الأخبار
منوعات سودانية
رواية: حرب الأنهار أو «أنا وسيلفيا الهولندية»
رواية: حرب الأنهار أو «أنا وسيلفيا الهولندية»
رواية: حرب الأنهار أو «أنا وسيلفيا الهولندية»


ماساة شقة ميركاتوربورت في امستردام
08-17-2013 09:48 AM


محمد جمال: 1-5
طلب اللجوء السياسي في هولندا أمر مرير مشحون بالقلق وكبت قدر كبير من الحريات الشخصية بحكم الضرورات القانونية «التحقق من مسوغات طلب الحماية» كما هناك دوماً توقعات غير سارة. «أنت على الدوام في حالة تأهب كون الشرطة قد تأتي إلى غرفتك في أي لحظة بهدف ترحيلك قسراً إلى بلادك دون سابق إنذار كما قد يأتيك خبر في أي لحظة بإخلاء السكن كون طلبك قد رفض بشكل نهائي وفي كل الأحوال فأنت غير حر فعليك أن تتمم يومياً لدى إدارة المعسكر ما دمت تعيش به وإلا ستعاقب بسحب مصروفك الإسبوعي». كما أن طالب اللجوء غير مسموح له بالعمل كما عليه أن يتمم مرة واحدة في الإسبوع على الأقل لدى احدى نقاط شرطة الأجانب وإلا سيفقد حقه في طلب اللجوء وتسحب منه بطاقة الإقامة المؤقتة «الإنتظار». وإن حدثت مصادفة وهي ممكنة وأن حصلت على حق الإقامة الدائمة بناءاً على طلب اللجوء السياسي فليس من حقك أن تسافر إلى بلادك الأصل، غير منطقي، كون طلب اللجوء يقوم على الشك في أن هناك خطر على حرية أو/و كرامة أو/و حياة الإنسان في بلاده الإصل وإلا فهو من حيث المبدأ لا يستحق الإقامة بهولندا على ذاك الأساس. وإن إستطاع السفر إلى بلاده الأصل فذاك يعني أن ذاك الخطر قد زال وتزول معه تلقائياً الحوجة للإقامة بهولندا. ولكن بعد مرور السنوات فمن المحتمل أن يحصل اللاجيء على الجنسية الهولندية وعندها فقط يكون الإنسان حراً في السفر إلى أي مكان يريد وفق القوانين العامة والسارية.
في لحظة من لحظات الإنتظار المملة جاءني في غرفتي أحد الرفاق، سوداني الأصل «نادر كميل» الشهير ب»نادر حرفنة» نسبة لمقدرته الفائقة على المجازفة كما خداع «السيستم» كما عرف أيضاً بلقب آخر «نادر أوووس» فعندما تسأله سؤالاً لا يريد إجابته من قبيل «كيف وصلت إلى هولندا أو ما قصتك» فهو يضع اصبعه على شفتيه ويفتح عينيه الحمراوين إلى أقصاهما ويقول لك «أوووس» يأمرك بالصمت وإلا فهو دوماً جاهز للعراك يساعده طوله الفارع وعضلاته المفتولة وتهوره منقطع النظير مع أنه من ناحية أخرى رجل حساس وطيب القلب ويهب لنجدة المحتاج مهما كلفه من ثمن.
شرب نادر معي القهوة ثم أسرني بخبر سعيد «عمل». «عمل؟ أين وكيف»؟. « نحن لا يحق لنا قانونياً العمل مهما كان نوعه وحتى لو جمع القمامة من الشوارع، انت تعلم يا نادر». «أنا رتبت الأمر مع رجل سيرونامي من أصل هندي يعمل مدير قسم في مصنع لتعبئة الزهور». «أها». «سيتجاوز لنا مشكلة تصريح العمل عبر وسائله التي يعرف، وهو في المقابل سيأخذ ربع المبلغ الذي نحصل عليه مقابل عملنا في المصنع». خبر سعيد، أنا موافق». «سنذهب صباح الغد ومعنا عليم الجزائري و صبحي المصري وبرونو بيترسون اللايبيري».
لم اسأل نادر حرفنة لماذا إختارني أنا تحديداً دون الآخرين إذ لا مناسبة وقد أبدد فرصتي في العمل كما لم أسأله بالطبع عن لماذا عليم وصبحي و برونو بيترسون كوني لا أعرفهم من قبل وذاك بالطبع ليس شأني.. تكشف لي فيما بعد أنني بالإضافة إلى مهنتي الأساس في تعبئة الزهور أعمل بطريقة غير مباشرة في وظيفة مترجم ووسيط بين العمال الجدد والمدير التنفيذي للعمل كون الجميع بما في ذلك نادر حرفنة لا يجيدون أي لغة للتخاطب مع المدير التنفيذي للعمل.
كنا فرحين بمهنتنا الجديدة الأولى من نوعها «قص وترتيب وتعبأة الزهور» غير أن الحظ لم يحالفنا كثيراً بعد شهر واحد فقط من بداية عملنا هجمت علينا الشرطة وأخذت معها تلك اللحظة زملائنا صبحي وعليم و برونو بيترسون وألزمت صاحب المصنع بدفع غرامة مالية وفق النظام المتبع كونه ضبط وبمصنعه عمال وافدون وغير شرعيين لا يحق لهم العمل قانونياً. ورجعنا أنا ونادر إلى المعسكر ونحن نشعر بالغبن والمرارة والحزن على ضياع فرصتنا في العمل كما لا نعلم مصير زملائنا ولماذا أخذتهم دورية الشرطة معها، وأمرونا نحن الأثنين بالخروج من المصنع والذهاب إلى مكان سكنتنا وعدم العودة من جديد بعد أن شرح لنا أحد أفراد الشرطة الأمر الذي نعلمه جيداً وذاك أنه لا يحق لنا العمل في ظل أوضاعنا الحالية «إنتظار البت في طلب اللجوء السياسي» وتلك مرحلة قد تستمر إلى أشهر عديدة وربما عشرة سنوات أو أكثر في بعض الأحيان.
2-5
خلال أيام العمل بمصنع الزهور تعرف نادر حرفنة على السيدة «شوفينكا تاونفورت» إمرأة في منتصف العمر، تكبر نادر حرفنة بعشرة أعوام، إمراة بسيطة وطيبة القلب، أنيقة، برازيلية الجنسية ولو أن إصولها العرقية من احدى جزر الأنتيل، طليقة بحار هولندي، وتعيش منذ عدة أعوام وحدها بشقة مستأجرة في الناحية الجنوبية من حي «ميركاتوربورت» في أمستردام. الشقة مكونة من غرفتي نوم صغيرتين وغرفة جلوس كبيرة نسبياً، ستة أمتار مربعة، كانت كافية لخمسة وعشرين شخصاً يوم عيد ميلاد «سامنتا كورنيل».
فأقام نادر حرفنة مع شوفينكا تاونفورت في شقتها وفق إتفاق ودي بينهما وكان يجيء إلى معسكر اللجوء يوماً واحداً فقط في الإسبوع، يسجل حضور لدى قسم بوليس الأجانب وفق النظام العام المتبع في مثل تلك الأحوال. لقد ظهر نادر حرفنة تلك الأيام أكثر ثقة بنفسه وأكثر نظاماً من ذي قبل. غير أن هنائه لم يدم طويلاً. إذ بعد ثلاثة أشهر فقط من سكنتهما المشتركة ذهبت شوفينكا تاونفورت في زيارة عاجلة إلى أهلها قبالة ريو دي جانيرو، لكنها لم تعد أبداً، توفيت بعد ثلاثة إسابيع فقط من وصولها إلى هناك، لكن جاءت أخبار موتها إلى أصدقاء ومعارف نادر حرفنة متأخرة ستة أشهر، مأساة جديدة تضاف إلى مأساة قائمة، كان خلال كل تلك الفترة يحاول نادر حرفنة عبثاً التعرف على أخبارها وميعاد عودتها لكن دون جدوى حتى ألمت بنادر ذاته المأساة. خلال تلك المدة توجب على نادر حرفنة فعل ما بوسعه للحفاظ على الشقة بتسديد تكلفة الإجار عند نهاية كل شهر كما تكاليف الكهرباء والماء وكل شيء. كان عليه أن يثبت أنه رجل جدير بالأمانة، أمانة شريكته هذه المرة، في الحقيقة تلك كانت قناعته الذاتية وقد فعل المستحيل من أجل ذلك!.
3-5
بعد سفر السيدة شوفينكا تاونفورت بإسبوع واحد دعاني نادر حرفنة إلى زيارته في شقته بميركاتوربورت، ففعلت. عندما دخلت الشقة لأول مرة وجدتها محكمة النظام على النسق الهولندي التقليدي مع لمسات كاريبية لاتينية تتبدى هنا وهناك وكان نادر حرفنة حسن الهندام وتفوح منه روائح عطور نسوية.
الزيارة الثانية كانت بعد شهرين من سفر شوفينكا تاونفورت. هناك شيء تبدل في المكان وفي مزاج نادر حرفنة . هناك فوضى ورائحة التوليت تزكم الأنوف وأرضية المطبخ لزجة وتتخللها بقع سوداء. وكان هناك دستة من البشر يتجولون في المنزل ويحتلون أركانه الأربعة. بشر من جنسيات مختلفة منهم ثلاثة نساء يقمن بطريقة غير قانونية وفي الغالب يمتهن الدعارة غير الشرعية مع إدعائهن أنهن يعملن خادمات نظافة في بيوت بعض الأسر الهولندية، لكن عندما تنظر خلسة إلى أظافر اصابعهن الطويلة المطلية بمنكير فاقع اللون وتشتم نفحات العطور الباريسية تفوح من أجسادهن ربما أصبح الشك حقيقة واقعية. هناك تناقضات كبيرة في المكان وتناقضات في المزاج العام وتمايزات واضحة بين البشر الذين يقطنون شقة ميركاتوربورت. لم أسأل نادر حرفنة عماذا يجري هناك فالأمور واضحة. كل هولاء الناس يستأجرون منه فراشاً ولحافاً للنوم بدراهم صغيرة ثم ينهضون في أنصاف الليالي ينشدون غاياتهم الشتيتة في غابات أمستردام الليلية ومساءاتها الصاخبة البهية. تعرفت تلك المرة على سامنتا كورنيل، شابة في مقتبل العمر، كانت ضيفة ذاك اليوم قادمة من مدينة زاندام بالجوار، كانت ضد صخب المكان تبدو هادئة وربما خائفة، أقتربت مني رويداً رويداً، في الحقيقة أنا من دفعها إلى الطمأنينة وفق خطة غير معنية بالكامل. إذ كنت في تلك اللحظة أود التخلص من أحد سكان الشقة الذي أخذ معي كثيراً من الوقت يحكي أشياء خيالية وغير واقعية ومملة عن حياته وتاريخه الذاتي وعظمة أسرته في الماضي السحيق حينما كان جده مناضلاً ضد الإحتلال الفرنسي. فأخذت سامنتا كورنيل إلى احدى الغرف والتي تصادف أن كانت شاغرة، معتذراً بالخلوة معها، ألوذ من وعثاء الملل. كانت سامنتا كورنيل هشة وقابلة لكل شيء بما في ذلك مضاجعتها في الحال، لكني لم أفعل في تلك اللحظة، لم أستطع. فعلتها في مساء اليوم التالي. كانت سامنتا كورنيل سعيدة و شديدة الإحساس بلمساتي بالرغم من أنني لا أهتم وكنت في البدء أعاملها كعاهرة. كانت تلك هي الحقيقة أم لا، لا يهم، كان هو شعوري الذي ربما لم تستطع حركتي الفيزيائية ترجمته في الواقع. كنت أعاملها كجسد رث وربما موبوء بأمراض الأرض كلها، كنت أشك في كل شيء فيها حتى أنفاسها. كل الأمر أنني ظننتها عاهرة، فقط أحتاجتني جسدياً في لحظة محددة ليس إلا.
ظهر جلياً في مستقبل الأيام أن سامنتا كورنيل مغرمة بهيئتي الفيزيائية: «جسدك منظم، لم أرى أبداً مثل هذا الجسد الرفيع المرتب، انت وسيم»، رددت سامنتا كورنيل مثل تلك الكلمات ثم إنحشرت في صدري ونامت تلك الليلة كقطة وديعة هامدة. عندما صحوت عند الصباح الباكر كنت أشعر بالقرف والملل. لم أكن بالضرورة محقاً بالكامل في تصوراتي لرفيقة ليلتي لكن تلك كانت تهيآت الليلة التي أنقضت وقد فعلتها عدة مرات أخر في غضون شهرين تاليين ثم أنقضى الأمر بالحادثة المؤسفة.
4-5
قبل أن تكتمل فصول الكارثة بإسبوع واحد فقط تكشف لي بمحض الصدفة أن وضع رفيقي نادر حرفنة حرج، في الحقيقة هو في خطر. كان هناك عدد غير محدد من الغرامات المالية من بلدية أمستردام، شركة الكهرباء، مصلحة القطارات، الترام، البص، الضرائب، البقالات القائمة بالجوار و أشياء أخرى. ظهر نادر حرفنة مؤخراً مهموماً، قلقاُ وعصبي المزاج.
الكارثة حدثت ليلة عيد ميلاد سامتنا كورنيل. عيد ميلاد سامتنا كورنيل يصادف رأس السنة من كل عام. وكان ذاك عيد ميلادها الثاني والعشرين. كان حدثاً فريداً كونه صادف أيضاً الإحتفاء بي كعارض أزياء وفق المؤشرات الأولية التي جرت وكانت سامتنا كورنيل مخترعة الفكرة والمشرفة عليها بكل جدارة. الكل يعلم تلك الحقيقة. كنا نبدو جميعنا سعداء تلك الليلة بطريقة متجاوزة لواقعنا الصعب وظروفنا الحرجة. كان الإحتفال في شقة ميركاتوربورت صاخب والضوضاء تملأ المكان وزجاجات الواين الأحر الرخيص تزحم أركان البيت والبعض يخبي في جيوبه فتائل خاصة من الفودكا والويسكي بعضها مسروق من محلات «الخال خال» و البقالات الليلية. وهناك هدايا من عطور فاخرة باهظة الأثمان وصلت إلى سامنتا كورنيل لكنها غير مغلفة كما جرت العادة مما قد يدل على شبهة ما!.
4-5
عملت سامنتا كورنيل كل جهدها لأقناعي بأنني أصلح عارض أزياء. لم ترقني الفكرة، لم تكن واضحة، لم تخطر على بالي من قبل، لم أثق بكلام سامنتا كورنيل وكنت أشك في كل شيء. لكن على أي حال سامنتا كورنيل لم تيأس مني أبداً. وتحت مثابرتها الملحاحة قررت أن أجرب حظي، في الحقيقة حظ سامنتا كورنيل. سامنتا كورنيل دائماً ما تنتهز أسهل السبل وأقلها كلفة في جلب المال وعبر الوسائل التي لا تحتاج كفاءات او مهارات ذهنية أو أكاديمية. سامنتا جربت بنفسها من قبل لكنها فشلت في الإمتحانات الأولية مع عدة مكاتب متخصصة أهما «أؤلا وببارازي وماكس». في معظم المرات كان هناك عاملين يقفان حائلاً دون إختيارها كموديل وهما حجم أردافها الكبيرة وطولها أقل من مئة وسبعين سنتمترا، تلك عيوب حاسمة بالنسبة لمثل تلك المهنة الدقيقة. ما دون ذلك فلونها وملامح وجهها ليس في غاية الأهمية بالنسبة لتك المهنة. فكل الناس من كل الأعمار والأشكال والألوان والأمكنة تقتني بالضرورة الثياب والأحذية والإكسسوارات، وذاك ما يهم الشركات التجارية ولا شيء آخر.
صورتني سامنتا كورنيل مئات الصور، وأخذت مقاسات جسدي كلها بما في ذلك مواضع حساسة وليست ضرورية للمهمة المعلنة، وكتبت كل الممكن من مواصفات جسدي ولوني وبالغت في وصف شخصيتي وطبائعي. ومهرت الرسائل بإسمي وعنوان شقة ميركاتوربورت وأرسلتها في ظرف كبير مشحون بالصور والوثائق إلى خمسة من مكاتب الموديلات بأمستردام. كانت سامنتا كورنيل من تجاربها السابقة تعلم أن كل المقاسات تناسب المعايير وتفيض. .
بعد عدة أيام جاءتني ردود في شكل رسائل كثيرة التفاصيل من ثلاثة مكاتب بالإجاب يشكرونني على مبادرتي و يخبرونني بمكان وزمان لقائنا، بغرض المعاينة الأولية لوظيفة »عارض أزياء تجاري«. كما تحدثت الرسائل عن الشروط الضرورية والمؤهلات، كما ناقشت الحوافز المالية التي ربما أحصل عليها في حالة اجتيازي الفحص النهائي.
ذهبت للمعاينات الأولية وكانت سامنتا كورنيل بصحبتي في كل مرة من المرات الثلاثة. وكاد ان يغشى على سامنتا كورنيل من شدة الفرح عندما جاء الخبر بالموافقة من كل المكاتب «الثلاثة» وبشدة. فقط كان علينا خيار أفضلها بالنسبة لنا. .
أصبحت سامنتا بعدها لا تنام الليل، وإن لم تكن معي فإنها تهاتفني في اليوم الواحد عشرة مرات وأحياناً عند منتصف الليل. وتذكرني على الدوام بأنها لمدة عام كامل ستحصل على ربع المبلغ الذي ربما أتحصل عليه من وظيفتي المتوقعة كعارض أزياء تجاري كونها مديرة أعمالي.
وبدأت سامنتا على حين غرة تتغير وتتبدل وتشعر بذاتها إنساناً مهماً، وتحلم وتهيم وتسرح في البعيد، وابتاعت فساتين وأحذية جديدة كي تواكب واقعها الجديد بوصفها مديرة أعمال لعارض أزياء له حاضر ومستقبل باهران. وكانت سامنتا مفرطة الثقة في جدارتي وكفاءتي. ومرة من المرات فاض بها الخيال لتتوقع نفسها معي في ساحات هوليود. وأصبحت تدفعني كلما تجدني لأخلع ثيابي كي تمسج لي جسدي بالزيوت العطرة وتحثني على الرياضة كلما حانت الفرص. وكان عندها خطط بعيدة الأمد وأخرى قريبة الأمد، من ضمن خططها قريبة الأمد القيام برحلات سياحية إلى البرتقال وإبيدزا وفينيسيا.
كانت الأمور تسير بطريقة سلسة وفق ما خططت له وحلمت به سامنتا كورنيل. كان نجاحاً باهراً. وكانت برفقتي في الجولات التدريبة كلها، اخضعوني لتدريبات قاسية كثيراً ما أستمرت ساعات طويلة من ضمنها كورسات نظرية ودورات رياضية مكثفة. لمدة ثلاثة أسابيع، وكان في الجولة الأخيرة من التدريبات تركيز أكبر على تعلم الوقوف والمشي والنظر والابتسام بطريقة احترافية. وكان هناك عدد من المختصين يجلسون أمامي يخبرون المدير التنفيذي بماذا شعروا من حركاتي وسكناتي، حتى إذا ما اطمأن قلب المدير التنفيذي ضرب لي موعداً للجولة الحاسمة في الإسبوع الأول من السنة الميلادية الجديدة. .
انها مناسبة في غاية الأهمية، وهي عرض أزياء مصور الغرض منه اختيار الصور المناسبة لتنشر ضمن مئات الصور الأخرى لأناس من خلفيات وأعمار مختلفة في الكتاب الإعلاني الدوري لشركة نيكارمان وشركات أخرى لم أتعرف عليها ذاك الحين، كتاب نيكرمان الإعلاني يوزع مجاناً عبر البريد لملايين الناس من سكان الاتحاد الأوروبي.
كل صورة ستنشر تعادل مبلغاً ما من المال. سامنتا كورنيل تملك مقدماً ربع ذاك المبلغً. كان ذاك هو الإتفاق. غير أن ما حدث في نهاية المطاف كان امراً مختلفاً عما حلمت وخططت له سامنتا كورنيل.
5-5
في خضم المهرجان فوجئت بوجود زملاء مصنع الزهور «عليم وصبحي وبرونو بيترسون». لكن لا أحد يهتم تلك الساعة، فقط تصافحنا على عجل وقلنا ببعض كلمات المجاملة في وجوه بعضنا البعض دون أن يسمع أحد منا ماذا قال الآخر ونحن في خضم ضوضاء الكلام المتشابك والموسيقى الصاخبة وارتطام الأقدام على الأرض وتلاقي الأكف بالسلام وطقطقة «اللبان» في الأسنان وخبط الكؤوس ببعضها البعض وصرير السيارات في الشارع المجاور.
عندما انتهت مراسم إحتفال عيد ميلاد سامنتا كورنيل بدأت المشاعر تتهيأ للإحتفال برأس السنة الميلادية، لكن لا أحد كان عنده خطة محددة، فقط كان هناك عدد من الألعاب النارية مغلفة بالورق الملون كانت ملقاة على الركن الأيمن من الصالون، لا أحد يعرف من هو صاحبها على وجه التحديد، ذاك غير مهم، ففي شقة ميركاتوربورت إشتراكية مطلقة وحرية مطلقة وتضامن مطلق وكل شيء مطلق.
وعلى أي حال عندما جاءت الساعة الحادية عشر كان تقريباً كل من بشقة ميركاتوربورت ثمل ووجدت احدى الفتيات نائمة في التوليت. وكثير من الناس في تلك الأثناء نسي رأس السنة وأصبح يتمتم ويتلعثم ويهيم في خيالاته وحده والبعض لا يستطيع الوصول إلى التوليت دون الإستعانة بالحيطان. في تلك الأثناء وجدت أنا سامنتا كورنيل تجذبني بغتة من يدي بقوة إلى غرفة العمليات «هكذا يسمي نادر حرفنة احدى غرف المنزل» المخصصة للعناق واللحظات الرومانسية. كانت عقارب الساعة تحبو على مشارف العام الجديد. أذكر أن سامنتا كورنيل ذكرت لي خطتها من قبل أنها ترغبني داخلها لحظة التحول إلى السنة الجديدة، ذاك عندها من دواعي جلب الحظ والسعادة في العام الجديد. بدأت سامنتا كورنيل تخلع قميصي وعيناها في عيني تظهر عمداً تلذذها في وقاحة ودية بفتح الزراير حين تفعلها بهدو ورقة وعناية. كانت النافذة مفتوحة ومشرعة على الأفاق الملتهبة بينما سامنتا كورنيل منكبة على تجريدي من أشياء فائضة لا قيمة لها تلك اللحظة وهي «الثياب»، هناك أضواء كثيفة وأصوات الألعاب النارية تصم الآذان. وفي اللحظة التي كادت سامنتا كورنيل أن تجردني من آخر قطعة قماش على عجيزتى، شهدت على حين غرة في قلب بؤرة الضوء المتفجر كالبركان وجه فتاة جميلة وكأنها الملاك تحلق في الأفق وتسبح وسط خيوط النار تؤشر ناحيتي بكفها اليمنى بينما تمد لي اليسرى آمرة «اقرأ لي الكف يا ساحر النيل» ثم شرعت تصيح في صوت الطلقات النارية غاضبة «تعال إلى هنا، إلى بؤبؤ الضوء» تأمرني أمراً حاسماً ونهائياً « امنع تلك الفتاة عما تود أن تفعله بك». فأصبت بقشعريرة صادمة وتملكني الرعب، فخرجت كالممسوس من الغرفة أهرع إلى الصالون، مذعوراً وشبه عار تاركاً سامنتا كورنيل في دهشتها محبطة وتشعر بالبؤس.
عندما ألتقيت سيلفيا لأول مرة في قطار الراين بعد عدة أشهر من تلك الواقعة شعرت بأنني أعرف هذا الوجه الملائكي من قبل وإنني رأيت حتماً تلك الكف التي مسها سحري فسحرتني. بعد تلك الواقعة الغريبة خرجت سامنتا كورنيل يكللها الإحباط الشديد إلى الشارع حيث نادر حرفنة وعليم الجزائري كانوا هناك بالقرب من باب الشقة في الخارج يحدقون في الفضاء المتقد و يشعلون بين الفينة والأخرى القليل من الألعاب النارية التي كانت بحوزتهم . وعلى حين غلفة جاءت شعلة نارية كأنها طلقة حية أصابت جسد نادر حرفنة مخترقة الجهة اليسرى من صدره، فسمع الناس آهته تكدر المسافات ثم سقط ميتاً في الحال والنار تشعل ثيابه حتى أصبح بقطعة قماش واحدة على عجيزته. فدخل بعدها عليم الجزائري إلى المنزل وأخذ سكيناً من المطبخ وأتجه ناحية جماعة من الرجال والنساء البيض كانوا يتجمهرون ناحية الركن الأقصى من الشارع ويطلقون ألعاب نارية شديدة الإنفجار. جرى عليم الجزائري ناحيتهم وهو يصيح غضباً ويشهر السكين من أمامه فصادفته دورية للشرطة قادمة في الإتجاه العكسي من الشارع ففتح فيه أحدهم النار فأرداه قتيلاً برصاصة في رأسه.
وعلى أثر تلك الواقعة المؤسفة والحزينة انتهت شقة ميركاتوربورت وانتهت علاقتي المريبة مع سامنتا كورنيل وانتهت حكاية عرض الأزياء. وعندما طلبني متعهد وزارة العدل الهولندية ليبلغني خبر حصولي على حق اللجوء السياسي بهولندا لم أفرح وكنت أشعر بالحزن والبؤس بالذات عندما علمت أن القرار صدر قبل موت نادر حرفنة وعليم الجزائري بعدة أيام وأنهما بدورهما قد حصلا على الإقامة الدائمة لأسباب إنسانية. ثم علمت فيما بعد أن شوفينكا تاونفورت قد ماتت بدورها قبل ستة أشهر خلت بذبحة صدرية بأحدى ضواحي ريو دي جانيرو . كان حزن. لكن من هنا بدأت حياة جديدة مختلفة. إنه من طبيعة الأشياء.

الصحافة


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 2778

التعليقات
#746479 [إسحاقين]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2013 10:37 AM
رواية عالمية
كلها مضاجعة ومساج وكلام فارغ، والخواجات يصفقوا!
تتكلم يقولوا ليك انت بتنظر للحتة دي لي؟!
معناها أنت ذلك عندك فيها هوى
زي واحد ببول في الشارع
تقول ليه: يا خي اتغطى
يقول ليك أنت بس حسة ما شفت إلا البول دا؟!
عالم عجيبة
البكون سفيه يقول أنا سفيه وواطي
وما يدسى


ردود على إسحاقين
[إسحاقين] 08-18-2013 06:54 PM
طيب حصل سمعت ليك برواية عالمية ما فيها جنس؟!!
حسة روايات الطيب صالح كان ما السفاهة الفيها دي في زول بشتغل بيها؟!!
ملايين البشر مبارين الخواجات الرمم ديل
يشخبتوا الحيطة يقولوا فن تشكيلي
نشخبت يقولوا شماشة
يرقصوا عرايا يقولوا مرح
يلبسوا هدوم مشرطة يقولوا موضة
والمدافعين البلدا جاهزين

United States [ود البلد] 08-18-2013 02:32 PM
إسحاقين
الرواية فن يا صديق ما عندو شغلة بجنس تقييمك دا


#746213 [نهال السر]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2013 07:45 PM
عجيب والله!


#746206 [Muram]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2013 07:18 PM
الزول دا كتاباتو خادعة. مرات بغيزني!. كتابتو ضلها يبدا مييييت وسااااهلة وشوية شوية يجرجرك و بغتسك حبة حبة في البحر لحدة ما تلقاك غرقت وحتلت في القاع.


#746197 [شقة الشقوق]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2013 07:00 PM
يهود يهود يهود شماعتكم اليهود فى الفشل ماهو عمنا بتاع الرواية مبسوط نسوان وشراب من الخال خال وعضة من العم عم وفساد بهجة لما جاء هادم اللذات لنادر وبومدين مافرحت بالاقامة اسمع ياخونا دى رواية مخستكة شابكنا نادر مفتول العضلات وصاحب النظريات اين عضلاته مع الموت واين دجنوانيتك مع النساء الهولنديات عامل فبها عبد المطلب الفحل وعارض ازيا باين عليك عجل الله يخرب بيتك ماهى امستردام معقل العجول ويسكنها ايضا كبير العجول السودانيين اول حرف من اسمو عمار


#746035 [Malass]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2013 02:19 PM
man that was good, you can write that is awesome keep it up


#745984 [مجدي]
4.00/5 (1 صوت)

08-17-2013 01:03 PM
إبداع. مقدرة مدهشة على الحكي بسلاسة تجعلك تشعر انك في قلب الحدث. شكرا لجريدة الصحافة على توصيل هذه التحفة الفنية الساحرة


#745943 [دا كلام صاااااح]
0.00/5 (0 صوت)

08-17-2013 12:11 PM
قصة جميلة تعبر عن واقع غير مألوف وربما لم يتم التطرق اليه من قبل فى الرواية السودانية ..
ذكرتنى بقصص أسامة رحمة التى تعكس جزء من الحياة فى اسبانيا
نتمنى ان نرى كثير من هذا النوع يعكس الحياة وبعض الواقع فى الدول العربية مثلا او حتى امريكا واستراليا..
شكرا محمد جمال لمشاركتنا هذا الأبداع


#745915 [دقنة]
5.00/5 (2 صوت)

08-17-2013 11:40 AM
هولندا دولة عنصرية يتحكم في مفاصلها اليهود وتستخدم سياسة الفصل العنصري الخفي ومحاربة الإسلام ظاهراً وباطناً ،،، من هاجر إليها قبل خمسون عاماً كي يساهم في حضارتها الحالية من المغاربة والأتراك ليس لهم حقوق ويعاملون كمواطنين من الدرجة الرابعة ،، تاريخها سيئ ومستقبلها أسوأ بإذن الله ،،، معظم من هاجر إليها من المسلمين والأفارقة رحلو عنها ،، تصلح فقط نقطة عبور ،، هنالك قصص مؤلمة حدثت للكثير من الأجانب في تلكم الدولة ترقى للجرائم ضد الإنسانية وجلّها موثق في منظمة العفو الدولية ،،، أنصح كل سوداني مقيم بها بكسب زمنه والتوجه لبريطانيا وأمريكا فوراً حال الحصول على وثيقة سفر تمكنه من ذلك ،،، نصيحة لوجه الله

أما بالنسبة للقصة أعلاه فلا أملك إلا أن أقول ،، لا حول ولا قوة إلآ بالله ،، إنّآ لله وإنآ إليه راجعون ،،، حسبي الله ونعم الوكيل


ردود على دقنة
European Union [دقنة] 08-18-2013 01:41 AM
بالفعل سادن !!! لائق عليك الإسم وفي محلّو تمام ،،،، الحمد لله النصيحة وصلت لأصحابها

[سادن] 08-17-2013 04:51 PM
يا دقنة سلااام
لكن ما عندك موضوع. قطعت ليك خطبة جمعة من راااسك ساي. دا ادب فن يا دقنة بما فقيسوه بالدين عندو ادوات نقد تانية. يعني الزول البزني أو البكتل في الرواية بزني في الواقع هههه عالم غريبة.

ثم مين القال ليك هولندا يهود. وافترض، ما إسرائل زاتها فيها لاجئين سودانيين هربوا من الجوع والتنكيل في بلادهم. ثم كيف تكون أمريكا وبريطانيا أفضل من هولندا. ومعروف ان اكبر عدد من اليهود في العالم بعد اسرايل في أمريكا.

يعني غايتو يا دقنة تاني الا نقول لناس جريدة الصحافى ينشرو ليك رواية بدقن ههههه

United States [ali elamen] 08-17-2013 02:06 PM
أخى دقنه أحيك أطيب تحية , كلامك مظبووووووووووووووووووط ميه الميه و ونحن عيشين هناك...



على ...



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة