الأخبار
منوعات سودانية
مقاربة ابستمولوجية للشخصية السودانية
مقاربة ابستمولوجية للشخصية السودانية
مقاربة ابستمولوجية للشخصية السودانية


08-13-2013 09:11 AM
في الاحاجي السودانية نجد قصة فاطنة السمحة والغول وود أم بعلو وأم كروتو وأبو النيران الخ .. جميعها شخصيات اسطورية من صنع الشخصية السودانية.


بقلم: ناجى الطيب بابكر الطيب

ذاكرة الوعي الاسطوري

مقدمة:

في الاونة الاخيرة كان السؤال الذي أطلق عددا مهولا من التساؤلات بدأ من النخبة الى مستوى الشارع .. حتى صار جزءا من حديث الشارع المعتاد هو سؤال الطيب الصالح من أين أتى هولاء؟

ويكمن الابهام في هذا السؤال احتماله لأكثر من أجابة رغما من ثوب التهكم الظاهر في السؤال إلا أن الناظر لروح السؤال تنتابه الدهشة كيف لمثل هذا المجتمع أن ينتج كل هذا وكيف للمجتمع أن يتقبل كل هذا.

فالنظام الحالي لم يأت من كوكب المريخ أتوا من رحم هذا الشعب بل من طبقاته الوسطى كل ماحصل ما بعد 89 الى يومنا هذا مرورا بتجربة انفصال الجنوب مدعاة لفتح الكثير من الاسئلة، فالمجتمع الذي أنجب هؤلاء بكل أفعالهم القمعية والاقصائية الغريبة على واقعنا الاجتماعي جدير بالدراسة خصوصا حاله الاستكانة التامة وعدم نزوع ذات المجتمع لابداء رأيه في كل ما يجري لدرجة أن الوطن ذاته ينقسم والشارع السوداني صامت كأن الانفصال تم في دولة أخرى .. إضافة للتغيرات السلبيه الحاصلة بسرعة الضوء على مستوى المجتمع نفسه.

فالارض السودانية بحدودها المتوارثة حاليا وما تبقى من تمظهرات لحضارات قديمة أثبت بما لا يدع مجالا للشك وجود مجتمعات كانت قادرة أن تقدم نفسها للعالم بصورة جيدة وأن تساهم في الحراك الانساني عموما. مجتمعات قبل الاف السنين أنجبت من باطنها ملكات شامخات كالملكة أمانى شخت. الاهرامات في حد ذاتها موضوع عصي الادراك معرفيا حتى على جامعتنا الحالية. صهر الحديد واستخراجه من هذه الارض تم قبل الاف الاعوام. ومن المفارقات الغريبة أن النوبيين قبل الاف السنين وقبل دخول الاسلام كانوا عبارة عن شعب يستقر على ضفاف الانهار تجاوز الطور القبلي بعد كل هذه السنين، ونحن نتقهقر اليوم من الطور الشعوبي الى هذه الردة القبلية.

أكثر من ذلك ظهرت دراسات استندت الى حفريات أثبتت أن الانسان الاول في العالم كان يقطن في هذه الرقعة الجغرافية فيما يسمى بإنسان سنجة الاول.

إذاً لهذه الارض كل هذا التاريخ المشرف. ماذا يحدث لنا الان لماذا وصل بنا الفشل الى هذا الحال منذ الدولة المهدية والمجتمع يتقهقر للوراء، فكل الحكومات السودانية الوطنية من الدولة المهدية ليومنا هذا نالت حظها من الفشل .

من هنا تكمن أهمية النظر بعين فاحصة للمجتمع السوداني ذاته ويبقى الجدير بالدراسة والتأمل ما وراء الظاهرة لا الظاهرة نفسها، لذا بدا موضوع دراسة الشخصية السودانية عقب كل هذه الحقب أمرا في غاية الاهمية بمكان. هذه الشخصية التي تحتضن كل ذلك التناقض المحير والتي يخرج من رحمها كل تلك الافاعي وأيضا كل هؤلاء الطيبين الذين نحبهم. الشخصية التي في مرحلة من مراحل تخلقها كانت تسمح لأنثى بأن تصبح ملكة متوجة تتحكم في ممالك بأسرها، هي ذات الشخصية التي تعاني ما تعاني فيها الاناث حاليا من قمع اجتماعي. الشخصية التي مهدت الطريق بسبب سلوك التنشئة الخاطئة للفرد وتقديس الكبير لكل هذه السنوات المظلمة من العهود الديكتاتورية. الشخصية التي أسرفت بصورة مذهلة في عدم تقبل الآخر مما قاد لتمزق الوطن ذاته وأصبح اللاطبيعي أن ترى مجموعة من السودانين متفقة على رأي واحد كما هو الحال في مؤسساتننا الحزبية المعارضة والحاكمة التي اشتعلت فيها عدوى انقسام الاحزاب حتى صار البلد الواحد في العالم الذى يوجد به ما يتعدى المائة الحزب هو السودان .

• تعريف الشخصية:

الشخصية لغة: في اللغة الانجليزية والفرنسية كلمة الشخصية (personality) مشتقة من الاصل اللاتيني persona وتعني هذه الكلمة القناع الذي كان يلبسه الممثل في العصور القديمة حين كان يقوم بتمثيل دور معين وقد أصبحت الكلمة، على هذا الأساس، تدل على المظهر الذي يظهر فيه الشخص.

الشخصيه إصطلاحا: تشير إلى مجموع العناصر المشتركة بين أفراد المجتمع من مواقف واستجابات تتجلى في مختلف أنماط السلوك والإحساس أو التفكير. أو بمعنى مختلف الشخصية هي النقطة التي تتقاطع عندها ثقافة ما شائعة مع مجتمع محدد ولا يخفي بالتأكيد أن الثقافة ذاتها منتوج فعل متوارث وحركه دؤوب للمجتمع مما يعني أن للشخصية ذاتها بعدها المتراكم.

• الملامح والمظاهر السلوكية للشخصية السودانية:

الشخصية السودانية بشكلها الراهن هي نتاج تلاقح الحضارة العربية الاسلامية بالحضارة الافريقية والحضارة النوبية. مما أكسبها مميزات ومقومات وخصائص متباينة فتمظهرت في شكل ملامح عامة للشخصية السودانية.

الملمح الاول: ثقافه تقديس الكبير

اتفقت كل الاعراق السودانية في وجود شخصية أساسية مسيطرة على كل النواحي المتعلقة بتلك الاثنية فمثلا نجد ناظر الهدندوة في قبائل البجا والرث عند الشلك والدقلل والكنتيباى وشيخ البلد... الخ. بالتأكيد وجود القبائل كطور من أطوار المجتمع ساعد على تنامي هذه الثقافة .

لكن حتى في المناطق الوسطى والنيلية التي انتقل فيها المجتمع من الطور القبلي ظهرت فيها ثقافة الخلاوي والشيوخ والحيران كمؤسسات أيضا تكرس لذات الفهم الأحادي بحيث تتفق كل المؤسسات الصوفية في وجود كبير (شيخ) يمارس سلطات اجتماعية شبه مطلقة، ويبدو ذلك واضحا في منطقة كمنطقة الجزيرة التي ذابت فيها القبائل بفعل التنمية الملازمة لمشروع الجزيرة والتطور الذى صاحبها على صعيد إنسان المنطقة بفعل التعليم وانتشرت فيها الخلاوي كمؤسسات اجتماعية.

حتى على مستوى الوحدات الصغيرة في المجتمع أي على مستوى الأسر تظهر سطوة الكبير، فمفردات الكبير وكبير البيت وكبير الاسرة شائعة لدرجة قد يمتلك فيها الكبير حق الصاح المطلق بتراضي تام وتصالح داخل الاسرة.

تنامي هذه الثقافة وشيوعها في الشخصية السودانية فتح الباب على مصراعيه لتقبل فكره الديكتاتورية وهدم الثقافة الديمقراطية فكل سودانى يولد وبداخله ديكتاتور صغير أو استعداد مطلق لتقبل فكرة الديكتاتورية. حتى الامثال الدارجة في ثقافتنا تصالحت مع هذه الفكرة "..الماعندو كبير يعمل ليهو كبير.." ومجموعه من الامثال التي تكرس للتصالح مع فكرة الانقياد والقطيع .



الملمح الثاني: النزعات الرعوية في الشخصية السودانية

مما لا جدال فيه أن أي مهنة لها ثقافة مصاحبة لها وأن المجتمعات ككل تصنف وفقا لعموم المهنة السائدة، فنجد المجتمع الصناعي في قمة الترتيب يليه المجتمع الزراعي ثم المجتمع الرعوي، ونلاحظ أن لكل مجتمع ثقافته التي تشكل وعيه الفيزيقي والميتافيزيقى .

فالمجتمع الصناعي مجتمع يعتمد على الصناعة وظهر ذلك المجتمع في القرن التاسع عشر نتيجه للثورة الصناعية وإحلال العمل اليدوي بالمكننة، ويتميز المجتمع الصناعي بالالتزام الصارم بالوقت والتخطيط والاستقرار والعمل.

أما المجتمع الزراعي الذي يعتمد على الزراعة، ففي فترة ما قبل الثورة الصناعية كانت المجتمعات الزراعية تسيطر على العالم وهو في الاصل تطور من نظم اجتماعية صغيره تقوم على الرعي والصيد وتربية الحيوانات.

والمجتمع الرعوى مجتمع يعتمد على الرعي بصورة أساسية ونلاحظ أنه في نهاية سلم تطور المجتمعات البشرية، والرعي في حد ذاته قد يكون أقدم مهنة عرفها الانسان، ويمتاز المجتمع الرعوي بالترحال وعدم الاستقرار والصراع على الماء والكلأ وقلة الوعي أو عدم الاكتراث للمعرفة واكتسابها بفعل عدم الاستقرار واستسهال قيمة الحياة، فالحرب قد تنشب فيه لأساب أكثر من تافهة وتسود فيه ردة الفعل الانفعالية دون النظر لعواقب الامور كحادثة المك نمر الشهيرة.

وما لا يخفي على فطنة القاريء أن أغلب ـ أن لم تكن جميع ـ القبائل السودانية بمن فيهم الجنوبيين والانقسنا والقبائل المستوطنة في تخوم البطانة وكردفان والبقارة كل هولاء رعويون حتى مناطق الشريط النيلي المتاخم لنهر النيل نلاحظ النزعة الرعوية رغم الاستقرار بقرب النيل والعمل بمهنة الزراعة، فحتى المزارع في تلك المناطق يكون غالب زرعها أعلاف حيوانات من برسيم وقصب وخلافه، فنجد المزارع يهتم بحرفة الرعي بطريقة غير مباشرة. ولزمن قريب في تلك المناطق المتاخمة للنيل تشاهد في الشوراع أزيار السبيل (المزيرة) وبجانبها حوض أسمنتي في الأسفل يستعمل لسقاية الماشية والبعير. حتى طريقه المساكن توضح النزعات الدفينة في الشخصية السودانية تجاه الرعى من شاكلة الاهتمام المتعاظم بالفناء (الحوش) وعدم الاهتمام بالنواحي الجمالية الى تعليق قرون الثور في مقدمه باب المنزل. وحتى المطبخ السوداني يميل للطابع الرعوي فنجد معظم الاكلات السودانية المشهوره لها علاقة بالثقافة الرعوية فالويكة على سبيل المثال قائمة في الاساس على تجفيف البامية واستعمالها لفترات طويله بعيدا عن مناطق زراعتها، وتجفيف اللحوم فيما يعرف بالشرموط ايضا كلها سمات خاصه بالترحال والهجرة والزوادة.

وفي الامثال الدارجة نجد احتفاءً مبالغا فيه بالنزعات الرعوية وكما هائلا من الامثال التي تؤطر للمرجعية الرعوية داخل الشخصيه السودانية (كراع البقره جيابا) (أرع بقيدك) (ركاب سرجين وقاع) (الجمل ما بشوف عوجة رقبتو) (التسوي كريت في القرض تلقا في جلدا) (الكلب ينبح والجمل ماشي) (سيد الرايحة بفتش خشم البقرة) ... الخ.

كما أن ثقافة الهمباتة والمنتوج الادبي والثقافة المصاحبة لها نلحظ فيها النزعات الرعوية الظاهرة.

وقد يكون جزءا من عدم الاستقرار والنمو والاحتفاظ بالطور القبلي والصراعات القبلية وفشل الممارسة الديمقراطية مرده لأسباب متعلقة بنزعات الرعي في الشخصية السودانية. وعدم تطور المجتمع لمجتمع زراعي بفعل غياب مشاريع التنمية، فالمشروع الزراعي العملاق في السودان مشروع الجزيرة أفرز تجربة كانت جديرة بالدراسة والاستفادة منها فهي على الاقل تكاد تكون المنطقة الوحيدة في السودان التي انصهرت فيها القبائل المختلفه في بوتقة واحدة بحيث صار يطلق على أبناء تلك المنطقة (ناس الجزيرة)، انتساب تام للمكان لا انتساب لقبيلة أو عشيرة.

الملمح الثالث: ذاكرة الوعي الاسطوري

يزخر الادب الشعبي السوداني بموضوعاته المختلفة من شعر شعبي وقصص وأحاجي بالعديد من الاساطير، ففي الاحاجي السودانية نجد قصة فاطنة السمحة والغول وود أم بعلو وأم كروتو وأبو النيران الخ .. جميعها شخصيات اسطورية من صنع الشخصية السودانية، وهى تعكس البعد الماورائي في تلك الشخصية. وامتداد لتلك الذاكرة الاسطورية ظهرت ثقافه الدجل والكجور والاسبار والزار والشيخ والفكي في الثقافة السودانية كتمظهر جاد لنمط تلك الذاكرة بصوره كثيفة في معظم الاثنيات السودانية.

والجدير بالنقاش هنا ملاحظة أنه رغم الايمان القاطع بالله لدى تلك المجموعات المتفشية فيها تلك الظواهر إلا أنهم يؤمنون بفكره الكجور أو الفكي كوسيط روحي بين الناس المعتقدين فيه والقوى الالهية المعتقد فيها أو الواسطة بين الجن والانس والقوه الالهية. وشبيه بذلك أيضا الاعتقاد في رجالات وشيوخ طرق الصوفية، في الاعتقاد في صدق وساطتهم بين الاتباع والمريدين والله.

ولعل شيوع ثقافة الواسطة بشكل غير مباشر في الشخصية السودانية في العلاقة بين مجموعة المعتقدين في المعتقد به؛ فتح الباب على مصراعيه لتقبل الخطاب الديني في الشأن السياسي بتلك الصورة الممجوجة وظهور أنماط التدين الشكلي لتحقيق مآرب دنيوية غرار ما تم في سنوات الحرب إبان التسعينيات ايام رواج مفاهيم عرس الشهيد أو بالاحرى ساهم في تشكيل جملة من القناعات الذهنية السطحية عن الدين نفسه .

على كل ما ذكر نلاحظ ان النزوع الاسطوري في الشخصية السودانية باعتبار طريقته اللاعقلانية شكّل في أحيان كثيرة تهديدا للمجتمع ذاته، فنجد حتى المثقفين والنخبة قد يتوجهون بالعشرات لشيخ يزعم مثلا أنه يعالج الامراض المستعصية بالكي بالنار (شيخ الكريمت) ويصبح الموضوع شغل شاغل لكل أطراف المجتمع ومسار حديث الألسن وما ان يخبو بريق ذاك الشيخ حتى يظهر آخر جديد يبدأ الناس من جديد بالحج إليه، في مفارقة ظاهره توضح ابتذال المعرفة والعلوم الانسانية حتى في داخل النخب والمثقفين السودانيين ناهيك عن عامة الجماهير.

الملمح الرابع: الملمح الذكوري للشخصية السودانية

بون شاسع بين زمن الملكة أماني شخت وواقع اليوم للمرأة السودانية . فالمرأة اليوم تقاتل لانتزاع أبسط حقوقها في المجتمع بدلا من أن تكون شريكا فعالا في بناء الواقع، فالمرأة تعاني من العادات والتقاليد والقمع لدرجة أن عاده ضارة كالختان حتى يومنا هذا هي مثار نقاش واختلاف. فالشخصية السودانية تحتفي بالذكر على حساب الانثى بصورة واضحة، فحتى على مستوى اللغة نلاحظ انحياز اللغة الدراجة في كثير من الاحيان لمصلحة الذكر مثلا عند المرور ببيت بكاء يكون السؤال المتبادر للطرح لمعرفة الشخص المتوفى هو (الميت منو) مع ملاحظة أنه من الممكن ان يكون أنثى. عدة أمثلة في اللغة تدلل هذا الانحياز. وعلى صعيد الامثلة الدراجة حدث ولاحرج من (المره لو بقت فاس ما بتشق راس) ... الخ من الامثال.

هذا الواقع حرم المجتمع من مساهمة المرأة السودانية في أحداث التنمية لو عرفنا أن تعداد الاناث في المجتمع يقارب تعداد الذكور. مجتمع يحدد نهاية المرأة بالزواج ويجعل منه شغلها الشاغل دون أن يهتم بأي دور لها آخر في المجتمع فإذا نظرنا للدور الذي لعبته المرأة في أرتريا أيام الثورة الارترية وخوضها للمعارك في خندق واحد بجانب الرجل نكتشف كيف أمكن لأرتريا التي تعدادها بالكاد يتجاوز الاربعة ملايين، كيف لها أن تنتصر ضد دولة يفوق تعدادها السبعين مليون نسمة.

على الرغم من هذا نجد أن واقع تعامل مجموعات المجتمع المختلفة يتفاوت في التعامل مع المرأة. فيظهر هذا التمييز في الاثنيات ذات الاصول العربية بصورة واضحة. لأن الثقافة العربية بمجملها تعاني من هذه المسألة بصورة واضحة.

الملمح الخامس: النزعات الاشتراكيه فى الشخصيه السودانية

لا يمكن أن تغفل عين أي متتبع بعين الفحص للشخصية السودانية مجموع العادات والتقاليد المتعلقة بالافراح والاتراح التي تتم ممارستها بصورة تكافلية بحيث تتضافر طاقة المجموعة ككل من أجل مساعده فرد ما .

قد تختلف تفاصيل الزواج عند السودانيين من منطقة لمنطقة أخرى أو من قبيلة لقبيلة أخرى لكنها تتفق جميعا في العمل الجماعي لمساعدة العريس من خلال تقديم المساعدة له فنجد ثقافة (الكشف) ذائعة الصيت عند مختلف الاعراق حتى في المدن الكبيرة يطلق عليها (التأهيل) حيث يقوم كل فرد من معارف العريس بالمساهمة بمبلغ ضئيل من المال وحين تجميع كل تلك المساهمات نجدها قد أضحت مبلغا مناسبا لإتمام تكاليف الزواج ونلاحظ هنا أن هذه المساهمات تمتد لتشمل حتى الاحزان فعند الوفاه أيضا يتم تجميع (الكشف).

ونلاحظ أن السودانيين لولا ثقافة التشارك والتكافل لما أستطاعوا تجاوز المطبات الاقتصادية الصعبة التي تمخضت عن الوضع السياسي المأزوم وفترات الحروب الطويلة. فحتى على مستوى الاسرة ساهم الترابط الاسري الممتاز من خلال التضحيات التي يقدمها الاباء والابناء الكبار في إعالة العاطلين من أعضاء الاسرة لحين توفر مصادر لرزقهم فهذه التضحيات كان لها دورها في الحفاظ على الاسرة من التمزق. وهذا ما لا يحدث في دول كثيرة غير السودان لدرجه ان الاوربيين عند دراستهم للوضع الاقتصادي المعقد للسودان يتساءلون كيف هذا الشعب قادر على الحياة في ظل تلك الاوضاع المتردية فهم يتعاطون مع الارقام المجردة لمستويات الدخل والصرف ويغفلون عن ثقافة المشاركه داخل الاسرة السودانية.

وعلى مختلف تنوع القبائل والاعراق السودانية نجد أن الاعراف ذات الصبغة التكافلية متوافرة لحد قد تكون مستنسخة من بعضها البعض، قد تختلف في المسميات لكنها تتفق في مضمون تشارك الكل في عمل بروح الجماعه لصالح فرد يبقى هو الاخر مدينا بهذا العمل لرده حين يتطلب منه الامر . وهنا يجدر بنا الحديث عن النفير كتمظهر جاد لنزعة التشارك في الشخصية السودانية وما قبل الحديث عنه نلحظ أن ثقافة النفير سمة قومية توحدت على ممارستها مختلف مجموع الاعراق في هذا الوطن حتى داخل المدن الكبيرة التي تندثر فيها عادات البداوة بصورة كبيرة .

النفير: ترجع كلمة نفير في أصولها اللغوية لكلمة نفر، والنفر في اللغه العامية السودانية يعني شخص واحد بغير ما يعنى معنى الكلمة في اللغه الفصحى فهي تعني مجموعة من الاشخاص. والنفير نظام اجتماعي دَرَج إليه اهل السودان منذ القدم يمكننا تعريفه بأنه مجموعة من الناس ينجزون عملا لمصلحة شخص ما. أو يمكن أن نطلق على كل عمل اجتمعت عليه الناس بلا مقابل نفيرا، ونجد انتشار النفير في مناطق الزراعة حيث يذهب الفلاحون صباحا باكرا من القرية نحو (بلاد) او حقل أحدهم لمشاركته فلاحة أو نظافة الارض من الحشائش ودائما يحدد صاحب (الفزعة) زمان ومكان النفير وفي أغلب الاحيان يصبح النفير دينا مستردا لأغلب المشاركين فيه ألا من تقدم بعذر مقبول للجميع .

والنفير لا يقتصر فقط على الزراعة بل يمتد ليشمل بناء المنازل والجدران فحين يتحطم منزل أو حائط فرد ما حتى على مستوى المدن بفعل الامطار او السيول سرعان ما يتدافع الناس عليه لبناء ما تهدم من مسكنه، ونلحظ بأن النفير هنا لا يحتاج الى نداء من الشخص الذي يحتاج اليه بل يهرع الناس من تلقاء أنفسهم لمساعدته. وأيضا نجد النفير منتشرا على نطاق واسع في بناء المساجد والمداراس والحصاد ونفير الكوارث مثل بناء حائط.

• ترابى لصد السيول والفيضانات

مما سبق يجدر بنا القول أن النفير تقليد يقوم على روح التشارك والتكافل وهو نزعة أصيلة في الشخصية السودانية عبر عنها بالعديد من الامثله :

اليد الواحدة ما بتصفق ... أيد على أيد تجدع بعيد ..

كذلك يمكننا أن نلمح العديد من تمظهرات التشارك والتكافل في مناطق جبال النوبة المنطقة الغنية بعادات وتقاليد ضاربة في القدم التي لطالما شكلت مرجعا لدراسة تاريخ السودان لما قبل وما بعد تمازج الشخصية السودانية بشكلها الراهن .

ففي تلك المناطق نجد العديد من ألاسبار التي تتم ممارستها بصورة جماعية تغلب عليها صبغة التشارك، والاسبار هي مجموعة من الاعمال والطقوس يقوم بها جماعة الكجرة والكجور ذاته هو نوع من الممارسات الروحية التي يمارسها الانسان البدائي في أفريقيا وتشتهر به بعض القبائل السودانية ذات الاصول الافريقانية. فالكجور هو شخص تحل فيه روح الجد وتدخله في غيبة تامة فيصبح هو الوسيط بين الناس وتلك الروح فيصبح أعتقاد تلك القبائل في الكجور اعتقادا روحيا مشابه لحد ما اعتقاد عدد كبير في مشايخ الطرق الصوفية من جهة أن كليهما يؤمن بأن الكجور او شيخ الطريقة يمتلكان قوة خارقة ومسخرة لفعل الخير .

ما يهمنا هنا تلك الاسبار التي تظهر فيها روح التشارك فنجد منها :

سبر العيش الذي ينفذ بعد نضوج المحصول وبدأ الحصاد.

سبر اللوبا أو اللوبيا وهو حدث مشهور يعرفه كل الناس في مناطق جبال النوبة.

سبر الصيد ويقام في فصل الصيف بعد الانتهاء من أعمال الحصاد وتخزين المزروعات.

[email protected]
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2931

التعليقات
#743028 [Ahassan]
0.00/5 (0 صوت)

08-13-2013 02:18 PM
دعاية الكسل المنسوبة للسودانيين، هل هي فعلا غير حقيقية! اذا كانت فعلا حقيقة ماهي اسبابها؟ هل كبر مساحة السودان تجعل الانسان لا يبذل جهد في الحصول علي الارض والزراعة داخل حوشه للحصول علي مؤنته لا تدفعة للحركة والاستزادة في الانتاجية؟ انا شخصيا بدات افتنع ان السودانيين كسالي هذا قول فيه كثير من الحقيقة


#742936 [المتجهجه بسبب الانفصال]
0.00/5 (0 صوت)

08-13-2013 01:08 PM
الشخصية السودانية يجب ان تتعلم مفاهيم المصلحة الجماعية وضرر المصلحة الفردية



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة