الأخبار
أخبار سياسية
الإخوان المسلمون، ومصر، إلى أين؟
الإخوان المسلمون، ومصر، إلى أين؟



08-26-2013 09:28 AM



أضاع الإخوان المسلمون فرصة ذهبية لولوج العمل السياسي الرسمي، بعد أحداث الربيع العربي، وإظهار صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية التي لحقتهم.




بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

ماذا لو وافق الرئيس المعزول محمد مرسي مطالب ومناشدات الجيش المصري، ومن قبل، لمطالب عديدة لأطياف من المعارضة وحتى الموالاة، لانتخابات رئاسية جديدة تعيد الأمور إلى نصابها، وتطفئ نار الفتنة في مهدها؟ ألم تكن على الأقل الكثير من الدماء المسالة قد حفظت، والكثير من فرص الأجواء السلمية قد أسست.

لقد كان للإخوان المسلمين فرصة ذهبية لولوج العمل السياسي الرسمي، بعد أحداث الربيع العربي، وإظهار صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية التي لحقتهم، ظلما أو عدلا، من الشمولية، والسعي للاستيلاء على السلطة، والعنف، والازدواجية في الخطاب، والاستئثار بالرأي، والعلو المصبوغ برحابة الصدر، بعدما كان يحلم الإخوان المسلمون باعتماد جماعتهم ولو في باب الجمعيات الخيرية أو الاجتماعية، حصلوا على أكثر من ما كانوا يسعون إليه من اعتماد جماعتهم، وتأسيس حزبهم السياسي، حزب العدالة والحرية.

لقد تمنى عقلاء الإخوان المسلمين من القائمين على الجماعة أن يزنوا النعمة المواتية بحقها ويقدروها حق قدرها، وأن يحسبوا كل خطوة حسابا دقيقا، عسى تحقق للشعب المصري أهدافه النبيلة من حرية وعدالة ورقي، ولقد كان من هؤلاء الدكتور كمال الهلباوي الذي لم يرق له بتاتا ولوج الإخوان المسلمين إلى معترك الرئاسيات، فلقد كان يرى أن فعلة مثل تلك تعد انتحارا سياسيا، وأظن جازما أن الكثير كان يشاطر الأستاذ كمال الهلباوي الرأي، إلا أنهم لزموا الصمت إما لعدم الشجاعة والجرأة، وإما لالتزام الطاعة في المكره والمنشط.

لما عزل الرئيس محمد مرسي يوم 3 يوليو 2013، نتيجة الحراك الشعبي ليوم 30 يونيو 2013، لا يمكن حصر المشهد السياسي في انقلاب على شرعية دستورية فقط، الأمر عند الملاحظين الثاقبين أعمق وأدق، منذ استلام الرئيس المعزول محمد مرسي سدة الرئاسة والأخطاء تتوالى، والاستفزازات تتلاحق ضد هؤلاء أو أولئك، ولقد اعترف الرئيس المعزول محمد مرسي بجملة منها، دون ذكرها سنحاول جاهدين إبرازها:

1) إحالة المشير الطنطاوي والفريق عنان للتقاعد: يبدو أنها كانت أولى الخطوات والرسائل غير الموفقة للرئيس محمد مرسي، خلع قامتين عسكريتين، 40 يوما بعد جلوسه على كرسي الرئاسة، فُهم من طرف الجيش أنها عملية لغربلة الجيش من عناصر مشتبهة أنها من نظام الرئيس المعزول حسني مبارك، والأخطر، أن الرسالة فُسرت على أنها خطوة لأخونة الجيش، مما دق جرس إنذار لدى القيادات العسكرية. في بلد عادي، في ظروف عادية، الأمر كان يمر باعتيادية، لكن في بلد حديث عهد بديمقراطية، الأمر كان فيه ريبة وتكريس لسوء النية.

2) إعادة البرلمان وإلغاء الإعلان الدستوري: في سابقة هجومية لم يحتسب الرئيس المعزول كل النتائج عنها، اعتبرت تحديا، والهدوء السائد في تلك الحقبة من طرف مؤسسة الجيش، لم يكن إلا هدوءا سبق عاصفة التفكير بجدية في البناء التحول الديمقراطي لمصر على أسس جديدة.

3) التوتر المسلح بسيناء: مقتل 17 جنديا مصريا بسيناء، في الأسابيع الأولى للعهدة الرئاسية، ثم الوساطة "الرئاسية" لإطلاق سراح مجندين مصريين بسيناء، المشبوهة لطرف، والناجحة لطرف آخر، يبدو أن القادة العسكريين فسروا أنه يوجد نوع من التواطؤ بين الرئاسة وبعض الجماعات المسلحة لإضعاف الجيش "سياسيا"، وتلويع صورة الرئاسة بالمقابل.

4) طريقة القطيعة الدبلوماسية مع سوريا، وإعلان النفير العام فيها: يرى الكثير من الملاحظين أن تجمع دعاة وعلماء من كل أنحاء العالم العربي بمصر والشيخ القرضاوي على رأسهم، وإعلان الجهاد بسوريا، وإعلان القطيعة مع النظام السوري، قد أحرج كثيرا الجيش المصري إلى حد استصداره لبيان توضيحي، ولعل عدم التناسق بين وزارة الخارجية والرئاسة الملحوظ في هذه القضية قد أبان عن بوادر عدم الرضا عن خطوة الرئيس المعزول محمد مرسي، زيادة إلى إعطاء صورة أن مصر أصبحت قاعدة خلفية لعمل مسلح ضد بلد عربي آخر.

5) إعداد الدستور: هيمنة الإخوان المسلمين على لجان إعداد الدستور والخروج بدستور غير توافقي وبصورة تشبه الإكراه، والتعجل في استصداره، لم يساهم في طمئنة جماهير الطرف المقابل المتزايدة، إن الطرش السياسي والعمى الحركي لا يمكن إلا أن يؤدي إلى حالة من الانسداد في المجتمع الذي قد يؤدي بدوره إلى انفجار الأوضاع.

6) عدم التوفيق في تطمين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة: لقد كررنا مرارا، أن عالمية تنظيم الإخوان المسلمين ثم اقترانه بالسياسة وارتباط أعضائه ببيعة، هو العنصر الرئيس لتوجس بلدان عربية عدة من جماعة الإخوان المسلمين، تأسيسه في وقت قديم في ظروف سياسية خاصة، قد نتفهم الأمر آنذاك، لكن في ظروف تأسيس الدول واعتماد الدساتير، وسيادة القوانين في العمل السياسي، لا يمكن إلا أن ينظر إلى التنظيم كعامل تكريس للفتنة والهيمنة والتدخل في شؤون الدول، لا عامل بناء وتشييد، أتمنى أن يتبصر الإخوان المسلمون أو جيل جديد منهم إلى أهمية هذه النقطة، عساهم يقاربوا مقاربة إيجابية للواقع السياسي العربي الجديد، ويساهموا في تأسيس عهد جديد.

7) عملية الأخونة الأفقية: في دولة عادية، في ظروف عادية، بين أحزاب تؤمن بالتداول على السلطة، لا يمكن أن ينظر بمنظار الريبة، إلى تولي عناصر مقربة من الحزب الفائز على مناصب عليا وإستراتيجية، الأمر سيكون طبيعيا، إلا أن الأمر في مصر ليس بتلك السهولة، لقد كان العام الأول للرئيس المعزول محمد مرسي، محاولة متسرعة إلى حد الحيف، لأخونة قطاعات شاسعة من المجتمع المدني، من القضاء إلى الإعلام، ومن الاقتصاد إلى الفن، مما أوقد في قطاعات كثيرة من الشعب المصري نار الخوف من المستقبل الديمقراطي لمصر.

8) عدم الوفاء بالعديد من الوعود الرئاسية: بداية من تعيين نائبين للرئيس، الأول من الأقباط والثاني من النساء، إلى عدم التوفيق إلى دفع عجلة الاقتصاد المصري، لأسباب عدة، البعض منها سياسية، والأخرى اختيارات خاطئة، أزمة السولار والبنزين وتفشي البطالة، من أبرز معالمها.

9) اعتماد أسلوب المغالبة السياسية، والاخشوشان السياسي، في القضايا العالقة: لا يخفى على متبصر أن رضوخ مؤسسة الرئاسة لمطالب الجيش والمعارضة السياسية، كان يحقق نتائج إيجابية أكثر من الحالة الآن، كان يمكن للرئيس المعزول أن يسير مرحلة انتقالية، وأن يترشح لانتخابات لاحقة، فيحفظ بذلك مكاسب سياسية عدة لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أسلوب الخشونة السياسية المتبع أدى إلى تقوية الصف المعارض، وإلى خشونة سياسية معاكسة، الفريق السيسي لم يقل إلا ما كان يتمناه عندما التقى رموزا من التيار الإسلامي في السابق، وتمنى أن لو لم يترشح إسلامي للرئاسة، لعلمه المسبق أن الظروف غير مؤهلة بعد لذلك، وأن على الإسلاميين النضج أكثر لكي يتحولوا من جماعة إلى حزب، ومن رجال جماعة إلى رجال دولة. الأسلوب المتبع من طرف الإخوان المسلمين للاعتراض على عزل الرئيس محمد مرسي، شبيه بأسلوب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، التي اعتمدت نفس أسلوب الاعتصامات، والمسيرات، والتجريح في قيادات الجيش، وتصوير الموقف السياسي، كحرب بين الكفر والإيمان، واستيلاء رجال دعوة على الخطاب السياسي، الناري في أغلب الأحيان، بدل أن يخاطب سياسيون متمرسون جماهيرهم.

الإخوان المسلمون المصريون بحاجة إلى قيادة واعية جديدة أمثال الإخواني الراحل الشيخ محفوظ نحناح، الذي عرف كيف يحفظ كيان الإخوان المسلمين بالجزائر من المغامرات غير المحسوبة، وأن يحفظ تواجدهم إلى حد الساعة ولو بصفة أضعف وللحركات الإسلامية عموما، رغم ظروف العشرية السوداء الدامية، أن تخسر موقعا سياسيا ليس أخطر من إراقة أي قطرة دم.

أتذكر وأنا في شبابي، أن بمدينتنا، أرادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تعتصم وتواجه قوات الأمن بأمر من القيادة المركزية السياسية، وأتذكر أن عضوا من الجبهة الإسلامية للإنقاذ أشار عليهم باستشارة رجل حكيم بالمدينة، فلما تجمع الناس حوله لطلب رأيه في ما طلب منهم من الاعتصام ومواجهة قوات الأمن، أجابهم الشيخ الحكيم بقولته: من يستطيع من الحضور أن يتحمل أرواح قوات الأمن أو شباب الجبهة الإسلامية الإنقاذ التي يمكنها أن تسقط؟ فلم يجرأ أحد أن يجيبه، فأمرهم بالانصراف والعودة لبيوتهم.

قد يرى البعض في ذلك الزمان أن الأمر تقاعس وردة، إلا أن الحقيقة أن ما أقدم عليه ذلك الرجل الحكيم، شجاعة ما بعدها شجاعة ساهمت في الحفاظ على العديد من خيرة شباب البلد من هذا الطرف ومن ذاك.

مصر ليست ملكا لفصيل دون فصيل، ولا يمكن أن يفرض طرف رأيه على الجميع، لا بد للجميع مراجعة الذات والبداية على أسس صافية لمصلحة مصر وشعبها بكل مكوناته وأطيافه وتياراته.



عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

[email protected]
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 722


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة