشرين، ما هو إلا تاريخ رفض للأساليب التقليدية.

من الفنانين التعبيريين الذين تحدوا الأسلوب التقليدي، واتجهوا إلى التجريد بجرأة شديدة، هو الرسام "بابلو بيكاسو" (1881-1973). ولد في إسبانيا، وأجاد كل مدارس الرسم التقليدي التي ظهرت في القرن التاسع عشر.

إلتحق بأكاديمية برشلونة للفنون الجميلة عام 1890. مهارته الفائقة جعلته يجرب أنواعا كثيرة من فنون التعبير، في إسبانيا ثم في باريس حيث استقر به المقام عام 1904.

أهمية بيكاسو في تاريخ الفن، هو أنه أسهم في إيضاح طرق جديدة لكي نرى بها العالم غير مسبوقة. يعتبر من أغزر الفنانين إنتاجا، مارس تقريبا كل أنواع الفنون خلال عمره المديد.

بيكاسو يعتبر تجسيدا للحداثة في الفن، بالرغم من تحوله من أسلوب لآخر. عندما استقر في باريس، كان أسلوبه هو الأسلوب التأثيري، وكان يوصف بالفترة الزرقاء، التي كانت تعبر عن الحزن.

كان بيكاسو يبحث بدون كلل عن أسلوب جديد. وجد بعض الدلائل في الفن والتماثيل البدائية. بدأ بيكاسو يرسم لوحة لصديقته "جيرترود ستين" في بداية سنة 1906. لكنه تركها بدون أن يكملها بعد 80 جلسة. ثم عاد لكي يرسم الرأس.

وجد بيكاسو أن هناك تفاوتا بين شكل الرأس وباقي الجسد. الرأس مفلطحة وليست بها تفاصيل كثيرة مثل التماثيل البدائية. بعين الفنان المرهف الحس، لم يجد هذا التفاوت عيبا، ولكن وجده يضيف قوة شديدة لشكل البورتريه. هنا، اكتشف بيكاسو أسلوبا جديدا لرسم صورة الإنسان.

هذه اللوحة تبين بوضوح مدى تأثير الفن البدائي على بيكاسو. وتمثل بداية أسلوب جديد جذري لرسم الأشكال والصيغ في فراغ اللوحة.

بدأ بيكاسو العمل في هذه اللوحة على أنها لوحة رمزية، اختار لها اسم "بيت دعارة فلسفي". يصور فيها رجلين زبونين، يختلطان مع نساء في غرفة استقبال في بيت دعارة بشارع "أفينيون" ببرشلونة. أحد الزبائن كان بحارا، الآخر يحمل جمجمة كرمز للموت.

عندما أنهى بيكاسو رسم اللوحة، كان قد حزف من المشهد الرجلين، وبسط تفاصيل الغرفة، لكي توحي بالستائر، ولكي تشبه رسوم "الحياة الساكنة" في مقدمة اللوحة. لأن بيكاسو كان يبحث عن أسلوب جديد لرسم هؤلاء النسوة الخمس داخل فراغ اللوحة، نجده هنا قد أظهر أجسادهن مكسرة، ومختلطة بمستويات تمثل الستائر وفراغات اللوحة.

هنا نستشف بداية الفن التكعيبي. المشاهد يرى الأجسام من مستويين مختلفين في نفس الوقت. يقول بيكاسو: "أنا أرسم الصيغ كما أعتقدها لا كما أراها".

الثلاث نساء على يسار اللوحة، رؤوسهن تشبه رأس "جيرترود ستين" في اللوحة السابقة لبيكاسو. المرأتان على يمين اللوحة تظهران في صورتين عنيفتين تجمعان بين القوة والبساطة، تبينان مدى تأثير بيكاسو بالفن البدائي الزنجي في هذه المرحلة، الذي قام بدراسته في متاحف باريس. بيكاسو وماتيس كانا متحمسين للفن البدائي يقومان بجمع تحفه النادرة.

لعدة سنوات، لم يُطلع بيكاسو أحدا على لوحة الآنسات إلا لبعض الفنانين. من هؤلاء "جورجز براك" (1882-1963)، وهو فنان فوفي أو وحشي.

وجد براك لوحة بيكاسو تمثل تحولا خطيرا في عالم فن الرسم. لدرجة أنه قام بتغيير أسلوبه هو بناء على هذه اللوحة. ثم قام بيكاسو وبراك بصياغة أصول الفن التكعيبي عام 1908.

يمثل الفن التكعيبي نقطة تحول خطيرة في عالم فن الرسم، ونقطة تحرر من الصور التقليدية التي هيمنت على العالم الغربي منذ عصر النهضة.

الفن التكعيبي يرفض التصوير الطبيعي للأشياء. يفضل تكوين الأشكال والصيغ في صور مجردة من العالم المرئي. يقوم الفنانون التكعيبيون باستخدام الأسلوب التحليلي لسيزان، ثم يقومون بتشريح المشاهد، وإعادة تكوينها في تصميمات جديدة لكي تكون موضوع جمالي جديد.

لوحة جورنيكا، رائعة بيكاسو، رسمها عام 1937. تصور مأساة الحروب بصفة عامة، وقصف الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية لمدينة جورنيكا عام 1937، بغرض الترويع خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

الفن السيريالي، الذي يستكشف ويصور أغوار النفس والأحلام، بلغ أوجه في أعمال الفنان الإسباني سلفادور دالي (1904-1989). أعماله تشمل: الرسم، النحت، تصميم المجوهرات، الأثاث المنزلي، والسينما.

قام دالي بدراسة الأعمال السيكولوجية الجنسية لكل من "ريتشارد فون كرافت إبينج" و"سيجماند فرويد". إخترع طريقة تساعده في رسم لوحاته، أسماها "طريقة البارانويا الحرجة".

يعتبر دالي حالة فريدة في تاريخ الفن التشكيلي. يتصف بالتمرد على المألوف، وهي حالة لازمته طيلة حياته. يملك مقدرة عالية على نقل ما يدور في عالم اللاوعي والعقل الباطن إلى لوحاته. كان مناهضا للدكتاتور فرانكو حاكم إسبانيا.

درس الفن الإيطالي الكلاسيكي وفن عصر النهضة وتأثر بالفنان ليوناردو دافنشي. أشهر أعماله، لوحة تمثل رجلا ينصهر وهو ممسك بشوكة وسكين، يتناول بها ما ينصهر من جسده المنساب على المائدة.

كان يكره التكنولوجيا والميكنة، يظهرها في أعماله بصورة بشعة. وكان يعتقد أن هذه الميكنة والتكنولوجيا هي التي تقضى على روح الإنسان وقدرته على الإبداع.

هذه اللوحة تلخص أسلوب دالي الفريد. الذاكرة هنا مستمرة والزمن متوقف. الشمس التي لا تغرب، تضئ صحراء جرداء. مخلوق غير واضح الملامح على ظهره ساعة جيب منصهرة أو في حالة تحلل. الساعات الأخرى كلها منصهرة.

واحدة تتدلى من على فرع شجرة ميتة، تنبت من صخرة على شكل مكعب أملس. ساعة ثالثة تتدلى من حافة المكعب الصخري. ساعة رابعة ملقاة على الصخرة.

سرب من النمل يحوم على الساعة الصغيرة، وذبابة كبيرة تقف على وجه الساعة المجاورة. دالي يعتني بالتفاصيل الدقيقة، لكي يقنع المشاهد أن اللوحة تمثل أشياء حقيقية. اللوحة تبين بوضوح أنها من هلوسات العقل الباطن. وعلى المشاهد أن يفسرها كما يريد.

عادة السيرياليون يستخدمون طرقا عديدة لكي يحرروا القوى الخلاقة داخلهم من سلطة الوعي الطاغية، التي شكلتها ضغوط مجتمعاتهم داخل نفوسهم. دالي كان يستخدم طريقة "البارانويا الحرجة" لكي يشجع التداعي الحر عند الفنان.

التداعي الحر، تقنية تحليل نفسي تعتمد على ترك المجال للشخص لكي يفصح عن الأفكار التي تتبادر إلى ذهنه دون تدخل أو توجيه من الخارج، لكي يتم استخدامها في تحليل وضعه الراهن.

الفنان الإسباني خوان ميرو (1893-1983)، فنان سيريالي أتقن هذا الأسلوب. منذ البداية، أعمال ميرو تحتوي على عناصر خيالية وشيء من الهلوسة.

بعد أن نصح الشعراء السيرياليون ميرو باستخدام الصدفة لخلق لوحات فنية، استخدم ميرو طريقة من اختراعه، تسمح له برسم لوحات مثل اللوحة المسماه "رسم".

بدأ ميرو رسم هذه اللوحة، باستخدام ملصقات متفرقة ووضعها على اللوحة في تكوينات مختلفة. الملصقات أصبحت زخارف أعاد تشكيلها، ثم عمل منها مساحات قام بتلوينها فيما بعد.

يصف ميرو أسلوبه، بأنه انتقال بين الوعي واللاوعي في رسم اللوحات. بدلا من أن أجلس لكي أرسم لوحة ما، أبدأ بالرسم. وأثناء الرسم، تبدأ الصورة في توكيد نفسها. أي أنها تبدأ تظهر كإمرأة مثلا أو طائر.


المرحلة الأولى من الرسم، هي مرحلة تداعي حر، أي حرية اللاوعي وجعله يفعل ما يريد. المرحلة الثانية، هي مرحلة الوعي والحسابات الدقيقة. قد تكون لوحة مثل اللوحة السابقة "رسم" ليس لها معنى يمكن شرحه، ولكنها بدون شك، تعبير عما يدور بالعقل الباطن الذي نعرف عنه القليل.

لكن أكثر الفنانين خيالا وجرأة على رسم العالم الغير منظور، عالم العقل الباطن، هو الرسام السويسري "بول كلي" (1879-1940). هو مثل ميرو في استخدام "التداعي الحر"، لكنه كان يبحث عن الطبيعة الإنسانية المدفونة في الأشكال والرموز البدائية.

مثل عالم التحليل النفسي السويسري "كارل يونج"، يعتقد "بول كلي" بأن العقل الباطن به جزء موروث عن جدودنا الأقدمين. هذا الجزء يظهر في صورة أشكال ورموز بدائية. نجدها عند الشعوب والحضارات البدائية.

"كلي"، ابن موسيقي، هو نفسه عازف كمان مقتدر. يعتقد "كلي" بأن فن الرسم مثل الموسيقى. له القدرة على التعبير عن العواطف، من خلال الألوان والأشكال والخطوط.

يقول كلي: "الفن لا يعيد انتاج المنظور الواضح، ولكنه يجعله منظورا وواضحا. لقد اعتدنا سابقا على رسم الأشياء الواضحة أمامنا. أشياء نحب أن ننظر إليها ونراها. أما اليوم، فإننا نبحث عن الحقيقة، التي تقبع مختفية بين طيات الأشياء المرئية".

لكي يبحث "كلي" عن الحقيقة المختفية خلف العالم المنظور، قام بدراسة الطبيعة بشغف. وكان مهتما بعمليات التغير والنمو في الأحياء. جذور أعمال كلي، هي الطبيعة. لكن الطبيعة تتغير وتشوه عند مرورها بالعقل.



عندما يبدأ كلي في رسم لوحة، يترك قلمه الرصاص أو الفرشاة لكي تقوده، إلى أن تظهر صورة. ثم يقوم هو بإكمال الفكرة.

هنا من السهل التعرف على الطيور في اللوحة، بعكس لوحات ميرو. لكن كلي، يرسم الطيور بأسلوب بدائي يشابه رسوم الأطفال، مصبوغة داخل العمل الفني بصبغة شاعرية غنائية.

حجم لوحاته الصغيرة، تضخم التأثير على المشاهد. المشاهد عليه أن يقترب، لكي يحل رموز هذه الصيغ الرقيقة، ويدخل معها عالم الأحلام الغامضة. الآلة التي يظهر يدها في اللوحة، تضيف شيئا للمشهد.

ليس هناك فنان آخر في القرن العشرين، يقارن برصانة الرسام بول كلي. لأنه خلق عالما من الغموض والتساؤلات، يجبر المشاهد على البحث بنفسه عن تفسير للعمل الفني.

بالطبع، الحديث عن الفن والفنانين لا ينتهي. هذه مجموعة مقالات عن الفن والفنانين. كنت أحسبها لن تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. وإذا بها تصل إلى 37 مقالة.


[email protected]
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2733


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة